تسجيل الدخول

"أنت" رصيدك الحالي 20 جنية لمعرفة كيفية الاستلام

أول منتدى يتيح للأعضاء الربح المادي من خلال مشاركاتهم ,, هدفنا الحصول على الكفاءات

آخر عملية تحويل أرباح يوم [20-2-2014] عملية التحويل القادمة يوم [20-4-2014]

أزياء للبنات

girls fashion


العودة   منتدى مملكة الدوشجية > القصص والروايات

القصص والروايات لكتابة وقراءة اجمل القصص والروايات

قصة نفق سجن الحلة المركزي

 
 
  #1 (permalink)  
قديم 12-24-2005
عضو نشيط
رقم العضوية : 10360
تاريخ التسجيل : Nov 2005
مجموع المشاركات : 2,602
Nsr_Mnasra غير متواجد حالياً

Nsr_Mnasra جيــــد

إجمالي أرباحي : 284 جنية
الرصيد الإفتتاحي : 20 جنيه

 

القيد وأناشيد البطولة
المقـدمـــة

كثير من المناضلين الاشداء الذين لم يتخاذلوا في الازمات وايام القحط وزمن الانهيارات، يصمدون كالصخر يتكسر عليه الموج ويطير رشاشا، لم ينحنوا امام العواصف العاتية بسبب من وضوح رؤياهم وايمانهم بعقيدتهم الراسخة، إما من تشوشت عندهم تلك الرؤى ووضوح الطريق وتدنى الايمان بالقضية التي يناضلون من اجلها، يصيبهم الوهن ويفقدون توازنهم، وبذلك
يكون سقوطهم سهلا، واحيانا لاتفه الامور ومن ابسط الهزات؛ فبطولاتهم ونضالهم العنيد يقترن بتمسكهم بعقيدتهم وفكرهم، وبعكس ذلك يكون ضعفهم وتخاذلهم ومن هنا فان ذلك العناد الثوري في النضال والتضحية والقوة هي ملك لذلك الفكر، لذلك الحزب الذي كانوا في صفوفه ابطالا ميامين ؛اما ضعفهم وانحناؤهم فهو ملك لهم حدهم ..
لقد كان الشيخ قوي العود صلبه ‘مقداما في الشدائد و الملمات ‘ لكنه ‘في اواخر ايامه‘اصابه الوهن فخارت قواه وضعفت معنوياته وّسلم نفسه للحكومة التي حاربها بكل قواه ، وآثر ان يموت منسيا.
فالتاريخ محايد غير منحازلاحد، يسجل في دفتره كل حدث بواقعيه وصدق ...المرحوم حسين سلطان صُبّي " الشيخ " عامل النسيج من هذا النوع الذي وصفناه، ففي سنواته الاخيره عانى من مرض عضال أفقده صوابه فبعد حرب الخليج الثانية ذهب مع اخرين من بلاد الغربة الى بغداد وآثر ترك العمل الحزبي والاستسلام للقدر فمات بصمت يطويه النسيان وبقي تاريخه للحزب وللحركة الثوريه.. واستميح القارى الكريم عذرا القول ‘بانني امضيت مايقرب من عشر سنوات في المعتقلات والسجون العراقية وغير العراقية، على فترات مررت خلالها باحدى عشرمعتقلات وخمسة سجون عراقية...
ومن خلال هذا العمل المتواضع اقدم وصفا سريعا لاهم المعتقلات والسجون العراقية التي مررت بها وامضيت تلك السنوات من زهرة شبابي عارضا شيئا هاما عن حياة الشيوعيين في السجون كما حرصت ان اتناول في الفصول الاخيرة من هذا العمل ، وبدون استفاضة ايضا، قصة النفق الذي حفره السجناء الشيوعيون في سجن الحلة المركزي ذلك الذي سجل مأثرة أخرى في تاريخ الحزب،. وقد ذكرت الاسماء الصريحة. وعذرا ان سقط اسما سهوا او جاءت معلومة او تاريخ غير دقيق في هذا العمل الذي حاولت ان اكتبه للتاريخ ولاجيالنا الذين سيرفعون راية النضال خفاقة في سماء عراقنا الحبيب حتى تتحقق الاهداف النبيلة لكادحيه التي ضحينا من اجل تحقيقها ، كما ضحى من قبلنا السائرون على هذا الدرب المشرف الشائك..


الفصــل الاول

في المعتقلات ، في المعتقل
تحسس الشيخ جراحاته العميقة والكدمات المنتشرة على جسمه جراء التعذيب الوحشي الذي كابده على ايدي الشرطة.. لقد تورم جسده تماما وبات كل جزء فيه يؤلمه وبالاخص المفاصل والعظام. ان الضرب على هذه الاجزاء من الجسم لايحتمل ولا يحتمل الضغط على المناطق الحساسة من الجسم او ضربها، اما تعليق الجسم من اليدين ولساعات طويلة في السقف بحيث يلامس ابهاما القدمين الارض فتكاد اليدان ان تنقطعا من الكتف، فهو الاشد ايذاء، لكن ان تربط اليـدان الى الخلف ويعلق الجسم منهما في السقف فلعل هذه الطريقة مرعبة نظريا، لكن الاكثر رعبا ان يتعرض لها المناضل عمليا، اذ لم تمض دقائق قليلة حتى يغمى عليه فيرخى الحبل وينزل الجسم الى الارض ويصب عليه الماء البارد حتى يفيق وتعاد الكرة ثانية وثالثة...
لكن الاساليب المعتادة في التعذيب تبدا بشد اليدين الى الخلف والضرب بالسياط او بالكابل وضرب الراس في الحائط او شد الراس بضاغطة حديدية كتلك التي يستعملها النجارون [المنكَـنة ] او ربط الرجلين وعمل الفـلقـة. هذه اساليب اعتيادية وقـديمة بما فيها ادخال القناني الزجاجية فـي المخـرج او قلع الاظافر وغيرها من الاساليب اللا انسانية .
ويقـودنـا الحديث المـر هنـا الى الكيّ بالتيار الكهربائي وبالاخص في تعذيب النساء، حيث تربط الاسلاك في الجسم ويفتح التيار الكهربائي بـقـوة معينة، وتمارس هذه العـملية في المناطق الرقيقة من جسم المراة او ادخال فوهة المنفاخ فـي الاست او الفِرجْ ويتم نفخ الجســم ...
ان التطرق الى هذه الاساليب اللاانسانية يطول ويطول، ففي احيان كثيرة يتشوه الجسم اضافة الى ما تخلفه هذه الاساليب من آثار نفسيه على الضحايا، ضحايا الارهاب... لقد خبر الحكام انفسهم هذه الاساليب فتراكمت لديهم ابتكارات جديدة في فن التعذيب كما انهم ارسلوا برجالهم للتدريب في دول اخرى، على احدث الوسائل واشدها ايذاء للخصوم السياسيين. والانكى من هذا هو ان اطباء كانوا يشرفون على التعذيب ويدلون على المناطق الاشد ايذاء وتحسسا في الجسم .
لقــد مورست اغلب تلك الاساليب والوسائل مع الشيخ الا انه كان قـويا فلم تصدر منه أنة واحده، اذ انه كان يرى في ذلك انتقاصا مـن رجولته وتحديه لخصومه، فيتحمل التعذيب في سبيل القضية التي آمن بها وناضل من اجلها، فطريق النضال مزروع بالاشواك والمصاعب وليـس بالورود والرياحيــــــــــن...
قدموا له ورقه كتب عليها:

ماهي التنظيمات السريه لحزبكم، في المدينه والريف، وافراد تلك التنظيمات، ومكان تواجدها ومسؤؤليات افرادها وكيفية الوصول اليها؟
أين توجـد مطبعة حزبكم ومن يشتغل فيها؟
على اعتبارك عضو في اللجنة المـركزية للحزب الشيوعي العراقي، ومن مؤسسي اتحاد النقابات العماليـة العراقـية الشيوعية، فمن هم اعضاوها؟ وما هي مسؤؤلية كل عضو منهم.؟
ـ اسمي هـو حسين سلطان صبّي ،عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، عضو اتحاد نقابات العمال العراقية.
هذا كل ما اعرفه ! بل، وتعرفونه انتم ولا يـوجد لدي غير ذلك اقوله، و يمكنكم الاكتفاء به ان اردتم !!
لكن هذه المعلومات بديهية بالنسبة لهم، ابدلوا اسلوب التعذيب بالاغراء، عرضوا عليه مناصبا في الحركة العمالية والفلاحية السلطـوية! او وظيفة اخرى، او ارساله للعيش في الخارج مع اعـطائه امتيازات مغريـة لقاء تادية مهام معينة غير مكشوفة ، لكنه رفض كل تلك الاغراآت ....
ان الاعتراف على رفاق الدرب جرمـا لا يغتفر و خيانـة عظمى لطبقـته وافكاره وحزبه، بل، ولرجولته. لقد عاهد نفسه ان يتحمل الموت البطيً، ان يلتحق بركب الخالدين دون ان يحني هامته لجلاديـه ويطلب النجاة لنفسه ويعيش بذلّ وهوان. لقد خبرتـه الحياة وتصلب عوده في الصراع الشاق من اجـل حـريـة الوطـن وسعادة الشعب...

في مديريــة الامـن العـا مـة
كانت الزنزانة صغيرة وعفنة بلاشباك ، بابها الحديدي المحكم يحتوي على كوّة صغيرة يتم من خلالها مراقبة المعتقـلين او اعطائهم الطعام الذي يتكون في الغالب من قطعة خبز او صحنا من الشوربة الباردة . تضاء الزنزانة بمصباح صغير مثبت في اعلى الحائط.
الشيخ مسجيا على ارض الزنزانة الرطبة، لقد تجمدت الدماء التي سالت من جروحه وتيبست على ملابسه المتسخة، حاول ان يسحب جسده المتعب الى الخلف قليلا ويسند ظهره الى الحائط، وبصعوبة فعل ... بحثت عيناه في الجدران العتيقة فقرأ أسماء محفورة عليها تحكي قصص من سبقه في المرور بهذه الزنزانة، أسماء، تواريخ، ابيات من الشـعر مختلفـة اللون والطعم؛ كان وحيدا يسامر وحدته، يتحدث مع افــكاره فقط، لايسمع سوى صوته ودقات احذية الحرس الثقيلـة في الممر الضيق... انين المعذبين في الزنزانات المجاورة وهذيان البعض يشكل لحنا حزينا مؤلما، رغم عدم تجانسه، لكن معناه واحد يعكس مدى العذاب والالم. انهم رفاق الدرب في قبضة الوحش. كان يرغب في الكلام معهم ومسح جروحهم، ان يصيح باعلى صوته : ما من مولود يولد الا عبر الآم الأم في المخاض، لكن صوته لم يصل حد الشفاه... نظر الى الحيطان المجصصة والتي فقدت لونها وتحولت الى لطخ كغيوم سوداء في ليلة شتويـة، ومسحات من الدماء قــد اسوّدت ؛ لا يمكنه ان يعرف وقتها ومن اي جسد هي، وما هوية صاحبها الطبقيه فلاشك في انها دماء شيوعية ...
نقر باصبعه؛ مرت بمخيلته الابنية الشاهقة والقصور الكبيرة، ثم ابنية السجون واسوارهـا العالية التي شيدها العمـال انفسهم، مثل هذا المعتقل الكبير الذي لا تعرف مداخله وزواياه وخباياه واروقته. العمـال الذين بنوه كانوا بلون التراب يجهدون انفسهم وبابدانهم المكدودة المتعبة يرتبون الحجارة واحدة واحدة.؛ شيخ تقـوس ظهره من كثرة ما انحنى على الرفش الذي يشق به بطن الارض. وطفل يحمل الحجارة على صدره الغض وآخر يخلط الرمل والاسمنت وامرأة حافيـة القدمين تتلفع بعباءة سوداء تنقـل طاسة الخليط للبنّاء، وآخر، وآخرين... هكذا يجري العمل تحت اشعة الشمس المحرقة... وفي ظل الجدار المجاور تقبع الزوجات والاخوات والامهات بالصمت وهن يحضرن الزاد لذويهن، تتورد خدودهن مع النفخ في الحطب حيث يتعالى دخانه لصنع قدح من الشاي الاسود في الابريق الاسود ... آه.. والف آه انهم لو يعلمون انهم يبنون سجنهم بايديهم .. صدرت انـّـته مـن الاعماق ..
ايهــا العمال يـا رمـز الشـقـاء خـافـقـا بالعـزم خـلاق الوجـود
نـحـن شـيـدنا القـصور الشامخات هـل سـوى الموت جنينا والقيـود؟

أحسّ برغبة شديدة للتدخين ولقدح ساخن من الشاي، لكن كيف يمكنه ان ينال المستحيل؟ ان معتقل الامن العام المعقـد البناء. تمنع فيه الزيارات منعا باتا. يجرد المعتقل من كل شيً يحمله حتى الساعة والخاتم وخيط الحذاء، لاشيً سوى الملابس التي يرتديها ولا يسمح له بالخروج للمراحيض سوى مرتين في اليوم، وتحت السياط والسباب ..
ـ أين أنت يا أم علي واين صغارك، هل جاء المجرمون وفتشوا البيت، ماذا وجدوا من ادلّة يستفيدون منها.؟ لقد تأخرت اسبوعا فلا بد انك توقعتي اعتقالي بعد يومين مـن غيابي. فهل بادرتِ لاخبار الحزب، ليتني اعلم؟ لكنك امرأة مجرّبة. لااتصور ان تفوتك تلك المبادرة التي اعتـدتِ، المهم انهم لم ينالوا مني شيئا يستفيدون منه، لقد بقيت كعهدك بي. سنـدانـا تتكســر عليــها المطــارق....

في موقف التسفيـر [ موقف السراي ]
تأرجح جسد الشيخ الثقيل في السيارة الخضراء المقفلة المعدّة خصيصا لنقل المعتقلين من مكان الى اخر. جدران السيارة مصنوعة من القضبان الحديدية وهي عبارة عن قفص كبير مقسوم الى قسمين الاول اعد للسجناء، يفصله عن الجزء الاخر باب يغلق برتاج حديدي وقفل كبير. اما القسم الاخر فهو للحرّاس، يتم قفله من الخارج ايضا.
كانت القيود الحديدية البيضاء اللامعة الامريكية الصنع تحز معصميه؛ رأى بأم عينيه نصب الحرية في ساحة التحرير، معجزة الفنان المبدع جواد سليم الذي يتألق فيها في سماء فنه التشكيلي. الباب الشرقي يكتظ بالناس. من هنا، من هذه الساحة تنطلق السواعد السمراء والزهور لتصنع اعظم الملاحم؛ هنـا قبض على نوري السعيد وانتهت اسطورة " دار السيد مامونة " . هنا انطلقت الهتافات الاولى تطالب بالخبز الابيض والغاء المعاهدات الجائرة، اسقاط الاحلاف والقيود الاستعمارية... من هنـا انطلقت الحشود الجماهيرية لحماية الجمهورية الوليدة، هنا تراقصت اللافتات الحمراء والبيضاء، تطالب بـ " السلم في كردستان " ، تجسيدا للاخوة العربية الكرديـــــة ...
كانت تلك دقائق ثم انعطفت السيارة في شارع الرشيد التاريخي وسط سيل لا ينقطع من السيارات الصغيرة، تتقاطر كسرب من النمل. المتاجر تفتح ابوابها عارضة بضائعها المنوعة وعلى ارصفة الشارع بضائع اخرى قليلة الثمن، الشوارع الفرعية تعج بالمارة. وعيون الشيخ لا تنفك تنقب باهتمام بالغ بين الزحام. عسى ان تلتقي بعيون تعرفه حتى توصل خبر اعتقالة .
تباطأت السيارة في سيرها نتيجة الزحام وضيق الشارع، وتمنى ان يطول به الوقت لاقتناص ولو بضع لحظات من التأمـل والتفكير، اشرطة الماضي حاضرة تمـر في ذهـنة بسرعة قياسية لكنها تنقطع مـع اصوات تنبيه السيارات التي تريد الافلات من العراقيل ومواصلة السير... شارع الرشيد ذو الامجاد الثورية، الشارع الذي رأى مظاهرة المليون في الاول من ايار/ 959 1 ذلك الذي غنى فيه الجواهري الكبير للعمال :
بـكم نبتـدي واليكم نعـود ومـن سـيب افـضـالكم نستزيـدُ
بكم تبتنى شرفات الحيــا ة وينشـق للفجـر منهــا عمــود

الشارع الذي قدمت فيه الجماهير مطاليبها المشروعة بتحدٍ صارخ للحكومات واصطدمت مع قوات الشرطة والشرطة السيارة في العهد الملكي المباد، وفي العهد الجمهوري... شارع الرشيد الذي شهد الامجاد الثورية وتعمّد بالتحدي وبالدم الشيوعي، هنا في هذه المنطقة بالذات كان التجمع الجماهيري الكبير، حيث قطع السير والحشود تستمع لصوت الجواهري الهادر مـن جامع الحيدرخانة يؤبن اخيه المناضـل جعفـر الذي استشهد برصاص الحكام الخونة، في تحدٍ لحكام معاهدة بورتسموث المقبورة في عام 1948 :
اتعلــم ام انـت لاتعلــمُ بـأن جـراح الضحايـا فـمُ
فم ليــس كالمـدعي قولة ولـيس كآخـر يستــرحـم

وتردد في رأسه صدى الصخب والصمت معا. احقا هذه هـي جماهير الامس تسير في الشارع؟ أهي جماهير ثورة الرابع عشر من تموز/ 1958، اهي جماهير مقاومة ا نقلابيي شباط الاسود النفطي في عام 1963؟ فما بالها يصيبها القنوط وكأنها مستسلمة للقدر!؟ نعم هي هي! حقا كما قال لينين " اعطونـا مـنظمـة ثوريـة نقـلب روسيا رأسا على عقـب "... انعطفت السيارة نحو منطقة السراي الى مركز التسفير المسمى " مركزالسراي " ، وفيه سلمت اوراقه وفتحت قيوده وادخل المعتقل ...
يقع مركز السراي في مكان منزوٍ، له باب حديدي صغير فيه كوة صغيرة تستعمل للنداء على من تطلبه الادارة. قاع المعتقل منخفضة بدرجتين عن مستوى الارض الاعتيادي الذي تقع فيه الدائرة. المعتقل عبارة عن ساحة طويلة ضيقة، على يسارها ثلاث غرف تتعامد عليها وفي نهاية الساحة حمام ومرحاض، وفي زاويتها اليمنى غرفة اخرى صغيرة. سقف الساحة مغطى بأسلاك شائكة مشبكة، وغالبا ما تختنق مجاري المرحاض الوحيد وتطوف الاوساخ وتغمر الساحة فينكمش المعتقلون في الغرف. ادارة المعتقل لاتزوّد المعتقلين بالبطانيات اللازمة، فالنوم على الارض صيفا وشتاء، حرارة الاجسام المزدحمة هي مصدر التدفئة الوحيد في الشتاء، وفي الصيف يصير جو المعتقـل لا يطاق من شدة الحرارة وقلة الاوكسجين لعدم تبدل الهواء الفاسد، ومما يزيد في الطين بلـّة هو كون المعتقـل في حالة ازدحام مستمرة، فغالبا ما يغمى على المعتقلين وبالاخص الذين يعانون من ضيق في التنفس والربو والمسنين كذلك. فبعد الصياح وضرب الباب يضطر الحرس الى اخراجهم من المعتقل لوقت قصير، الى ان تهدأ حالتهم ثم يعادون الى المعتقل ثانية، وفي احيان اخرى يشتري المعتقلون قناني من الاوكسجين ويرش في الجو في الحالات الطارئة، ولكن بالرغم من كل ذلك لم تسجل حالة وفاة في المعتقل المذكور حتى اثناء انقلاب شباط المشؤوم في 1963، حيث تعذر النوم لكثرة ماحشر في ذلك المعتقل من بشر... الغرض من وجود هذا المعتقـل هو استقبال المعتقلين وارسالهم الى المحاكم او الى التحقيق في بغداد، فهو يشكل مركز الدائرة لكل السجون والمعتقلات في العراق. ومن هذا المعتقـل ايضا يتم التسفير الى سجن نقرة السلمان الصحراوي مرورا بمعتقل السماوة، او، الى السجون والمعتقلات الاخرى في عموم العراق .

السماوة، معتقـل ونقـطة تسفـيـــر ...
السماوة تلك البلدة الفرات اوسطية ذات الامجاد الثورية المعروفة في ثورة العشرين، سماوة العارضيات والرميثة، المدينة الجميلة العامرة بالبساتين. تقع السماوة على نهر الفرات في منتصف المسافة بين البصرة وبغداد وتشكل نقطة مرور اجبارية للقطار الرائح الى البصرة والغادي منها، ومن السماوة يروح طريق ترابي عبر الصحراء الغربية الى منخفض السلمان، ذلك المنخفض الطبيعي الكبير الذي طالما اخفى المهربين من والى السعودية.
ومنذ ان اوجدوا في السلمان سجنا صارت السماوة نقطة تسفير الى ذلك السجن الرهيب، سجن نقرة السلمان، فمن هنا، من السماوة مر مئات الشيوعيين مثقلين بمئات السنين من الاحكام الثقيلة. ولهذا المعتقل وصل قطار الموت سيْ الصيت الذي صار وشم عار لايمحى في جبين رجال الانقلاب النفطي، انقلاب الثامن من شباط الاسوّد في عام 1963...

يتبع
القيـــــــــــد و أناشيــد البطولـــــة
قصة نفق سجن الحلة المركزي
الحلقة الثانية
قطار الموت
في الثالث من تموز/1963 حدثت انتفاضة وطنية في معسكر الرشيد في بغداد هزت الانقلابيين وكشفت عن جبروتهم الفارغ، لكنها فشلت لاسباب ذاتية تكمن في قيادتها، فجن جنون الحكام وارادوا القيام بحمام دم اخر يشمل مئات اخرى من ابناء الشعب، ولكن خوفا من اضافة فضيحة اخرى قرروا التخلص منهم بطريقة ابادة جماعية سهلة، حسبما تصوروا. فحشروا قرابة 600 ضابط من ضباط ثورة الرابع عشر من تموز ومن الكوادر الوطنية الديمقراطية واغلبهم من الشيوعيين المعتقلين في السجن العسكري رقم واحد الواقع في معسكر الرشيد، في عربات قطار مخصصة لنقل البضائع واحكموا اغلاقها وابلغوا سائق القطار (( عبد عباس )) بانها حمولة يستلزم ايصالها الى السماوة.
ادار عبد مفتاح التشغيل وضغط على جهاز المنبه، عوى القطار عواء" يصم الاذان ونفث دخانه الاسود وترنحت عرباته وأنت قضبان السكة تحت ثقل الحمولة، وفي داخل العربات المقفلة تلاطمت الاجساد البشرية المحشورة فيها ببعضها.. لم يدر بخلد احد الى اين؟ بل الموت والموت فقط، الاجل المحتوم لاغير.. لكن خبر القطار كان قد تسرب ربما من السجن او من مكان اخر وصار اسرع من القطار نفسه في الوصول الى المحطات الاخرى. توقف القطار في مدينة المحاويل فكان جمع من الناس في انتظاره... دنى شيخ ببدلة عمالية متربة من السائق ، همس باذنه ان الحمولة بشر، عراقيون وليس حديد او اكياس من الفحم .!! احتقن وجه عبد عباس وسارت رعشة في اوصاله ، لكنه تمالك هدوءه وارسل مساعده للتأكد من صدق القول فجاء الخبر اليقين تصديقا لقول الشيخ، بشر في عربات مطلية بالقار تحت اشعة الشمس التموزية ؟ حتما سيموتون اختناقا ..!! امتص عبد عباس لفافته بهستيريا ونفث دخانها الكثيف فراى في ثنايا الدخان وتموجاته صور الدم ورفسات أناس يختنقـون، راى دموع شيوخ وامهات ونساء مفجوعات وصغارا ايتام... صاح بصوت لم يصل حد الشفاه: اولاد الكلبة هذه المرّة يقتلون الناس خنقا، الدم في الشوارع، الدم في السجون، في كل مكان. في الحصوة دفنوا اناسا وهم احياء وفي دجلة رموا الاجسام المقيدة الموضوعة داخل اكياس مشدودة. واليوم، اليوم خنقا !؟ . تصاعدت النخوة العراقية، ودفعته انسانيته بقوة لاتصدٌق.. سر ايها القطاراللعين باقصى ما تستطيع، تحول الى طائرة تحط في ارض بلا سجون، بلا دم ، بلا مشانق. اذهب الى اقاصي الدنيا حيث لااسلاك ولا مشانق ولا خصام بين الاخوة...
اشتدت الحرارة داخل العربات وقلت نسبة الاوكسجين، وفقدت الاجسام السوائل والاملاح، وبدأ الاختناق يتزايد فسقط الضعيف وترنح القوي ... في احدى العربات كان الرجل الطيب " نعيم بدوي " وهو مناضل قديم قضى عشر سنوات في سجون العهد الملكي وبعد ثورة الرابع عشر من تموز/1958 حيث اطلق سراحه من السجن، عيّن مديرا للاستيراد والتصدير في أوروزدي باك، بعد ان اعيدت له حقوقه السياسية وكان ضمن المعتقلين المسفرين في قطار الموت، كان يحمل معه قنينة ماء ففي الحالات القصوى كان يضع ملئ غطاء القنينة في فم المغمى عليه، وفي عربة اخرى نصح الاطباء ان يبدأ كل واحد بلحس جسمه لتعويض ما فقده من املاح... وتزايدت المأساة واشتدت وصارت الدقيقة يوما والساعة دهرا، انه الموت الحقيقي الذي لا مفر منه ، غثيان، اغماء، موت...
في تلك الظهيرة القائضه من يوم 4/7/63 . توقف القطار في محطة السماوة قبل ساعـتين من موعد وصوله المقرر؛ هذا ما استطيع عمله ولتكن النتيجـة اما تكون.. اعداما ام سجنا؛ بهذه الكلمات اتم السائق الشريف رحلة السجناء الى السماوة، ثم ترجل مسرعا نحو العربات وقد سبقته جماهير السماوة الى الابواب ففتحوها واخرجوا السجناء انصاف احياء وسارعوا لاحضار " الطشوت " مملوءة بالماء والثلج ، لكن الاطباء من السجناء انفسهم، ونخص بالذكر منهم الدكتور رافد صبحي الطبيب المشهور بجراحة القلب، كان قد امر باضافة الملح الى الماء الفاتر بدلا من الماء المثلج ورش الاجسام والشرب لتعويض ما فقدته من املاح جراء التعرق، وبذلك انقذ السجناء من موت محقق. لقد فارق الحياة يحيى نادر وهو ضابط وطني برتبة رئيس اول...
ومن نقطة تسفير السماوة ايضا، تحركت نحو سجن السلمان ، قافلة العطش وهي عبارة عن بضع عشرات من السجناء الشيوعيين والوطنيين، ارسلوا من البصرة الى السماوة في القطار ومن ثم في السيارات المخصصة لنقل السجناء، وقد ضلّت القافلة الطريق الترابي الذي غطته رمال الصحراء، ولمدة يومين بقي السجناء دون زاد او ماء.. كل ذلك كان يمر بالذهن كما تمر اشرطة الافلام وتبقى محفورة؛ في الذاكرة وتنتقل الى الاجيال تلو الاجيال وكما يقول الجواهـري الكبيــر:

هنـاك سيذكر شيـخا وليـــدُ ويبكي لـما ذا ق جـد حفيــدُ
هنـاك سيغنى على وتـر القلبِ هــذ النشيــــــــد

بين السماوة وسجن نقرة السلمان اكثر من مئة كيلومترعبر طريق ترابي مملوء بالحفر. تسير السيارات المثقلة بالاجسام البشرية المضامة بقوافل لئلا تظل الطريق وتحرس القوافل سيارات الشرطة السيارة تاركة وراءها اعمدة كثيفة من الرمال الناعمة، وهجير الصحراء يلفح الوجوه المتربة بلفحاة كاوية... وفي موقع " عميّد " الذي يتوسط الطريق توجد بضعة بيوت وساقية تملء بالماء بين الحين والاخر من بئر لسقي الماشية.. صحراء جرداء لانبت فيها لا ابركة ماء لانقيق ضفدع او طير في السماء وعلى مشارف السجن تبداء السيارات بالنزول في طريق كلسي يتلوى كالافعى بين الصخور البيضاء والرمادية هناك تقع عدة بيوت حجرية وعلما" حزينا" وسياجا" عاليا" يبدو بلا حدود؛ ذلك هو سجن نقرة السلمان الصحراوي سيء الصيت ...

سجـن نقــرة السلمــان مــن الـداخـل

في ذلك المنخفض الطبيعي الكبير قامت القوات العسكرية البريطانية بتشييد " قلعة السلمان" تحت اشراف الجنرال "كلوب باشا" الذي تولى قيادة الجيش الاردني خلال الحرب العالمية الاولى، والغرض من تشييد تلك القلعة، كما، يشاع هو لاغراض عسكرية، أي كقاعدة للدفاع ولصد هجمات وغارات الوهابيين السعوديين على غرب العراق، ولذلك الموقع الستراتيجي في تلك النقطة الصحراوية اهمية اضافية كبرى ايضا، لانها تتوسط بين العراق والاردن والسعودية وحتى الكويت... ومن المحتمل جدا ان تواجد الجيش في تلك النقطة هو لحماية مكامن النفط العراقي في غرب وجنوب غرب العراق.. وبعد عقدين ونيف من السنين وجدت حكومات العهد الملكي انه خير مكان لابعاد الخصوم السياسيين الاشد تعنتا" وصلابة وتمسكا" بافكارهم. فأثر وثبة كانون المجيدة في عام 1948 دشن ذلك المكان اول مبعد سياسي ذلك هو الشيوعي فخري بطرس ومن ثم جعلته الحكومات سجنا رسميا لليساريين وبالاخص الشيوعيين.
ما ان تجتاز الغرف المخصصة لادارة السجن، يواجهك باب كبير من القضبان الحديدية السوداء، هو الباب الرئيسي للسجن وبعدها بخمسة امتار باب اخر مشابه لكنه اصغر منه وهذا الباب يفضي الى داخل القلعة القديمة للسجن..
يتكون السجن من قلعتين، القلعة القديمة والقلعة الجديدة، فالقلعة القديمة تتكون من ساحة ترابية تحيطها من اليمين ثلاث غرف صغيرة ومن اليسار غرفة اخرى كبيرة طولها بعرض الساحة وارتفاعها لايقل عن ستة امتار، وعلى ارتفاع المتر الرابع يرى وسط الحائط باب صغيرة سوداء من الحديد هي المدخل الرئيسي الى الفراغ بين سطح الغرفة وسطح البناية. يتم الصعود بواسطة سلّم وفي سطح الغرفة توجد فتحة مناسبة هي باب الغرفة ومدخلها الرئيسي، اذ منها ينزل السجناء الى الغرفة ثم يسحب السلّم. الغرفة مظلمة ولاتوجد فيها سوى كوه صغيرة ( رازونة ) في اعلى الحائط للاضاءة نهارا، ولك ماتتصوره من انواع الحشرات والزواحف الصغيرة التي تعشعش فيها. يتم اخراج السجناء يوميا ساعه واحدة للتمتع بالشمس. لقد خصصت هذه الغرفة للسجناء ( الخطرين) المثقلين باحكام ثقيلة. اما القلعة الجديدة فتختلف عن نظيرتها اذ يربطها باب بالقلعة القديمة هو عبارة عن فتحة كبيرة في الجدار بين القلعتين، ومن الجهة الاخرى يوجد باب حديدى كبير منه تطرح المواد الغذائية للمطبخ والوقود وغيرها.
القلعة الجديدة كبيرة جدا قياسا للسجون الاخرى وتحتوي على عشر قاعات ( قاووش ) تتقابل القاعات بصفين متوازيين تتوسط الصفين ساحة واسعة تستعمل للعب كرة القدم وتقترب في سعتها من الساحة النظامية للكرة. وبين قاعة واخرى مسافة لاتقل عن خمسة عشر مترا... طول القاعة الواحدة 36 مترا وعرضها يزيد عن خمسة أمتار وفيها بابان واثنى عشر شباك متقابلة. واضافة للقاعات العشر يوجد مطبخ وفرن للخبز وغرفة للطبابة وغيرها... يحاط السجن بسور مرتفع ثبتت فوقه اسلاك شائكة وفي كل ركن من السور يوجد محرس.
يجلب الماء الى السجن بواسطة خزان تحمله سيارة، من بئر يقع على مسافة ليست قريبة من السجن، الماء عسر بشكل لايصدق اذ انه يحتوي على الكثير من الاملاح، طعمه مزيج من الملوحة والمرارة وكلما يشرب المرء منه يزداد عطشا ويتسبب انتفاخ في الامعاء من كثرة الغازات الكريهة، وغالبا مايصاب السجناء بامراض المعدة والامعاء والكلوتين.. اكتض السجن في اعوام 1963 ـ 1964 حيث قارب العدد 2000 سجين سياسي وبذلك تعذر النوم في الليل ولو بقليل من الحرية. البطانيات السوداء تغطي الاجسام المرصوفة بصفين متقابلين في القاعة. ومن شدة العفونة وكثرة الروائح الكريهة مــن التنفس والتدخين والغازات الاخرى تفتح الابواب على مصراعيها ليلا ونهارا لتبدل الهواء الفاسد. وعندما يخرج سجين ما من قاعته ليلا لقضاء حاجة يوّد ان لايدخل اليها ثانية... اتخذت الهيئة الادارية وهي هيئة تقوم بتنظيم الحياة بالسجن، قرارا بان لايزيد عرض فراش الواحد من السجناء على خمسة واربعين سنتمترا ونفذت هذا القرار ورشة الخياطة التابعة للسجناء انفسهم، ويقوم النداف ( ابو هلكان ) كما يسميه السجناء تحببا بندف القطن وعمل المطارح وغالبا مايزيد القطن عن الحد المقرر او يصير المطرح كاالمصران المنفوخ. لم تعالج المشكلة، مشكلة الازدحام بهذا الاجراء ولابنصب الخيام بين القاعات لامتصاص القادمين الجدد الى السجن حيث المجالس العرفية تضخ باستمرار... درست الهيئة الادارية واللجنة الحزبية للسجناء هذا الموضوع واتخذتا قرارا ايده كل السجناء وهو مفاتحة ادارة السجن بعدم قبول اي سجين اخر جديد كما قدمت مذكرات الى اعلى المستويات الحكومية توضح عدم عدالة الاحكام وتطالب باطلاق سراح السجناء السياسيين وقـد تقيدت ادارة السجن بعدم قبول سجناء جدد." وانا كنت من ضمن الوجبة الاخيرة التي دخلت سجن نقرة السلمان "..
لم يكن سجن نقرة السلمان هو الوحيد في العراق بل كان اشهرها لغاية افتتاح سجن ابو غريب ( الانجاز البعثي الكبير؟!) اذ توجد سجون ومعتقلات اخرى في كل مدن العراق.

الشيوعيون يحولون السجون الى مدارس

عندما تفتقد حرية التعبير عن الرأي وتزداد الهوة اتساعا بين الجماهير الواسعة وبين الحفنة الحاكمة، تكتظ السجون بخيرة ابناء الشعب واكثرهم وعيا وادراكا واللذين يتميزون بالحس الوطني والطبقي والقدرة على التضحية والاستعداد لها... فالسجن قيد دامي وسوط يلهب به ظهور اصحاب المعتقد وهو اسهل وسيلة لابعاد المناضلين وعزلهم عن جماهيرهم والضغط عليهم بغية تبليدهم وليّ عريكتهم... في العهد الملكي تتنوع الاحكام وتزداد قسوة من السجن الى السجن الشديد بالاشغال الشاقة حيث توضع سلاسل الحديد في اليدين والرجلين ويكون وزنها تبعا لمدة الحكم ونوعه، وفي احيانا اخرى تضاف الى السلاسل مايسمى ( الخطام ) وهو حديدة بطول معين يباعد الرجلين فتكون اكثر ايذاء للسجين. الغي وضع الحديد بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، اثر الاطاحة بالنظام الملكي واعلان الجمهورية وبذك صارت السجون اخف وطأه لغاية بناء سجن ابو غريب ( الانجاز البعثي العظيم كما يدعون ) حيث صار للسجون الوانا اخرى من التعذيب والقتل والاعدامات السرية والتغييب لعقود من السنين. وسجون سرية تحت الارض بمواصفات يصعب وصفها كل ذلك للتخلص من الخصوم السياسيين ولحماية الكرسي.
في اواخر عقد الاربعينات وعقد الخمسينات كان السجناء يشاركون ابناء شعبهم في النضال في الارهاصات الثورية فيقدمون المذكرات والاحتجاجات ويعلنون الاضراب عن الطعام ويعتصمون وعندما تعجز ادارة السجن عن اخضاعهم تستعين بقوات الشرطة وبالجيش ولم تتهيب الحكومة من اطلاق الرصاص على السجناء العزل ألّذين لايملكون غير ايمانهم بعدالة قضيتهم وشموخهم الذي لايذل، ففي اوائل عقد الخمسينات{ 1953} اطلقت القوات الحكومية النار على السجناء السياسيين الشيوعيين في سجن بغداد المركزي وقتلت 13 سجينا شيوعيا عدا الكثير من الجرحى، وفي نفس العام ايضا " 1953 " حدثت مجزرة اخرى في سجن الكوت المركزي اذ قامت ادارة السجن بقطع التيار الكهربائي والماء عن السجناء المضربين عن الطعام. ولقد اضربوا عن الطعام بعد ان اصرّت الادارة على عدم تلبية مطالبهم في تحسين ظروف السجن. ولما حاول السجناء المضربون حفر بئر داخل السجن لاستخراج الماء ، عمدت ادارة السجن الى قذفهم بالزجاجات الحارقة ومن ثم اطلقت قوات الشرطة عليهم الرصاص بأمر من وزير الداخلية ( عبد الجبار ايوب) فاستشهد العديد من السجناء.. قدم عبد الجبار ايوب الى محكمة الشعب بعد اعلان الجمهورية وحكم عليه بالاعدام واعدم.. وفي سجن نقرة السلمان الصحراوي بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 اطلق الحرس القومي الرصاص على السجناء بشكل عشوائي بقصد الارهاب وقد احتمى السجناء بالقاعات تفاديا الرصاص.
ولكن مهما اشتدت أو سهلت ظروف السجون فقد حولها الشيوعيون الى مدارس وتصليب واصرار لمواصلة النضال. يقول يوسف سلمان يوسف ( فهد ) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي وواضع برنامجه ونظامه الداخلي الاول:
على عكس مايريده اعداؤنا الطبقيون من عزلنا عن شعبنا واهلنا وساحاتنا النضالية ومحاولة تبليدنا، لنحول السجون الى محطات راحة وتثقيف وتصليب للمناضل، حتى ينطلق بعد خروجه من السجن بعزيمة اقوى وعود اصلب مستنيرا بما تعلمه من افكار يفيد بها مجتمعه وطبقته العاملة، وبذلك فان فهد اول من ارسى الحياة الجماعية المنضبطة للسجناء الشيوعيين وتحويلها الى الشكل العملي، فصارت السجون السياسية مدارس للتصليب والتوعية والتثقيف، فالبرنامج اليومي للسجناء الشيوعيين يبدأ بالنهوض المبكر وممارسة الرياضة الصباحية رغم وجود قيود الحديد في ايدي وارجل البعض، وموعد محدد للفطور وموعد للقراءة الذاتية وموعد للراحة ومواعيد للمحاضرات السياسية والادبية والفنية والعلمية.. وفي الزيارات المحددة حيث يأتي ذوو السجناء حاملين معهم الاغذية والالبسة والنقود وغيرها من الحاجيات، تسلم كلها الى المخزن العام للسجناء ويعاد توزيعها عليهم حسب الحاجة، وحتى النقود تسلم كذلك الى اللجنة الادارية وتتم الاستفادة منها بشكل جماعي. ان الشيوعيين يقرنون النظرية بالتطبيق فالحياة الجماعية والتجرد من الانانية والذاتية هو من الصفات التي يتربون عليها.
وتتميز المناسبات الوطنية والطبقية والاممية، حيث تستمر الاحتفالات، حسب اهميتها، لعدة ايام وتشهد نشاطات منوعة فالخطابية مثلا تلزم كل سجين بكتابة كلمة بالمناسبة يلقيها امام رفاقه قراءة وفي يوم اخر يخصص للخطابة الشفاهية المباشرة وبذلك يتم التدريب على القاء الخطابات امام الجمهور مستقبلا... وللمحاضرات الفكرية حصتها الكبيرة تلك التي لا تخلو من التأثيرات الفكرية السائدة انذاك. ثم يأتي دور الحفل الترفيهي، المسرح والتمثيل، وللرسم والشعر والقصة والنقد الادبي حصتها المميزة سواء في المناسبات ام في غيرها. كذلك يجري الاهتمام بسلامة الاجسام بشكل استثنائي. بذلك تمكن الشيوعيون من تحويل السهم الى راميه اذ صارت السجون مدارس حقيقية... كما تمكن السجناء الشيوعيون من كسب العديد من افراد السجانين الى جانبهم واستفادوا من خدمات كبيرة قدمها لهم السجانون ولا شك ان الموقع الطبقي لهؤلاء يقع ضمن ما يناضل من اجله الحزب الشيوعي ...
تأثر الكثير من السجناء غير السياسيين من مرتكبي الجرائم كالقتل والسرقة والاعتداء وغيرها، بالشيوعيين وتربوا على افكارهم واخلاقهم فخرجوا من السجن والتحقـوا بصفـوف الحزب وصاروا قادة حزبيين ونقابيين اسشهد عدد منهم ببطولات نادرة في النضال الوطني والطبقي... ان تلك التربية الصارمة للمناضلين جاءت انسجاما مع الانظمة الداخلية والبرامج السياسية للحزب ووفقا للظروف المعاشة. ومن هنا سر صمود الحزب وبقاءه واستمراره، رغم كل الضربات الموجعة التي حلت به قيادة وقواعدا...
وللنساء السياسيات سجنهن الخاص وطاقم كامل من السجانات لادارته وحراسته.. يقع سجن النساء المركزي في بغداد في منطقة باب المعظم ويلاصق سجن بغداد المركزي والموقف العام. يتكون سجن النساء عدا غرفة الادارة وغرفة استقبال الزوار.. من قسمين، الاول لسجينات الجرائم الاعتيادية وفيه ثلاث قاعات يفصله عن القسم الاخر المخصص للسجينات السياسيات باب حديدي يقفـل بمزلاج كبير. اما قسم السياسيات فيتكون من خمس غرف بجزئين منعزلين يطلان على ساحة صغيرة... الاسرّة قليلة جدا في الغرف وكانت تعطى لكبيرات السن والمريضات منهن اما البقية من السجينات فينمـن على الارض. لقد امضت بعض السجينات السياسيات عشر سنوات او اكثر في هذا السجن اذ منهن من دخلت السجن في عام 1948 " وثبة كانون الثاني " واطلق سراحهن بعـد ثورة الرابع عشر من تموز/1958 ، ثم عاد السجن وامتلأ ثانية في عام 1960 وما بعده لغاية فتح سجن ابو غريـب، ولا يقل تنظيم السجينات الشيوعيات انفسهن في سجن النساء عن تنظيم رفاقهن الرجال في السجون الاخرى .

انتكاسة ثورة 14 / تموز/1958؛ السجون تمتلئ ثانية بالشيوعيين " في عهد الزعيم الاوحد" !!

بدأت مسيرة الرابع عشر من تموز بالارتداد عن نهجها السليم وعادت السجون تفتح ابوابها ثانية لاستيعاب ما تضخه المجالس العرفية الحاقدة على اي نفس تقدمي فامتلأت السجون حتى التخمة وصار الكم اكثر من الكيف اذ ادخل السجون اناس لا ارتباط لهم بالسياسة، فضعف ذلك الانضباط والالتزام الواعي الصارم وتخلخلت الحياة الجماعية ونمت الذاتية والليبرالية لكن هيكل البناء السابق بقي من حيث التنظيم، اذ هناك لجنة حزبية تقود السجناء وتهتم بالامور الفكرية والسياسية والاتصال بالحزب وتحدد شكل العلاقة مع ادارة السجن قدر المستطاع.. والى جانبها لجنة ادارية تهتم بتدبير وتمشية الامور اليومية، خفارات المطبخ وفرن الخبز واستلام الارزاق من المقاول والاهتمام بالنظافة وغيرها من الامور الاخرى...
لم تكن ادارة السجن راضية عن ان ينظم السجناء انفسهم فهي تعمد وبمختلف الاساليب تخريب علاقاتهم مع بعضهم وزرع عملائها وعيونها داخل صفوفهم وتتبع شتى الطرق للسيطرة عليهم لكنها غالبا ما تجابه بوحدة السجناء وقوة تنظيمهم، اذ هناك امور هامة يناضل السجناء السياسيون من اجل تحقيقها كالاعتراف بممثل لهم ينظم علاقتهم مع ادارة السجن واستلام المطبخ والمواد الغذائية من المقاول مباشرة واجراء التعداد اليومي للسجناء وهم في داخل الغرف وليس في ساحة السجن وكذلك ادخال العوائل الى الغرف في اوقات الزيارات.. وعلى كل حال فكلما كان السجناء موحدين ويمتلكون قيادة جيدة مدركة وارتباطهم بمنظماتهم خارج السجن جيدة، ويجب الاّ ننسى الوضع السياسي العام في البلد، يحققون مكاسب هامة ويفرضون التعاون على ادارة السـجن .

لشدما تحارب ادارة السجن الثقافة وحصول السجناء على الاخبار، فهي تمنع الراديو والكتب والمجلات وتحاول ان تفرض على السجناء عزلة تامة عن العالم الخارجي وبين فترة واخرى يجري تفتيش السجن بشكل مفاجئ، ومع ذلك فاجهزة الراديو والكتب الماركسية وكتب الادب الثوري يتم الحصول عليها سرا ولو بشكل محـدود... ومن ذكرياتي في السجون، اتذكرعندما كنت في سجن العمارة المركزي، في ذلك الصيف القائض من عام 1960، كنا ننام في الساحة المعبدة بالقار المليئة بالحفر لقدم التعبيد، والتي لا تنخفض حرارتها الا ما بعد الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي فجر احد الايام استيقضنا على صوت جلبة عالية وحركة غير اعتيادية ففاجئتنا قوات من الجيش والشرطة والشرطة السرية، تحتل السجن وتصوب فوهات البنادق نحونا ونحن لانزال في افرشتنا. امرونا الآّ نتحرك وجرى تفتيش الغرف وكل حاجياتنا بدقة كبيرة فأخذوا ما اخذوه من مقتنياتنا الشخصية، ولكن اهم شيْ اخذوه هو الكتب وجهاز راديو صغير، ثم نقلوا خمسة من رفاقنا بضمنهم ثلاثة من الضباط الى سجن نقرة السلمان، وهم [ الرئيس اول ركن عربي فرحان والرئيس مشاة كاظم ابو سنّة،وقد اعدم في شباط 1963 والرئيس دروع ناجي نهر]. وبعد اقل من شهر تكفل احد السجناء من غير السياسيين "صابر حنش" وكان يدخل غرفة مدير السجن وغرفة مأمور السجن لفحص التيار الكهربائي، تكفل باعادة كتبنا فزودناه بكتب ومجلات غير ممنوعة، مثل، النظرات للمنفلوطي، عنترة بن شداد، مجلات الهلال... فكان يبدل الغلاف بالكتاب الذي نريد، وهكذا صارت قصة عنترة بن شداد تحمل غلاف رأس المال لكارل ماركس وغلاف كتاب الام لمكسيم غوركي يغلف كتاب المنفلوطي وهكذا.. ان مدير السجن ومعاونوه لا يقلبون الكتب ولا يهتمون بها بل تبقى الكتب فوق الرفوف يعلوها التراب......
ومن ذكرياتي ايضا، في السجن العسكري رقم واحد في معسكر الرشيد حيث امضيت فيه اكثر من سنة اثر فشلنا في انتفاضة معسكر الرشيد والمسمات احيانا بـ " ا نتفاضة الشهيد حسن سريع "، كان كل شئ ممنوع ومحرم علينا: الكتاب، المجلة، الجريدة، حتى الورق والقلم وكان آمر السجن، لقبه "الخيّال" يقول :
" ليس لدي اوادم في السجن ، بل مخزون من البضائع اتصرف فيها ما اشاء "، وبجهود شخصية تمكنت من الحصول على راديو صغير عمدت الى تكسير غلافه الخارجي وسماعته ووضعت ماكنته الصغيرة في علبة سجائر اما البطارية " 9 " فولت فكان المرحوم سيد حرز يخفيها تحت طاقيته في النهار واستعيدها منه في الليل واستعمل سماعة الاذن الصغيرة في التقاط الاخبار وكانت تلك وسيلتنا الوحيدة في سماع الاخبار ..
وفي سجن نقرة السلمان والسجون الاخرى المستقرة تقريبا كان الاهتمام بالاخبار والتعليقات السياسية والتحليلات كبير جدا حيث يوجد جهاز التقاط للاخبار وتحرير نشرة اخبارية يومية بشكل سري ويقوم بتلك المهمة عناصر مدركة ومنضبطة من السجناء ،وكان لي شرف المساهمة في تحريرها واستنساخها لفترة ليست قليلة، بالتعاون مع بعض رفاقي في السجن .
احيانا يعمد افراد الشرطة الى اخذ الكتب التي يستولون عليها الى بيوتهم وبذلك تصير خير وسيلة لتثقيف ابنائهم من حيث لا يدرون.. ففي مدينة العمارة في العهد الملكي، كان مفوض الشرطة المدعو " زبير " وهو من الد اعداء الحزب الشيوعي، عندما كان يقوم بعملية تحري للبيوت ويعثر على كتب سياسية ماركسية يرسلها الى بيته، وكان اولاده "محمد طلحة واخوانه" طلاب في المدرسة المتوسطة انذاك فاخذوا يقرأون تلك الكتب بنهم سرا وقد تأثروا بها كثيرا ثم صاروا اعضاء نشطاء في صفوف الحزب الشيوعي وتحملوا التعذيب والسجون ....

لم تفرض ادارات السجون اعمالا على السجناء وبالاخص السياسيين منهم لعدم وجود اعمال، فالسجون بدائية والانظمة الحاكمة بدائية ايضا وكل وسائل الانتاج والقوى المنتجة لم ترق الى تطور كبير يحتاج الى استغلال ايادي عاملة تطول حتى السجناء... انهم فقط يمارسون بعض هواياتهم التي لا تزعج ادارة السجن فالبعض منهم يتسلى بالتطريز على القماش والحياكة وبالاخص في سجن النساء المركزي....
فــي انقلاب تشرين الثاني /1963 استولى القوميون على السلطة بقيادة عبد السلام محمد عارف وطردوا حلفاءهم من البعثيين واطاحوا بالحرس القومي وتقاربوا كثيرا مع الجمهورية العربية المتحدة انذاك، ومن جانب آخر فانه بعد حمامات الدم واستهتار انقلابيو شباط وصبيان حرسهم القومي وتكرر المقاومة بأشكال متعددة في كل انحاء العراق، فمن اجل فك عزلة الحكام على النطاقين الشعبي والدولي ومحاولة تبييض وجوههم السوداء، ولضعف الحكومة ايضا وهذا سبب رئيس ايضا، خفف الضغط على الشعب واخذ بعض المتنفس فانعكس هذا بدوره على تخفيف الضغط على السجناء فسمح بالزيارات بشكل اعتيادي وتعاونت ادارات السجون مع السجناء السياسيين وبالاخص سجناء نقرة السلمان وسجن الحلة، ويجب الاننكر هنا ارتفاع وعي السجناء وتركيبتهم الطبقية فالكثير منهم من رجال الفكر والادب والاطباء والمهندسين والضباط والمعلمين وغيرهـم.....
في السجون مارس السجناء بعض الهوايات في النحت والرسم وحياكة الخرز الملون بالشكل الذي تسمح فيه الظروف. وفي صيف 1965 كان المقرر انعقاد مؤتمر الشبيبة العالمي في الجزائر فعمل سجناء نقرة السلمان لوحة رائعة من خرز الكرستال الملوّن تمثل السجن، لكن التغيرات التي حدثت في الجزائر انذاك والغاء انعقاد المؤتمر في الجزائر حال دون ارسال اللوحة... برزت هواية النجارة ايضا فعمل البعض آلة العود وعمل اخرون اشكالا جميلة من المصابيح المنضدية، وللرسم والنحت حضور ايضا حيث تفتتح معارض بسيطة لها وافتتحت دورات للاقتصاد السياسي والفلسفة الماركسية بشكل محدود وكذلك دورات للتمريض. وبالرغم من ان السجناء السياسيين هم من المتعلمين، الا ان ذلك لاينفي وجود سجناء أميين بينهم وهنا يجري التعليم الالزامي للقراءة والكتابة ويحتفل بتشييع اخر جنازة للاميّة في السجن.
وتقام الامسيات الادبية والشعرية والقصة والنقد بين الحين والاخر. وتلح الذاكرة، ففي عام 1964 كان التحضير للاحتفال بمناسبة ثورة اكتوبر الروسية على مستوى رفيع فكان حفل ادبي جميل، وفي اليوم الثاني اقيم حفل رياضي ممتع ثم جاء الحفل الفني فقدمت الفرقة الفنية للسجناء مسرحية (( أفول القمر)) واستعملت المصابيح النفطية للاضاءة الملونة باستعمال الورق الملون... والى جانب تلك الفرقة شكلت فرقة شعبية أطلقت على نفسها فرقة (( شبيّشة )) وشبيّشة كلمة شعبية تعني الخليط غير المتجانس، قدمت فولكلورا شعبيا رائعا مستوفى من اعماق الريف العراقي في الجنوب، وعلى نغم الموال الريفي قدمت الفرقة اغنية ( يسوادي الخالات طلعن غرايب) وبذلك شقت هذه الفرقة الفولكلورية طريقها حتى طغت على اعمال اللجنة الفنية واخذت مكانها...
حدث تبدل وزاري في العراق وتولى " صبحي عبد الحميد " القومي، وزارة الداخلية فشكل لجنة زارت كل السجون ومنها سجن نقرة السلمان. واخذت تستجوب السجناء واحدا واحدا واشترطت على السجين ان يعطي البراءة من الحزب الشيوعي العراقي او التعهد بعدم الاشتغال بالسياسة مقابل نقله الى سجن اخر، فبرزت فرقة شبيّشة باغنية:

علـى يامـال يـردونـه نوقـع على البـراءة
حزبنـا الابـي منعوفـه ولانرضـى بدنـاءة
حزبنـا ورمـز قـوتنـا وثبت حبـه بكلبنـه
علـى الطيبـات ربانـه ولانـرضى بخيانـه
رفيق انخاك دوم اصمـد ولاتحنـي الهامــة
يمـوت اللـي يعادينـا ونظـل احنه النشامه

كان لتلك الاغنية اثر بالغ في شد لحمة السجناء واثارة حميتهم وحماسهم ورفضهم الخنوع والتبرئ من الحزب اذ من بين مايقارب 2000 سجين لم يتبرأ من الحزب سوى واحد فقط... ان مثل تلك الاغنية كان كمثل قصيدة الشاعر الشيوعي مظفر النواب المسماة براءة تلك التي قالها في سجن الموقف القلعة الخامسة ببغداد والتي اوقفت المترددين من المعتقلين والسجناء من اعطاء البراءة، وتغنى بتلك القصيدة الشيوعيون وغير الشيوعيين، ولنا ان نقول ان السجن مهما زوق له وقلل الضغط فيه على السجناء فانه قفص يحبس حرية الانسان ويبعده عن اقرب الناس اليه ويصفده. فالقيد يظل قيد حتى لو كان من الذهــب


يتبع
القيد وأناشيد البطولة
( الحلقة الثالثة )
الفصـل الثانـي
الحريـــــــــــــــــــة هـــــــذه الكلمــــــــة الجميلــــــــــــــة

مااجملك ايتها الحرية ما أروع حروفك واعذبها لقد تغزك فيك الشاعر والاديب والسياسي ورسمك الفنان بأروع اللوحات، تغزل فيك الجميع كل حسب هواه، وكل يدعي وصلا بليلى او : وكل يبكي على ليلاه... قليلون هم من اتخذوا ومن استعملوا حروفك سيفا يسلط على رقاب الاكثرين لكنك تظلين حلوة حسناء ( ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر!) فمن اجلك تشرب السنون في السجون والمنافي، ومن اجلك تعتلى اعواد المشانق ومن اجلك يتحمل المرء العذابات والجوع والتشريد، أليس هذا مهرا مناسبا لعرسك الجميل؟
لسنا عشاق سجون ومشانق لكننا من اجل حرية شعبنا نتحمل ذلك ونضحي. تلك الكلمات الكبيرة المعنى قالها" فهد " القائد الشيوعي العراقي، امام المحكمة... ويتغنى السجناء السياسيون بنشيدهم المؤثر:

السجن ليس لنا نحن الاباة السجن للمجرمين الطغاة
ولكننا سنصمد سنصمـد وان لنـا مستقبلا سيخلد
لنـا الغـدُ، لنـا الغـد لنـا الغـدُ لنـا الغــد
حيـث تنصـب المشانق للمجـرميـن الطغــاة

لم تثن السجون ارادة الشيوعيين الذين لايفقدون في سجنهم سوى القيود، لم تثن تصميمهم على النضال في سبيالحرية لشعبهم ومستقبله لكنهم مثل الاخرين اناس من دم ولحم ولهم مشاعر وعواطف هي في ارق ماتكون وان ابتعادهم عن عوائلهم واصدقائهم، عن المعمل والحقل والمدرسة، عن المقهى والحارة، عن العمل السياسي بين الناس يضر بهم كثيرا... انهم لايمدون رقابهم كالنعاج لسكين الجزار لذا فهم يغتنمون الفرص للفرار من السجن الى الحرية، الى احضان شعبهم وذويهم الى حزبهم وحركتهم الثورية؛ ولسان حالهم يقول :

من السجون تهفـو القلـوب في حنين وفي اشتياق
رغـم البعـاد، أي حنيــن للنضـال مع الـرفاق
الظلم لا ينهار بغيرالتضحيات فيـــا قــــيود،
طلّي دمانا نحن ابـاة للطغاة نـأبــى السجـود

شهدت السجون السياسية عمليات من الهروب الفردية والجماعية فهرب سلام عادل من سجن الرمادي في اوائل الخمسينات والتحق بالعمل الحزبي في الفرات الاوسط... وهربت مجموعة من السجناء السياسيين من سجن نقرة السلمان مع احد ادلاء الصحراء... وصلاح، صلاح احمد الملازم الاول الشجاع حمل عشرين سنة من الحكم وارسل الى سجن نقرة السلمان، لكن الرجعية، رجعية الموصل لم تكتف بذلك بل دبرت له تهما اخرى وقررت اغتياله في المحكمة. وبذلك تقرر تهريبه من السجن، ففعل، وتم التستر على هروبه ثلاثة ايام وفي اليوم الرابع اكتشف الامر... كان صلاح عارف بالطريق الى النجف، ففي تلك الصحراء اجرى فرضيات عسكرية. كان صلاح يختفي في النهار ويعاود السير ليلا لكن شمس ايلول ساطعة جدا في النهار ويبرد الجو كثيرا في الليل ويبدو انه مرض وقبل ان يفارق الحياة دفن ما اخذه معه للاستعانه به في تحديد اتجاه الطريق... استشهد صلاح في الصحراء وحيدا على الرمال تحرس جثته الطاهرة نجوم السماء وشمس بلاده الساطعة. وقد رثته الشاعرة حياة النهر في قصيدتها ( صلاح يموت والدنيا بعد كمرة )...
وجاءت ام صلاح الى السجن بمعنويات عالية وقالت لرفاقه : مات صلاح في الصحراء وهذا افضل من ان يموت على ايدي رجعية الموصل، ان كل واحد منكم بالنسبة لي هو صلاح فكلكم اولادي... وهرب حامد مقصود وهو من الضباط الاحرار الذين كان لهم دور مميز في ثورة الرابع عشر من تموز/ 1958. وهرب الضابط الطيار عبدالنبي جميل ايضا من سجن الحلة المركزي في عام 1966، وهرب اخرون من معتقل خلف السدة الشرقية في بغداد ..

وتعتبر عملية حفر نفق في سجن بعقوبة في اوائل الخمسينات اول عملية منظمة للهروب الجماعي عن طريق الانفاق... كان السجناء الشيوعيون يتحلون بالانضباط الصارم الناتج عن الالتزام الفكري. فعندما قرروا الحفر كانوا يدركون المخاطر الناجمة عنه لكنهم مستعدون لتحمل النتائج. فكانوا يعالجون اهم مشاكل الحفر وهو التراب بسرية تامة، فكانوا يخفونه تحت الافرشة بدقة متناهية ويعملون من التراب وسائد تحت وسائدهم. وبذلك موهوا على السجان ماعملوا فنجحوا في اكمال الحفر والخروج منه لكن العملية فشلت وتم القبض على الذين تخلصوا من القيد وكان اخرهم ( ارا خاجادور وعمر الشيخ ) حيث قبض عليهما في البساتين. لقد اعيد من قبض عليهم الى السجن ثانية حاملين على كواهلهم سنوات اخرى من الاحكام ونقلوا الى سجن نقرة السلمان...
ليس كل السجناء على مستوى واحد من الصمود وقوة الارادة فمنهم من لم يتحمل القيد فيذهب الى ادارة السجن ويدلي باعترافاته ويتبرأ من حزبه ومن ممارسة العمل السياسي ثمنا لاطلاق سراحه.

عامــر الصـافـــي والبـــــراءة

عامر المعلم الشاب اعتنق الشيوعية مؤمنا بانها تنير دربه في العمل السياسي... عامر من عائلة اقطاعية معروفة في الفرات الاوسط، القي القبض عليه من قبل الشرطة السرية في اواخر عقد الخمسينات وفي التحقيقات الجنائية تحمل التعذيب الجسدي والنفسي فصمد صمود الابطال ولم ينبس ببنت شفه على رفاق دربه واصدقائه الذين إأتمنوه على اسرارهم فأثقل بعدة اعوام من السجن الشديد وسيق الى سجن الكوت...
بدأت الغيوم السوداء تتكاثف في سماء المستقبل الذي كان عامر يصبو اليه ويراه خاليا من كل شائبة فصار كدرا، قاتما، مسدودا بلا نهاية وفقد ثقته بشعبه وبالطبقة التي اعتنق فكرها واهدافها، فعنّ عليه البعد عن العائلة وسرى به الشوق والحنين الى المدرسة والصغار والمقهى فكانت تلك اقوى من البطولة والصمود... وفي ساعة متأخرة من الليل نادى على السجان وطالب بمقابلة مامور السجن مبديا استعداده لاعطاء البراءة من الحزب الشيوعي والتعهد بعدم ممارسة العمل السياسي. تردد السجان ولم يصدق اذنيه ان عامر سيتبرأ من حزبه؛ أ لح عليه فاستجاب وايقظ المأمور واخبره بطلب عامر وبعد تردد حذر حسم المأمور الامر واذا بعامر يكتب بيده ويوقع الكليشه السيئة، لقد وضع عامر بصمته في ذيل ورقة الذل والضعف وبذلك اخرج من ردهة السجن التي كان ينام فيها بين رفاق الدرب، الى مكان اخر بين بابي السجن في انتظار الصباح لتسوية امره...
لم ينم عامر في تلك الليله، كان قلقا وكأن شيئا مقدسا قد انتزع منه، كان يحلم بالحرية ويشعر بالجبن والذل في آن واحد نقيضان في ذهنه، فرط شجاعته السابقة بفرط جبنه الحالي. وبعد اغفاءة، مليئة بالكوابيس، دقت الساعة السادسة صباحا، انه فجر يوم جديد للعراق ونقلة نوعية في تاريخه السياسي والاجتماعي. استيقظ عامـر على صوت المذياع في البيان الاول لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة...!!؟

جـــــــــــــــــلال

كان صغير الجسم كعصفور دوري، برزت وجنتاه بنتوئين في وجهه الاسمر الشاحب الذي لوحته رياح الظهيرة في الشوارع المغبّرة لمدينة كركوك. وتدلت خصلات من شعره الفاحم على جبهته التي ناصفت وجهه. وغطت شواربه الكثة فمه الصغير. وصار يلوح لمن يراه ان حنكه قد ارتفع ليحتمي تحت شاربيه كما يحتمي حيوان صغير تحت ظل شجيرة صغيرة في يوم قائظ اما عيناه فكانتا صغيرتين حادتين وفي تقطب دائم... ذلك هو جلال، صباغ الاحذية، الذي ورث الحرفة من والده منذ نعومة اظفاره. كان يجوب الشوارع المزدحمة يحمل صندوقه الصغير الذي يحتوي علبا من الاصباغ والفرشات، ينحني على الاقدام، يغسل الحذاء، يجففه، يضع عليه مقدارا من الصبغ، تبدأ الفرشات تتراقص في كفيه كمكوك نسيج طيار . ان مهنته لاتكلف كثيرا من الاعداد والتأهيل، ولاتحتاج الى رأسمال، فثمن ادواته لا يساوي نصف دينار... ومن عمله في تلك الساعات الطويلة يؤمـن المصاريف اليومية للعائلة المكونة من الاب الشيخ والام والزوجة وطفلته الصغيرة التي اطفأت للتو شمعتها الاولى. لكن ايام جلال ماكانت تسير على وتيرة واحدة، بل، غالبا ما تشوبها المنغصات، طرده من الارصفة وواجهات المحلات، رفس صندوقه وضربه ، الدفع اقل مما يجب ان يدفع ثمنا لصبغ الحذاء، الابتزاز، واقتل من ذلك كله الازدراء، فمهنته من المهن غير المحترمة لدى البعض مما يؤثر على مزاجه كثيرا، ويتحكم في تصرفاته في البيت ..هذا الواقع الطبقي المّر، قاد جلال للبحث عن بصيص يضيء له الدرب الذي يفضي الى عيش افضل والشعور بادميته وتخلصه من الانسحاق والمستقبل المظلم، فلم يجد نفسه الا وهو محشور مع الكثيرين بين جدران المعتقلات يُصلَب اكثر من مرّة في اليوم، يُشدُّ شعره ويضرب حتى على المناطق الحساسة من جسمه والتعليق في المروحة حد الاغماء والحرمان من النوم والاكل والزيارات، حتى بصق على الحياة وكل الدنيا ويوم ميلاده. وبعد هذا العذاب حط به المطاف في سجن العمارة المركزي مثقلا بعشرين عاما سجنا شديدا.

يقع سجن العمارة المركزي في جنوب المدينة وهو اخر بناية فيها قبل ان تمتد الى جواره اكواخ الكادحين... بناية السجن قديمة جدا، ويقال انها بنيت في الزمن العثماني، وعلى الطراز القديم مثله مثل سجون المحافظات الاخرى، حوش كبير يتوسطه خزان من الماء مثبته فيه عدة صنابير... وتشكل القاعات ضلعين ونصف من البناية، هناك ما يشبه الصالة الكبيرة بين البابين الحديديين وجناح اخرمعزول، يسمى المحجر يتكون من غرفتين كبيرتين وساحة ضيقة؛ وزنزانات صغيرة انفرادية معزولة تماما؛ وغرفة خاصة للمشنقة ببئرها النتن المسقف بغطاء من الخشب وهذا الغطاء يتكون من جزأين قابلين للفتح الى الاسفل، والة لفتح او لغلق الغطائين. وفي الاعلى عارضة قوية من الحديد يتدلى فيها حبل المشنقة وكالمعتاد فان غرفة ادارة السجن والسجانين والمشجب والعيادة الطبية، تقع في مدخل السجن... كل ذلك محاط بسياج مرتفع ،وعلى سطح السجن محارس للسجانين ؛ والبناء، كل البناء مشيد من الطابوق الاحمر الردىء النوع.
ان المنطقة التي يقع فيها السجن منخفضة لذا فان بناية السجن محاطة ببرك من الماء الاسن، اهم مكان لتكاثر الحشرات. لذلك فالسجن رطب جدا وتكاد جدرانه تنزُّ ماء"... السجن بلا تدفئة ولا مراوح، برد قارس في الشتاء وحر لاهب في الصيف... يشكل الشيوعيون واصدقاؤهم الاكثرية من السجناء اما الاقلية فهم من السجناء في جرائم غير سياسية... يوجد حمام واحد جماعي... ويجري التعداد الصباحي والمسائي في الساحة حيث ينظم السجناء بطابور مؤلف من أسطر وكل سطر يضم خمسة افراد لسهولة العدّ. اما الزيارات فهي محددة بيوم واحد في الشهر، وبين فترة واخرى يجري احتلال السجن وتفتيشه واخذ كلما هو ممنوع، كالراديو والكتب وغيرها.
نُقلت من الزنزانة رقم (5) الى داخل السجن بعد ان أمضيت فيها شهرا ونصف الشهر، وقد عينوا لي مكانا في القاعة رقم(3). فرشت بطانية صغيرة على الارض، والتحفت الاخرى، وكان حذائي هو وسادتي. وذات ظهيرة لاهبة زاد من حرّها الهواء اللافح من ساحة السجن المعبدة بمزيج من القار والحصى الناعم، جلب انتباهي ذلك الشاب المنزوي باسماله، القليل الاختلاط بالاخرين، لم اشاهد من يزوره او يسأل عنه، وكأنه جاء من مكان مجهول من هذه الدنيا ... كان جلال يكتفي بطعام السجن فقط، وقلما اراه يشرب الشاي خارج وجبتي الطعام في الصباح والمساء، كان يسرح مع افكاره وهمومه وشجونه، وفي يوم ما استدعي الى ادارة السجن ورجع بعد نصف ساعة مضطربا يترنح في مشيته، خشيت انهم عذبوه، لكن الوقت وقت غيابه لم يكن طويلا، ارتمى على فراشه ودفن راسه بين اسماله، واصدر انينا ونشيجا مكتوما. بقيت اراقبه عن كثب، لم يتناول طعام الغداء ولم يذق شيئا في المساء مما زاد في اضطرابي... اقتربت منه، كلمته ، تردد مرات وافصح مرّة، قال:

_ لاشئ لدي غير الحزب، انه الوحيد الذي افكاره في رأسي وحبه في قلبي ولحمي وعظمي، ابوح له كل شئ، له أفضي همومي ومأساتي، لقد جسدت اخلاصي وامانتي انني تحملت التعذيب الجسدي والنفسي والجوع والاهانات والسجن، كما ترى. ولم اعترف على رفاقي. لقد كنت امينا على كل اسراره، والان...
_ والان ماذا ياجلال؟
_ لي زوجة شابة وطفلة في الثانية من عمرها، ولااريد ان اضيف شيئا عن زواجنا وحياتنا العائلية قبل السجن، بل، كلمة واحدة اقولها، هي اننا كنا سعداء. قلت:
_ وماذا ياجلال، قل لي؟
_ ماكنت اريد البوح، ولكن للحزب ابوح... ابلغت هذا اليوم من قبل اخي الكبير الذي زارني، هو ان زوجتي حامل في شهرها الخامس وانا سجين منذ اكثر من سنة..!!
_ وبعد...!!
_ افادت هي في مركز الشرطة انها حامل من والدي، والان فان والدي وهو الشيخ التقي رهن الاعتقال الى حين وضعها الطفل وتحليل الدم، وهي ايضا معتقلة... كم من مصيبة يارفيق، السجن، البعد، التعذيب، تهدم الاسرة، والدي وزوجتي في السجن.
ـ والطفلة..؟
_ الطفلة لدى والدتي...واسترسل:
بعد اعتقالي وعدم تمكنهم على حملي على الاعترافات او اعطاء البراءة من الحزب، اعتقلوا والدي وطلبوا منه التبرؤ مني لكنه رفض ان يوقع على الورقة التي قدموها له والتي تتضمن انني اتبرأ من ولدي جلال... لانه شيوعي والشيوعية كفر والحاد...))
_ وهل والدك سياسي،
_ نعم كان سياسي وقد شارك في حماية اضراب عمال كاورباغي.
_ وهل تعرضت زوجتك للاعتقال...؟
_ بعد اشهر من صدور الحكم عليّ اعتقلوها وطلبوا منها ان تطلب الطلاق مني، لانني شيوعي ومحكوم عشرين عاما، فرفضت، حسب علمي، وانقطعت الاخبار عني.
هدأت من روعه وتعاطفت معه. وحكيت له امثلة كثيره من تلك التي تعترض الرجال واحضرت له بعض الطعام والسكائر. وفي اليوم التالي وبناء على توصية تنظيمنا الحزبي في السجن ابلغته ان ينفصل عنها قانونا وتم ذلك في اليوم التالي بمساعدة ممثلنا لدى ادارة السجن...

ملاحظة.. في صيف 1969 وبعد خروجي من السجن التقيت جلال في كراج النهضة وكان يحمل صندوقه الصغير وفرشا" لصبغ الاحذية حيث مهنته. كان اللقاء حارا" وبكى حين التقاني سالته عن احواله فقال انه في طريقه الى الزواج واوضح لي ان طليقته كان قد اعتدي عليها في مديرية امن كركوك واطلق سراحها فكانت حاملا وركبت التهمه بوالده لتشويه سمعته وسمعة العائلة لان الدم لم يكن مطابقا لدم والد جلال والطفل مات بعد شهرين من وضعه. وقد تزوجت هي من رجل اخر بعد فترة...

يتبع
اول الغيـــــــــــــــــــث
سالــم يكشــف خيــط الضــوء في العتمـــــــة

انقشع الغبار عن السماء وصحى الجو بعد هدوء العاصفة الرملية التي استمرت يومين كاملين ولايوجد من يتكهن متى تعود ثانية... نفض السجناء افرشتهم من الاتربة الحمراء المتراكمة عليها وكنسوا القاعات واعادوا ترتيب افرشتهم وادواتهم ثانية... لقد كان مساء خريفيا جميلا وهادئا، وخلف احدى القاعات ازيحت اكوام التراب الخفيف وفرشت البطانيات السوداء واعتمرت جلسة ممتعة قدم فيها الشاي الاسود، خمرة الثوار، كما يسميه الخالد فهد، وكان زاد الجلسة الرفاقية اللذيذة هو الاحاديث الممتعة مع الضيف الجديد ( الشيخ ) عن الوضع السياسي واعادة تشكيل المنظمات الحزبية وربط المقطوعة منها خاصة بعد ان خرج عدد لا بأس به من الشيوعيين من السجون. اذ بعد انقلاب تشرين الثاني 1963 واسقاط حكومة الحرس القومي وايقاف القتال في كردستان والتقارب مع الجمهورية العربية المتحدة انذاك، وتخفيف الضغط عـن الشعب واطلاق سراح المحتجزين السياسيين الذين انهوا محكومياتهم واغلاق بعض الدعاوي.. حدث نوع من الاستقرار النسبي وعاد البعض من الكوادر الحزبية والنقابية والديقراطية سرا الى الوطن فاخذ الحزب يضمد جراحاته العميقة ويعيد بعض تشكيلاته ويرتب بيته من جديد. وفي تلك الفترة ايضا طرحت فكرة تشكيل حزب سياسي للفلاحين، طرحت الفكرة للنقاش والتبلور... في تلك الجلسة استأثرت فكرة تشكيل حزب للفلاحين باهتمام الجالسين ودار نقاش جدي بينهم حول طبيعة هذا الحزب، اهدافه، برنامجه، نظامه الداخلي، ابرز قيادييـه.
قال احد الجالسين :
ـ قبل كل شيء علينا ان نفكر هل نحن بحاجة لمثل هذا الحزب؟ ام ان منظماتنا الفلاحية قادرة بالتعبير عن ارادة الفلاحين وامكانية تحشيدهم وتنظيمهم للدفاع عن مصالحهم ..؟ فان كنا بحاجة الى مثل هذا الحزب علينا ان نفكر بطبيعته واهدافه وبرنامجه ومن سندفع من كوادرنا المهتمين بالمسألة الزراعية والعاملين في الريف ليكونوا لبنات اساسية في تشكيله...
ـ نحن غير قادرين على استيعاب الريف مهما كانت تنظيماتنا قوية وواسعة. نحن بحاجة الى مثل هذا الحزب لملئ ساحة الريف وسوف لن يكون نقيضا لحزبنا .بل ظهيرا له وعلى غرار حزب الفلاحين في بلغاريا...
ـ قال آخر :
ولماذا نستنسخ تجارب الاخرين ..؟
ـ نحن لا نستنسخ ، بل نستفيد من تجارب الاخرين. التجارب تراث وملك لكل البشرية... لقد علمتنا الماركسية اللينينية ان الحزب هو ضرورة موضوعية ينبثق من ارادة طبقة او فئه اجتماعية واسعة من المجتعمع يعبر عن اهدافها ومصالحها القريبة والبعيدة، وبذلك فهو طليعة طبقة وليس مجموعة من الاشخاص يجلسون ويشكلون لهم حزب ان مثل هذا الحزب سيذوب ذوبان قطعة الملح في الماء ، في اي منعطف يمر به.
ان حزبنا خير معبرعن ارادة الفلاحين ولم يعرف تاريخ العراق السياسي حزبا طرح برنامجا لحل المسألة الزراعية وتطوير الريف كالذي طرحه حزبنا. وكذلك لم يعرف الريف العراقي نضالات فلاحية قادها غير الشيوعيين العراقيين...خذوا مثلا وقوف حزبنا الى جانب حركة فلاحي الناصرية في عام 1935 ، المعروفة بتمرد ريسان على الحكومة وكيف ساندها الحزب الشيوعي العراقي وهو في بداية تشكيله فاصدر بيانا تضامنيا مع الحركة ووضع نسخة من البيان على منضدة وزير الدخلية انذاك. وقد لوح الوزير بالورقة قائلا ان هذا المنشور هو اخطر بكثير من بنادق ريسان.
وجمعية اصدقاء الفلاحين في العمارة في اواسط عقد الاربعينات. وقد شكلت بمبادرة من الحزب الشيوعي و من بعض الوجوه الديمقراطية وتطوع محامون للدفاع عن الفلاحين وتمشية معاملاتهم في المحاكم مجانا. كما تم استئجار خان لايواء الفلاحين القادمين من الريف للمبيت فيه. كما لعب الحزب الشيوعي دورا هاما في توجيه واسناد انتفاضة آل ازيرج في ريف العمارة في عام 1952 وكذلك اسناد نضالات فلاحي دزيي في اربيل. وقاد الحزب نضالات فلاحي الشامية في عام 1954 التي طرحت ولاول مرة مطلب قسمة الحاصل على اساس المناصفة بين الملاكين والفلاحين.. وغيرها من النضالات العنيدة والهامة الاخرى كنضالات فلاحي ثلث الجزرة في الكوت ،ونضالات فلاحي المجر الكبير في العمارة للوقوف ضد تنفيذ قرار حكومةعبد الكريم قاسم القاضي بارجاع الاقطاعي مجيد الخليفةالى المنطقة. ألم يكن حزبنا هو القائد الحقيقي للفلاحين.!؟ وأن برامجه معروفة من حيث دقتها وواقعيتها، فاي حزب غير حزبنا يمتلك نظره اعمق واشمل من نظرة حزبنا؟ اما على النطاق التنظيمي الديمقراطي لا الحزبي. ألم يكن حزبنا اول من شكل الجمعيات الفلاحية بشكل سري في عام 1956 ألم يكن هو المؤسس والراعي الحقيقي لاتحاد الفلاحين الذي انعقد مؤتمره الاول في عام 1959 ...اننا لانريد ان نعطي قيادة الريف والحركة الفلاحية لحزب برجوازي صغير نؤسسه نحن وندعمه، وغدا سينحرف ويضع مصالحه الذاتية فوق مصلحة فقراء الفلاحين وبالتالي يتحول الى حزب ضد ا لفلاحين لالمصلحتهم ..
ـ آخر..
لكن الآ تجد ان للفلاحين بكل فئاتهم فقراء ومتوسطين وأغنياء وحتى صغار الملاكين هدف واحد ومصالح مشتركة ولو آنية وليس للمستقبل البعيد..؟ تشعب النقاش وكثرت الاراء في هذا الموضوع دون التوصل الى رأي مشترك ولا حتى متقارب ! وقد حسم النقاش رأي احد الكوادر الفلاحية المعروفة قائلا :
ـ الموضوع هام جدا ويحتاج الى وقفة طويلة وتفكير ودراسة معمقة ومسؤولة. نحن بحاجة ماسة الى ربط نضال الريف بنضال المدينة. او كما نسميه في ادبياتنا " تحالف العمال والفلاحين " كما درج عليه حزبنا.. على كل حال من الافضل ان تبقى هذه الفكرة قيد التفكير والدرس....
ساد الجلسة صمت قصير كسره الشيخ بتغيير موضوع الحديث قائلا :
لنفكر بموضوعنا في السجن وهل من المعقول ان ننتظر من الحكومة ان تطلق سراحنا..؟ اللهم الا بمعجزة اي مثلما صار في ثورة الرابع عشر من تموز/1958 ومع ذلك لم يطلق سراح السجناء السياسيين مباشرة بل طلب عبد السلام محمد عارف منهم اعطاء البراءآت ثمنا لاطلاق سراحهم علما ان لا يوجد في السجون انذاك غير الشيوعيين والمحسوبين عليهم. ولكن تحت تأثير المد الثوري الجماهيري رضخت حكومة الثورة فأصدر عبد الكريم قاسم عفوا عاما وشاملا عنهم دون قيد او شرط ، وأعيد المفصولون السياسيون الى وظائفهم وتعويضهم لكن المفصولين من الشيوعيين الذين عادوا الى وظائفهم رفضوا اخذ التعويضات وتبرعوا بها الى خزينة الدولة واكتفوا بالرجوع الى الوظيفة، عدا شخص واحد استلم التعويض فصار مثار استنكار وتندر من قبل الاخرين...
لعق خلف شفتيه وانتصب في جلسته ومسد شاربه الاسود الكثيف وقال:
ـ يارفيق بالامس كنت تتحدث عن ضعف السلطة وقوة حزبنا فلماذا لا تندلع ثورة وتستلم الطبقة العاملة الحكم وتطلق سراح السجناء..؟ علق احد الجالسين:
ـ خرجت الدرة من فم خلف، ابتسم الجالسون وكرر خلف السؤال وبغضب هذه المرة. (خلفّ) عامل بناء اشتغل منذ صغره في معامل الطابوق ولم تسعفه الظروف لمواصلة الدراسة فقد تعلم القراءة والكتابة في المدارس الاهلية وهو متعصب جدا للطبقة العاملة ولنظريتها. رغم قلة فهمه لهـا. كان يعتبر النظرية الماركسية قرآنـه الذي لايقبل المناقشة والتعديل. وان الاتحاد السوفيتي قبلته التي يصلي عليها. وكان يعتبر الصين محرفة للنظرية وغالبا ما كان يناقشه افراد من الذين تأثروا بالاتجاه الصيني في نظرتهم حتى وان كانوا على صواب وآرائهم صحيحة، يقف خلف ضدهم في النقاش واحيانا كانوا يفتعلون النقاش لاثارته فبما انهم " صينيون " فهم على خطأ مبين، كما يراهم خلف! ويقف ضدهم وضد افكارهم ال "جامدة " المهم لديه هو انه يردد اسم الطبقة العاملة والنظرية الماركسية اللينينية والاتحاد السوفيتي العظيم !!
رد الشـيـخ على سؤال خلف بشيء من الحنان :
ـ يارفيق خلف نحن نريد ثورة، الحكومة تمام ضعيفة لكن الظروف لم تنضج بعد لم تتكامل لحد الان فقاطعه خلف وبنفس الانفعال:
ـ يارفيق اي ظرف لم يكتمل الان، الموضوعي لو الذاتي؟ اذ كلما نضج ظرف واحد يتخلف الظرف الاخر عن النضج وهكذا.ألا تقل متى ينضج الظرفان سوية..؟ الاحسن قولوا لا نريد ان نقوم بثورة وخلصونا!! ثم التفت الى الجالسين حوله هازا" يـده وقـال : يتركون التفكير بالثورة ويفكرون بتشكيل حزب للبرجوازية !! هيه ياربي! وترك الجلسة تشيعه النظرات......
استمر الشيخ في حديثه غير مبال بما قاله خلف، نحن نفكر حاليا في كيفية التخلص من السجن ونساهم في العمل مع رفاقنا، كنت مصمم على تنفيذ فكرة الهروب ولكنني لم اتمكن منها، لامن معتقل التسفير في السراي ولا من معتقل السماوة ولا من السيارة، الحراسة مشددة جدا والقيود عاصية على الكسر او الفتح وحتى من هنا، من نقرة السلمان ارى ان الهروب صعب جدا كما ترون انتم. ألا تتذكرون الشهيد صلاح الدين احمد، انه ضابط نشط ويعرف المنطقة جيدا... لكنه توفي في الطريق ولم يقطع سوى عشر كيلومترات على طريق نقرة السلمان ـ النجف فلو كنت في سجن آخر مثل سجن الحلة او سجن العمارة او غيرها ، مثلا، لكان الوضع اسهل ، ربما كان اسهل، لان اخرين تمكنوا من الهرب من هناك... ثم سرح قليلا واضاف: ما قيمة الهروب الفردي، انه على اهميته في تخليص مناضل للحزب، يبقى الهروب الجماعي افضل لانه يخلص عدد اكبر من السجناء وله تأثير كبير على معنويات الناس وعلى الحزب، ومن جانب آخر يفضح السلطة ويجلسها على الخازوق كما يقال...!! لقد سمعت ان في سجن الحلة جرت محاولة حفر نفق ولكن صرف النظر عن المحاولة، لااعرف لماذا ...؟ غنى، كل على ليلاه ، وغنى ســالــم :

يلرايـح للحـزب خـذنــي وبنــارالمعـركــة ذبـنـي
بركَبتي ديـن اريـد اوفيـه علـى اعـوام المضـت منـي

وشكلت تلك الامنيات والتصورات الصامته في الاذهان جوقة موسيقية منسجمة اساسها التحرر من القيد وتنفس هواء الحرية.
كان سالم طيلة الجلسة مستمعا، لم يتحدث بشئ، لكن حديث الشيخ عن النفق وسجن الحلة اثار شجونه وحفزه على القول:
ـ كنت في سجن الحلة المركزي وهناك طُرحت فكرة حفر نفق على عدد محدود جدا من الرفاق...
ـ ومن اي مكان ؟ فكل ارض السجن مصبوبة بالاسمنت...
ـ لايارفيق، في غرفة الطبابة الصغيرة الواقعة في القلعة الجديدة من السجن، غطاء بالوعة ، الظاهر كانت الغرفة تستعمل كحمام وتواليت ثم اهملت وتحولت الغرفة الى غرفة لمعالجة المرضى من قبل رفاقنا، فاذا رفعنا غطاء " البالوعة" نرى مايشبه البئر، ومنه يمكن الحفر الى الخارج... لكن الفكرة الغيت لاسباب عديدة وفي مقدمتها كيفية صيانة السر، سيما وان السجن مكتظ، وليس كل السجناء على درجة واحدة من الانضباط والوعي، ثم كيفية معالجة التراب وهي مشكلة المشاكل، وغير ذلك من الامور المعرقلة الاخرى، فهي عملية معقدة جدا ومستحيلة التطبيق.
لم يعلق احدا على قول سالم، ويبدو ان فكرة الهروب قد استحوذت على الرؤوس، وانفضّت الجلسة عندما ودعـت الشمس اخر دقائق النهار.
حفرت كل كلمة قالها سالم مكانا في ذهن الشيخ، فسافر مع افكاره الى سجن الحلة المركزي وتراءت له خارطة السجن ومواقع السجانين، رغم انه لم يسبق ان رآه من الداخل الا انه يعرف موقعه تماما. كما مرّت بذهنه شبكة التنظيمات الحزبية وغير الحزبية في المدينة وضواحيها واريافها، كان يعرفها بشكل جيد عندما كان عمله الحزبي في منظمة الفرات الاوسط ، يعرف البيوت الحزبية، يعرف وجوه المدينة المتعاطفة مع الحزب، يعرف مداخل المدينة ومخارجها، يعرف كل شبر وشئ فيها.
سبح السجن في ضوء القمر الذي تلألأ قرصه باستدارة كاملة في صفو السماء، في تلك البقعة النائية من الصحراء الغربية للعراق، وكان صمت رهيبا فرض سيطرته السحرية على كل شئ... كانت القاعات العشر تنتصب في صفين متقابلين، صامته وكأنها جنود في حالة استعداد.. ومن بعيد تبدو الارض المحيطة بقاع سجن نقرة السلمان، مثل قمة مستوية لجبل شامخ، تشكل دائرة شبه مقفلة يتمنطق بها السجن.
ترك ابراهيم وهو كادر فلاحي من كربلاء، ومحسن معلم من الناصرية وهو كادر حزبي ايضا ومعجب بما يجري في الجمهورية العربية المتحدة، بقيادة جمال عبد الناصر، من اجراءات وقوانين، القاعة المزدحمة شبه المظلمة وجوها الخانق من شدة الازدحام، ومن دخان السجائر ورائحة اعقابها ومن الغازات الكريهة التي تنبعث من بطون البعض، وراح الاثنان يتمشيان في الساحة الترابية الواسعة، يعبان من الهواء النقي انفاسا عميقة.
قال ابراهيم:
ـ ماطرحه الشيخ قبل اسبوع اثار ولايزال يثير نقاشات حادة في السجن.
ـ ماذا تقصد، سأل محسن؟
ـ اقصد تشكيل حزب للفلاحين... اي حزب... اي فلاحين؟
قالها متهكما. واردف: يقول لينين:
ـ " ادخل من اليسار تخرج من اليمين" لكن شيخنا ابو علي دخل من اليمين ولايريد ان يخرج منه. ألم يكن هو المسؤول الاول عن خط آب التصفوي..؟
ـ قال محســن:
ـ يا أخي، لكل اصيل كبوه، كما يقال، لماذا نحاسب اشخاص؟ الخطأ خطأ الحزب كله، اقصد قيادة الحزب، وصحح هذا الخطأ بعد تسعة شهور. وكما انت عايشت الاحداث والوقائع السياسية والتاريخ، تحدث في منعطف سياسي حاد اجتهادات مختلفة كرد فعل للاحداث، ففي اواسط عام 1959. حيث المد الجماهيري بعد ثورة الرابع عشر من تموز، وكانت الاحزاب السياسية في العراق انذاك، بين معارض من الاحزاب القومية والبعثيين واخرين، وبين من جمّد نشاطه السياسي كالحزب الوطني الديمقراطي مثلا، بقي حزبنا وحده في الساحة، وتعرف جيدا انحراف حكومة قاسم وخطابه في كنيسة ماري يوسف عندها صارت البلبلة في قيادة الحزب، فكانت القواعد الحزبية وبعض اعضاء اللجنة المركزية تفكر بشكل، ومعظم اعضاء اللجنة المركزية الاخرين يفكرون بشكل اخر ، ورسمت سياسة الانسحاب المنظم التي قمعت ثورية الجماهير، وبالرغم من ان قيادة الحزب اصدرت تصحيحا، بعد ذلك، لكن ذلك لم يعلن، بل ظل على الورق فقط تحت ذريعة " حتى لاتحدث بلبلة فكرية..!! وهنا رفعت القوى المعادية عقيرتها، ازلام العهد الملكي الرجعية، والسلطة الجديدة التي لم تطهر نفسها من العناصر العفنة، شركات النفط، الملاكون الذين تضرروا من الاصلاح الزراعي، الدول المجاورة، كدول حلف بغداد المقبور، وقد استفادت هذه القوى ، وباسناد من عبد الناصر من هذه الاوضاع، فامتلأت السجون ثانية واستشرس الهجوم ،الهجوم على المنظمات المهنية والديمقراطية، وبعدها اشتعلت الحرب ثانية ضد الشعب الكردي.. لقد هيأ قاسم بنفسه الفرصة الذهبية للاطاحة بحكومته فقُتِل هو وقتل الالوف معه وبعده...!!
ابراهيم:
ـ انني اعرف ذلك حق المعرفة ولم انس الظروف العالمية التي ساعدت على ذلك، مثل التخبط النظري، التطور اللارأسمالي، الاتجاه الاشتراكي، التقدم الاجتماعي، وغيرها من النظريات... هم ينظّرون ونحن نطبّق، هم يصفقون ونحن نرقص على اللحن الذي يريدونه، ولكن، عليّ ان اسال، اما كان على الحزب ان يسير بالجماهير الغفيرة الى الامام في الدفاع عن مصالحها، فاين صارت مسيرة المليون في ايار 1959، والمقاومة الشعبية والمنظمات المهنية الاخرى، كل تلك القوى الشعبية الجبارة انهارت بسرعة، لماذا؟ بالطبع لان قائدها تهاون، غفا، تراجع، سمّيه ماشئت..!!؟

يتبع

القيـــــــــــد و أناشيــد البطولـــــة
قصة نفق سجن الحلة المركزي
الحلقة الخامسة
بعد انقلاب شباط الاسود في 8/2/1963 ، غصت المعتقلات والسجون وحتى الملاعب وبعض دور السينما وبعض المدارس بالمعتقلين من الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين وصارت العداوات الشخصية ذريعة للاعتقال، واغرقت البلاد بالدم، وضرب الارهاب اطنابه في كل البلد، وصبيان مايسمى بالحرس القومي كانوا قد شدّوا خرقا خظراء على ايديهم وحملوا الرشاشات وصار القتل بلا ثمن، عشوائيا، في الشارع وفي السجن وفي البيوت، فعاش البلد في فوضى تامة، وهلل عبد الناصر " بانتصار العروبة!" ونصب الانكليز اذاعة لهم في الكويت تعيّن اسماء ومواقع الشيوعيين والديمقراطيين ولم تتحرك القوى الكردية في الشمال،لم تسخم بيان استنكار لجرائم الانقلابيين،بل عمدت كوادر الحركة الكردية الى تسليم الشيوعيين الى حكومة الانقلابيينن لذبحهم، عدى موقف يذكر للملة مصطفى البرزاني بايقاف ذلك ،ولم نجد تفسيرا لذلك الموقف؛ أهو إعتقادا من الحركة الكردية أن غلات العنصرية العربية ستؤمن للشعب الكردي حقوقه القومية، أم هو إشارة من العم سام ومن الموساد الصهيوني ،أم هو تشفي بالحزب الشيوعي العراقي، الحزب العراقي الوحيد الذي سطر في برامجه الحقوق القومية للشعب الكردي ،قبل ان تتشكل الاحزاب القومية الكردية !؟ أم نسيانا لتضحيات الحزب الـ"الف " شيوعي سجن في مظاهرات ايقاف حرب حكومة عبد الكريم قاسم في كردستان ، وشعار "السلم في كردستان " أم الجبهة الثنائية التي أقامها الحزب الشيوعي العراقي مع "حزب البارت " بعد ان رفضت كل الاحزاب العراقية دخول الاكراد في جبهة الاتحاد الوطني في آذار 1957 ، أم ماذا !؟. ورقصت شركات النفط على مسح حبر القانون رقم 80 ، لقد وصلت العروبة والوحدة الى الحكم بقطار انكلوـ امريكي، كما قال على صالح السعدي، بعد سقوط حكمهم في انقلاب تشرين من نفس العام. واثر هذه الضربة الموجعة بالحزب والحركة الثورية تبلور اتجاهان، الاول، يتمثل في ادانة الانقلاب والتحول الى الكفاح المسلح كما صار في اهوار الجنوب، كالناصرية. منطقة غمّوكه. وفي كوردستان ببناء قاعدة للحزب في " بيرموس" ويعني هذا الاستمرار في النضال ضد حكومة الانقلاب... ومن هنا ايضا انتفاضة معسكر الرشيد في 3/تموز/1963 بقيادة النائب العريف حسن سريع ورفاقه (( الكاتب هو واحد من قيادييها ومؤرخ أهم احداثها)). تلك الانتفاضة التي اعادت للشيوعيين والجماهير الشعبية معنوياتها، ومرغت هيبة الانقلابيين بالوحل وكشفت زيف بطولاتهم. وقبلها كانت حركة فايدة بقيادة الشهيد البطل طالب عبد الجبار التي قضي عليها قبل التنفيذ بساعات... ومحاولة منظمة الثوريين وغيرها، فالشعب لم يمت وغير عاجز عن تقديم الضحايا على مذبح الحرية والتقدم.
اما الاتجاه الثاني، فهو يميني ذيلي، مفاده انتقادا للمسيرة الثورية للجماهير الشعبية ونضالات الشارع والاضرابات العمالية ومظاهرات، السلم في كوردستان، وقد وصل الامر بالبعض حد تزكية المتآمرين كحركة الشواف، بل واراد البعض اعطاء الحق لانقلابيي شباط في الاعمال التي ارتكبوها، على اعتبار ذلك رد فعل لمقاومة الحزب للانقلاب الاستعماري النفطي...
لقد كان البعثيون والقوميون شركاء في الجريمة، وبعد نجاحهم ظهر التناقض فيما بينهم فابعد القوميون في 20/5/1963 واستأثر البعثيون بالحكم وحدهم، وبذلك تعقدت العلاقات بين البعث و مصرعبدالناصر... وفي 18/11/1963 نجح القوميون بقيادة عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية نفسه، بانقلاب ضد شركائه البعثيين وطردهم من الحكم، وتم التقارب مع مصر كما اتخدت بعض الاجراءات لتهدأة الاوضاع المضظربة في العراق. ومن هنا جاء خط تزكية انقلابيي تشرين تحت ذريعة، القضاء على الحرس القومي، والتقارب مع مصر والهدنة في كردستان والتفاوض مع الحركة الكردية... ان هذه الامور دفعت ـ ابو علي ـ عضو اللجنة المركزية،واخرين من كوادر الحزب ، ان يحرروا بيانا في اب 1964 يحددون فيه موقف "الحزب" من الانقلابيين الجدد و يسقطوا شعار إسقاط الحكومة القومية الجديدة ، [[ لم ينكر حسين سلطان ذلك بل اكده لي" للكاتب" في لقآتي معه في سجن الحلة المركزي و في بلغاريا، بقوله:
ـ " لست انا الوحيد المسؤول عن خط آب، بل هناك اخرون معي وافقوا عليه واقروه، وهم من لجنة بغداد، ومنهم بيتر يوسف، وكاظم الصفار، وغيرهم" كما انه لم ينكر قوله " حتى لو يستقيل او يطرد ثلثا اعضاء الحزب " فالبيان صحيح ويقول ايضا: لقد طلب بيتر يوسف وكاظم الصفار الانظمام الى الاتحاد الاشتراكي!! ]] ...

أبتلعت اسوار السجن بقايا قرص القمر فغاب مثلما طلع. لفت البطانيات السوداء اجسام السجناء وناموا بصفّين متقابلين طويلين غارقين في احلامهم وكوابيسهم المزعجة وتعالى الشخير والهمهمات من بعضهم ، لكن الارق كان يصاحب جفون الشيخ وقد طرد منها الوسن فأسند ظهره الى الحائط وغطى وجهه سحاب خفيف من دخان سكائره التي لا تفارق شفتيه واخذته نوبة حادة من السعال كادت ان تقطع عليه تصوراته ، فتراى له سجن الحلة بأسواره العالية ومحارسه في اركان السطح كما تبين له بعض الحراس يتمشون بخطى ثقيلة على السطح ويطلّون على ساحة السجن المكشوفة تارة وعلى الطرق المحيطة به تارة اخرى ...
اطل آذار بزخات مطر خفيفة بلّت التربة وأنزلت ما في السماء الصحراوي من غبار ، لكن رغم ذلك فلا نبتة ولا زهرة تبدو في تلك الارض الكلسية البيضاء... نوديََّ على الشيخ ان يحزم حاجياته فلقد صدر امر بنقله الى سجن الحلة ، وثانية تأرجح جسده المربوع في السيارة الخضراء المشبكة وسط حراسة مشددة ، وكالمعتاد كانت سيارة الشرطة المسلحة تسير امام سيارة السجناء تارة وتارة اخرى تتبعها كحيوان صغير يركض وراء أمه.. لم يشعر الشيخ بالطريق هذه المرة اذ ان سجن الحلة افضل بكثير من منفى سجن نقرة السلمان، فهو في وسط المدينة وبأمكان عائلته ان تزوره في الايام المخصصة للزيارة دون استحصال ورقة اذن من الحاكم العسكري، كالذي في سجن السلمان اضافة ان علاقته بالحزب ستكون اسهل، والاكثر من ذلك ربمـا سينفذ برنامجه للهروب وفقا لما رسمه في ذهنه وصمم عليه... كان وصوله الى سجن الحلة في المساء فاستقبله السجناء بأهتمام كبير حيث معارفه الكثيرة من السجناء وبالاخص رفاقه القدامى الذين عايشوه في مجرى حياته النضالية.. وكانت الغرفة الصغيرة التي عيّن فيها مكانه من قبل الهيئة الادارية للسجناء تغص بالزوار تارة وتفرغ تارة" اخرى، وفي ساعة متأخرة من الليل نام نوما عـميقا بعد ذلك السفر الشاق الطويل ...


نـفـق سـجـن الحـلـة الـمـركزي ؛

مأثرة اخرى مـن مآثر الشيوعييـن العراقييـن


يقع سجن الحلة المركزي في منطقة شعبية تسمى باب المشهد في الطرف الجنوبي من المدينة،على شارع رئيسي واسع يفصله عن البيوت السكنية المكتظة بالساكنين، فيما يمتد الشارع الاخر على يسار السجن " غربا " بمحاذاة بستان طويل من اشجار النخيل وصولا الى مـدرسة كبيرة سياجها الخارجي منخفض تقريبا، وتقابل بناية السجن وفي وسط الشارع بين الذي يقابل الباب المدرسة والسجن تقـع كابينة صغيرة لشرطي العام مرور، هي آخر نقاط المدينة في الطريق الى القرى حيث ينتهي الشارع المعبّد ويبدأ الشارع الترابي. أمـا في الجانب الشرقي للسجن فيقع شارع ترابي ضيّق يفصله عن بيوت شعبية واكواخ يسكنها عمال وفلاحون وكسبة فقراء... كما يلاصق السجن من الناحية الجنوبية مرآب للسيارات، ترقـد فيه سيارة كبيرة عاطلة تكاد تلاصق السياج الخارجي للسجن. وفي باب المرآب الحديدي الواسع يجلس حارس المرآب على كرسي من الخشب بمقابل كابينة شرطي المرور ....
يتكون السجن من قلعتين القلعة القديمة والقلعة الجديدة. القلعة القديمة كبيرة ويفضي اليها الباب الرئيسي للسجن عبر باب حديدي آخر وتتكون تلك القلعة من عدة غرف كبيرة واخرى صغيرة وقـد نظمت الغرف بصفين متقابلين تتوسطها ساحة مستطيلة مفتوحة على ساحة السجن العامـة وهذه الساحة العامة الكبيرة نسبيا مكشوفة ايضا ومعبدة بالقار وقد صار القار قديما جدا وصارت الحفر تملأ الساحة مما يجعل تنظيفـها امرا ليس باليسير ومن تلك الساحة ومن جدران الغرف والطابوق الذي بنيت منه الغرف يمكن للمرء ان يخمن مدى قدم السجـن.. وتحتوي الساحة على ساحة غير نظامية لكرة السلة واخرى للكرة الطائرة... اما القلعة الاخرى وتسمى ،القلعة الجديدة، فهي احدث من نظيرتها نسبيا ويفصلها عنها " أي عن القلعة القديمة " دهليز طويل بطول عرض السجن، عرض هذا الدهليز ستة امتار ويسمى الـ " محجر" وهو مخصص للسجناء غير السياسيين حيث وضع فيه ما يقارب ستين سجينا ....
ساحة القلعة الجديدة معبدة بقطع كونكريتية ضخمة مربعة الشكل وتحيط بالساحة غرف كبيرة وصغيرة من جوانبها الاربع ومدخل القلعة الجديدة عبارة عن باب صغير مصنوع من القضبان الحديدية الغليظة لايبعد عن الباب الرئيسي سوى خمسين مترا عبر الممر الذي يفصل بين غرف السجن ( البناية الداخلية) وبين السياج الخارجي للسجن، وفي الجانب الجنوبي من القلعة الجديدة بني جناح خاص ينتئ في الساحة ويتكون من اربعة غرف متقابلة وغرفة صغيرة في النهاية تستخدم كحمام وتواليت، وهذا الجناح كان يستخدم كمستشفى داخل السجن... والغرفة الصغيرة تتوسط الغرفتين رقم 13،7 وتشترك معهما ببابين يفتحان عليها، اضافة الى ان لكل منهما باب رئيسي اخر يفتح على الساحة كبقية الغرف الاخرى. وفي الجانب الشرقي من الساحة تقع غرف الحمامات العامة وبعض المغاسل. وهذه عامة لكل السجناء في القلعة الجديدة.
يفصل بناية السجن عن سياجه الخارجي العالي، ممر ترابي يحيط بالبناية وهو بعرض ثلاثة امتار، اما المطبخ وفرن الخبز وغرفة اخرى تستعمل لحجز المخالفين من السجناء، تطل على الممر مباشرة وهي معزولة تماما عن القلعتين... اما نقاط الحراسة فتتركز في اركانه الاربعة فوق سطح السجن ويمكن مراقبة السجناء في الساحة بشكل جيد ايضا... هذه هي الخريطة العملية الميدانية بابعادها الدقيقة المعروفة لكل السجناء المتواجدين في السجن تقريبا.

في اواخر عام 1967 كان سجن الحلة المركزي يضم، عدا السجناء العاديين، اكثر من مائتي سجين سياسي، يتوزعون في القلعتين، وان مايميزهم هو وحدتهم القوية ازاء ادارة السجن، وارثين ذلك من تقاليدهم وتجاربهم الغزيرة... فاللجنة القيادية للتنظيم الحزبي الشيوعي، تتكون من رفاق اختبرتهم الظروف القاسية وصلّبت اعوادهم من خلال بقائهم فترات طويلة في السجون في العهدين الملكي والجمهوري ومن خلال ما خاضوه من معارك طبقية وما عانوه من مصاعب جمّة فصمدوا امام المغريات والقسوة، وتحملوا التعذيب الجسدي والنفسي امام لجان التحقيق ودفنوا اسرار رفاقهم في اعمق اعماقهم وبذلك حازوا على احترام السجناء وتقديرهم كما ان وعيهم الجيد وادراكهم للعمل السياسي وما يجري في الساحة وثقافتهم المتنوعة وارتباطهم بالحزب بشكل مباشر، اضفى عليهم الهيبة والاحترام. ان هذه اللجنة هي صاحبة القرار والامر والنهي والتوجيه وتحمل المسؤولية في اتخاذ القرارات، فهي تعنى بتربية السجين السياسي وتثقيفه وتصليبه وحلّ مشاكله، وتقرر شكل التنظيم الحزبي والديمقراطي المناسب وتؤدي واجباتها الحزبية والسياسية امام الحزب خارج السجن وان حدث وانقطعت العلاقة مع الحزب، وغالبا مايحدث نتيجة ظروف قاسية، تكون هي الحزب في نطاق عملها،مثل أية لجنة حزبية في السجون الاخرى...
وتحت اشراف هذه اللجنة يتم تحديد شكل العلاقة مع ادارة السجن وبالتالي شكل النضال المناسب وبالاخص في ظروف الجزر، كتقديم المذكرات والوفود وحتى الاضراب عن الطعام والاعتصام. ومن هنا فان اعضاء اللجان القيادية في السجون يكونون مستهدفين من قبل ادارات السجون. وعرضة للعزل في زنزانات انفرادية او للنقل الى السجون البعيدة او اختلاق تهم اضافية ضدهم، واصداراحكام اضافية بحقهم، لذلك فان اعضاء هذه اللجان في الاغلب تكون سريّة وغير مكشوفة الا لمجموعة معتمدة فقط. ويرتبط الاعضاء الحزبيون والاصدقاء من غير الحزبيين بشكل معين تحدده هي، ويرتبط باللجنة القيادية ايضا مسؤول العلاقات مع ادارة السجن ويسمى( ممثل السجناء) ينفذ سياسة اللجنة وتعليماتها وله مساعد في حالة غيابه او مرضه. هذا في حالة ان يتمكن السجناء من تحقيق هذه المكاسب وفرض اراداتهم على الادارة.
والى جانب لجنة التنظيم القائدة، هيئة ادارية لا يشترط ان تكون حزبية، لكن من العناصر الموثوقة والحائزة على احترام السجناء، وفي النصف الثاني من عقد الستينات اخذ بمبدأ انتخاب اعضاء هذه الهيئة. ومهام هذه الهيئة هي ادارة الشؤون اليومية للسجناء السياسيين، كتوزيع الواجبات في المطبخ وفرن الخبز والتنظيف العام، واستلام الارزاق والنشاطات الفنية المتنوعـة...
في سجن الحلة المركزي ونتيجة لوحدة السجناء وقوة تنظيمهم والظرف السياسي العام، حقق السجناء السياسيون الكثير من المكاسب وفي مقدمتها، استلام المطبخ والمخبز وكذلك اجراء التعداد اليومي داخل الغرف واجراء مقابلات العوائل داخل الغرف ايضا، ومراجعة السجناء للادارة او استدعاء احدهم من قبل الادارة او تبليغه، يجري عبر ممثل االسجناء.
لم يجتمع الشيخ مع الهيئة الحزبية للسجن، اذ ليس من الضروري ان يجتمع عضو لجنة مركزية مع اللجنة التنظيمية للسجن، رغم ان بعض اعضائها يحملون صفات متقدمة في الحزب، او ربما لان ترحيل الشيخ لم يصل بعد، او، لامور اخرى غير معروفة، لكن مراسلات الشيخ مع الحزب وبريده كان منتظما...


اسلـــوبان لهـــدف واحـــد


كانت فكرة الهروب الجماعي قد اختمرت نهائيا واجتمعت خيوطها بيد الشيخ، ولم يبق سوى موافقة الحزب والبدء بالتنفيذ، لكن جواب الحزب تأخر كثيرا، لقد طرحت فكرتان لتنفيذ عملية الهروب تتلخص الاولى بشراء او استئجار بيت في الناحية الشرقية من السجن، ومن داخل البيت تجري عملية الحفر وتنتهي بالسجن في موقع الحمامات اذ تقدر المسافة 100ـ 150 مترا" في اكثر الاحوال ولهذه الفكرة فوائدها الكثيرة، فهي قليلة الصعوبة، او، قل أقل صعوبة حيث كل مستلزمات العملية متوفرة في الخارج ابتداءَ من ادوات الحفر الى نقل التراب وصيانة النفق وسريته وهذا اهم شيء في العملية... أما الفكرة الثانية وهي الاصعب والاكثر تعقيدا، ان يكون الحفر من داخل السجن نفسه وهذه العملية شاقة جدا، اذ لا يمكن تصور صعوبتها اوالاقدام عليها بسهولة، نظرا لظروف السجن وعدم توفر ادوات الحفر وكيفية معالجةالتراب، والاكثر اهمية من ذلك هو امكانية صيانة العملية دون كشفها... لكن جواب الحزب تأخر كثيرا، ولم يكن تفسير هذا التأخير صعبا على الذين واكبوا عمل الحزب انذاك...
اختار الشيخ عشرين رفيقا من بين رفاق السجن ممن تتوفر فيهم الصفات الاساسية للحزبي، الانضباط وكتمان السر، الدآبة في العمل، الاقدام الصمود وقوة التحمل وغيرها. والاهم من ذلك هو مواصلة العمل الحزبي بعد الخروج من السجن... عقد الاجتماع في غرفة مغلقة في القلعة القديمة، وطرحت فكرة حفر نفق في السجن والهروب منه ونوقشت فتحمس البعض وتحفظ البعض الاخر وتردد اخرون، لا، بل سفه العملية كادر حزبي معروف بتطرفه اليساري معتبرا اياها مغامرة لامنطقية ودعا الى صرف النظر عنها ، فانفضّ الاجتماع دون ان يحقق سوى خيبة الامل ...!
كان ربيع عام 1967 ساخنا في احداثة الدولية والعربية والداخلية، فالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي مستمرة والتحضير للحرب بين اسرائيل والدول العربية على وشك الوقوع، وفي داخل العراق كان الظرف العام للتغيير مناسبا جدا حيث حكومة بغداد ضعيفة وممـزقة تنخرها التناقضات ورئيس الجمهورية " عبد الرحمن عارف "في منصبه مثل " خيّال المـآثة " . ومن جانب آخر فاِن الحزب الشيوعي العراقي كان قـد نهض تواَ وضمد جراحاته العميقة ولملم شمله بعـد الضربة القاسية والابادة التي تعرض لهـا رفاقه وقيادييه واصدقاءه بما فيهم سكرتيره الاول " سلام عادل" وأعضاء من المكتب السياسي واللجنة المركزية واعضاء مناطق ومحليات وكوادر اختصاص وكوادر حزبية، على ايدي انقلابيي شباط الاسود ، لكن صفوفه لم تكن موحدة اذ ان التناقض كان ينخر في صفوف قيادته، والتكتل أخذ أبعاداَ وسكرتير لجنته المركزية ينقصه الحزم. وكان التحضير للانشقاق يجري على قدم وساق وبشكل مكشوف من قبل عضو المكتب السياسي عزيز الحاج " رمـزي" ومن التف حوله من كوادر بغداد ولجنتها القيادية وبالاخص لجنتها العمالية ، كما ان السجون لا تزال تطبق على خيرة الكوادر الحزبية واصلبها، لكن ذلك لا ينفي وجود نشاطات وتحضيرات وتهيأة لخلق مقدمات لانقلاب او لعمل شعبي او اي اسلوب آخر يطيح بالنظام القائم انذاك والاتيان بالبديل الديمقراطي المناسب سواء بقدرات الحزب الذاتية ام بالتعاون مع اطراف وطنية أخرى، وقد انعكس هذا النشاط في العمل بين صفوف الطلبة والمثقفين والعمال والفلاحين والنضالات المنوعة الاخرى التي خاضتها تلك القطاعات. ومن هنا ايضا احياء الحزب لخطين للعمل بين صفوف الجيش ويبدو ان الشيخ كان على اتصال باحد هذين الخطين قبل اعتقالة....

لا امل من مساعدة الحزب وتبنيه العملية، لا امل في تبني لجنة التنظيم للعملية ايضاَ نحن امام اختيارين؛ اما الاقدام على المغامرة وأما اهمال الموضوع نهائيا والاستسلام للقدر والاستمرار في حالة الترقب دون المساهمة في القيام بعمل يزيد من حط هيبة الحكومة القائمة وهـز كيانها؛ كان الرجحان للاقدام على عملية الحفر دون الاستسلام وليكن ما يكون..!؟ فلا ابعد من سجن نقرة السلمان سجن ولا اكثر من العشرين سنة، سنوات للسجن!!
اختار الشيخ سبعة رفاق متميزين وهم كل من : حافظ رسن / كمال كمـالة / مجيد الملقـب بـ" جـدو" / صلاح واخيه عقـيـل / ملازم فاضل/ سعيد تقي /. كان اؤلئك الرفاق على استعداد تام لتنفيذ العملية وكانت محكومية كل منهم لا تقل عن عشرين سنة ،فكانوا على استعداد تام لتنفيذ العملية ،بعد ان فاتحهم بموضوع النفق...


يتبع


القيـــــــــــد و أناشيــد البطولـــــة
الفصـل الثـا لــث
ا لغـر فـة رقـم ـ 6 ـ مـركـزا للـعـمـلـيـا ت


نحن في أوائل 1967، اواسط فصل الربيع حيث لم تستطع اسوار السجن العالية من حجب عطر طلع النخيل الزاهي والمتبختر بعثوقه الريانة الجديدة... كان التوت اول الغيث للفاكهة وسيتبعه المشمش ثم العنب والتين والرطب بالتتابع مع شدة الحر، ستزهو الطبيعة بثمارها وخضرها التي يتيه بها الكادح.. لايزال الجو بين الحزن من بقايا الغيوم والمطر، وبين الصحو وقرص اشعة الشمس للخدود فتحمر خجلا ونهرب الى الغرف او نحتمي بالظل... لقد ابدل السجانون ملابس الشتاء بأخرى صيفية أقل قتامة في اللون وارق نسيجا، وأبدلت ادارة السجن ملابسنا المصنوعة من نسيج الصوف والشعر باخرى تلائم فصل الصيف، مصنوعة من غزول القطن البيضاء المائل للصفرة، قميص غير مفتوح وسروال طويل، لكننا لم نكن نستعملها الا في اوقات مراجعة الادارة او الذهاب خارج السجن لاي غرض كان، اما ممثلو السجناء فقد الفناهم، فقط في هذه الملابس وصار لباسهم الاخر غريب غير مألوف لنا.

في الغرفة رقم ـ 6 ـ التي يسكنها الشيخ مع آخرين طرحت فكرة النفق على الرفاق الذين تم اختيارهم ،بعد أن تمت مفاتحتهم على انفراد اولا، وقد تقبلوا الفكرة وتعهدوا بتنفيذ المهمة دون تردد، نوقشت الفكرة في الاجتماع فتعهد سعيد بالقيام بتوفير ما يلزم توفيره من ادارة السجن على اعتباره مساعد الممثل ومسؤول لجنة استلام ارزاق السجناء من المتعهد. كان سعيـد يرابط في الدائرة من بدء الدوام الرسمي حتى انتهاءَه وله علاقات طيبة مع ادارة السجن والسجانين. لقد تمكن سـعيـد بسبب خبرته الطويلة في هذا المجال كيف يحاور المسؤولين وينتزع منهم المكاسب لزملائه، فهو يطبق توجيهات المنظمة بمرونة عالية وببصيرة وأنـاة .
سعيـد كان احـد القادة النقابيين الشباب العاملين في شركة الزيوت النباتية في بغداد وقد حاز على ثقة العمال في الانتخابات، اعتقل سعيد في عام 1961 بسبب نشاطه النقابي مـع زميله حميـد تومكَا واودعا معتقل باب المعظم في قلعتها الخامسة، هناك التقيتهما لاول مرة... وفي انقلاب شباط الاسود 1963 كان حبل المشنقة قريبا من رقبة سعيد ورفيقه حميد، لكن الحكم قد صدر عليهمـا بالسجن عشرين عامـا بالاشغال الشاقة وارسلا الى سجن نقرة السلمان الصحراوي، والتقيتهمـا هناك ايضا، ومن ثم نقلنا معا الى سجن الحلة فاختارته لجنة تنظيم السجناء الحزبية لهذه المهمة، وقد عرفتنا سجون اخرى " سعيد وانا " كذلك، مثل سجن ا لرمادي وسجن الموصل.....
طرح الشيخ وحافظ وبتوضيحات من سعيـد مخطط النفـق وتمت دراسة الامر بدقة كبيرة من الجوانب الفنية منها الطول اخذين بنظر الاعتبار التعرجات والزوايا تحاشيا لانهدام السطح والتي تزيد من طوله وكذلك العرض والارتفاع والعمق تحت الارض حيث يجب ان ينفذ من تحت جدار الغرفة وجدار السور الخارجي ثم ياخذ بالارتفاع التدريجي لينتهي بجانب السيارة المعطلة الراقدة قريبا من سور السجن... درست كيفية معالجة التراب، واحتمالات كشفة من قبل ادارة السجن، وغيرها من الامور قبل البدء بالحفر.
افرغت الغرفة الصغيرة من الادوية وسرير العلاج والمحتويات الاخرى ونقلت الى غرفة اخرى اوسع في القلعة القديمة بحجة ان المكان صغير وغير مناسب، واقفلت وهي فارغة تنتظر بصبر كبير مساهمتها في عرس التحرر من القيـــد... وذات ليلة استقبلت الغرفة الصغيرة ضيوفها بشئ من الترحاب والتردد، ففتحت قلبها الصغير على مصراعيه ليدخلوه آمنين! شكلوا نصف دائرة حول قطعة الحديد المربعة الصدئة ـ غطاء البالوعة. كنسوا حافاتها الملامسة للارض، وتناول الشيخ قضيب من الحديد وغرز حافته المسطحة تحت ظلع الغطاء قائلا:
ـ ماركس، انجلز، لينين...! وارتفعت حافة الحديدة وشكل سطحها زاوية حادة مع ارض الغرفة... الكل في ذهول وصمت وقلوب واجفة بانتظار ما سيحدث، لعله كنز مخفي سيتم العثور عليه، واي كنز اثمن من كنز الحرية؟ وانتشرت عفونة التراب القديم والهواء النتن الفاسد المحبوس منذ سنوات عديدة...
ـ هذا هو الطريق الى الحرية، الى الشعب، الى النضال.
ـ وهل طريق الحرية يمر عبر هذا النفق العفن...؟ يارفيق، ان له رائحة القبور..
ـ نعم لابد من ذلك، فليس لدينا خيار اخر، فأما الولوج واما الانتظار...
ـ دعوا المناقشة ولنبدأ العمل.
سيكون الحفر بهذا الاتجاه... النزول بشكل مائل قليلا ومن ثم الحفر بشكل متعرج.
ـ والمقاييس...؟
ـ ستكون مناسبة بالطبع، السير بانحناء، وبهذا لايزيد الارتفاع عن متر واحد في اكثر الحالات. والعرض لاتزيد عن 75 سنتمتر، وحسب الظروف.

الارض هشة مطواعة تماما، حفنات التراب تنثال من الاعلى بسهولة ويسر، ومن الاسفل كأن التراب الرطب ممزوج بروث الحيوانات القديم جدا... العفونة لاتطاق انه البراز القديم والطين والاوساخ والصابون قد مزجا معا... ماهذه القاذورات ومتى سنتجاوزها، يالهي! هل سننجو من هذه المحنة أم سيصيبنا مرض لايعرف علاجه...؟
ـ قال فاضل يقال ان في الحرب العالمية الثانية استعملت الغازات السامة ولكن هذه الغازات والعفونة، ربما اكثر من تلك، على الارجح سنموت ونتفسخ هنا حتى العظم...؟
ـ اخفض صوتك يارفيق.
ـ لااقدر على المواصلة، لايعرف مثل هذه العفونة حتى عمال المجاري؟
ـ اذا اخرج وخذ نفسا من الهواء الطلق الى ان تهدأ رئتاك ثم عاود ثانية...
خرج فاضل وتناول حافظ السكين الكبيرة بدلا عنه وبدأ يحفر وصلاح يجمع التراب في علبة صفيح معّـدة لهذا الغرض. وينقل التراب الى صندوق كبير من الخشب وضع بملاصقة باب الغرفة رقم 7 . هكذا بدأ الرفاق الذين سيشقون الدرب الى الحزب في عمل شاق ملئ بالمخاطر والمفاجئات والمصاعب، العمل الذي تقـدّر نسبة نجاحه اقل بكثير من فشله ، وفقا لظروف السجن ونوعية السجناء وادارة السجن والظروف السياسية وكذلك الرفاق الذين تعهدوا الحفر اذ لم تكن لديهم خبرة سابقة في ضبط النفس واللباقة وكيفية الضحك على ذقون الخصوم في اوقات الشدة، انها تجربتهم الاولى بل مغامرتهم الاولى.

فاضل ملازم اول في الجيش شاب وسيم يقترب من العقد الثالث من عمره متوسط القامة قوى البنية خمري اللون، بل أميّل للبياض منه للسمرة، كان هادئ الطبع قليل الاختلاط بالاخرين، يصرف كامل وقته في نحت الخشب والعزف على العود واجمل ماصنع فاضل في هذا المجال هي القيثارة السومرية الاثرية... حكمت عليه المحكمة العسكرية عشرين عاما في الاشغال الشاقة لمقاومته انقلاب شباط الاسود مع رفاقه الاخرين في معسكر سعد... لايبدو على فاضل اي اهتمام للعشرين سنة فتراه يبتسم دائما وقلما رأيته او سمعته يدخل في نقاش سياسي حاد مع الاخرين. ومن لباسه وفراشه والمواد التي تاتيه في الزيارات وعدد الزائرين له في موعد زيارا ت ذوي السجناء لابناءهم، يبدو انه من العوائل الميسورة من محافظة ديالة...

اما صلاح فهو صف ضابط في الجيش من اهالي الناصرية واخوه عقيل طالب في الثانوية وهما من بيئة فلاحيه، حكمت عليهما محكمة امن الدولة عشرين سنه لكل منهما.
لم تستمر الجولة الاولى من العمل سوى سويعات قليلة واقترب الفجر فارجعوا الغطاء ونفظوا التراب من ملابسهم، وتدلى من جديد القفل الصغير على الباب الازرق للغرفة المضيّفة كمدالية فضية على صدر لاعب حاز عليها في السباق... وفي صباح اليوم التالي توافد الحفارون على غرفة الشيخ وقد اختفى ذلك الانفعال والقلق وهدأت الضربات السريعة للقلوب واخلت مكانها للنكات والضحكات...
ـ قال مجيد؛ وهو اصغر الحفارين سنا: الرفيق ابو علي استهل الحفر بأسماء ماركس، انجلز، لينين وكأنه يضع حجر الاساس لبناء مصنع للالات الثقيلة... ضحك الجميع وعلق الشيخ.
ـ يارفيق جدو كان رفاقنا في سجن الكوت عندما بدأوا الاضراب عن الطعام والاعتصام وكانت ادارة السجن قد قطعت عنهم التيار الكربائي والماء قرروا حفر بئر داخل ساحة السجن فتناول احدهم " القزمة" وهتف ماركس، انجلز، لينين، ستالين! وضرب الارض بكامل قوته وبدأ الحفر الى اخر القصة، لكن اسم ستالين قد حذفنا الان من قائمة الهتاف الا ترى ياجدو...؟
ـ قال صلاح ؛ ان اهل الكاظمية مشهورين بأعطاء الالقاب أما كيف اختير هذا الاسم ( جدو) للرفيق مجيد علما انه لم يكن الا على مشارف العشرين سنه من عمره فهذا السر لااعرفه.

كان مجيد شابا نحيفا صغير الجسم لايبدو على وجهه شعر فشاربه من الهدب الناعم الخفيف البني ولايكاد يرى وكذلك ذقنه. شعر رأسه قصير لايتجاوز نصف العقده. اما وجهه ورقبته فكانتا ممتلئة بالتجاعيد الكثيرة وصار وجهه اشبه بوجه عجوز في السبعين من عمرها ولعل ذلك السبب في تسميته،جدو،. ولكن لمجيد قلب لايعرف الخوف لقد قاوم انقلاب شباط في مدينته (الكاظمية) البطله وقد تحمل الوانا شتى من التعذيب والارهاب لكنه واجهها بقلب صوّاني وببطولة نادرة. حكم عليه المجلس العرفي العسكري الاول بالسجن عشرين عاما بالاشغال الشاقة، وقد تلقى الحكم وهو يضحك قائلا لرئيس المحكمة: وهل ستبقون في الحكم عشرين عاما...؟
تداول المجتمعون تقييم عمل الليلة الماضية واكدوا من جديد على الصيانة والحذر الشديد ونقل اية معلومة او اشاعة او خبر مهما كان صغيرا او تافها، من اجل دراسته والتمعن فيه.

خيم الليل كئيبا مملا كالمعتاد وانتهت الزيارات بين سجين واخر واطفأت اضواء القاعات وخلد السجناء الى افرشتهم المتراصة على الارض بصفين متقابلين، هذا يحتضن مخدته وذاك يملأ الجو بالشخير وثالث أرّق جفنه واخذ يتقلب على جنبيه. والشيخ يذرع ساحة السجن لايسمع الا خطاه ولايكلم الا نفسه... الصمت يلف كل شئ وحتى خطوات السجان على سطح السجن تباعدة واختفت. الغرفة الصغيرة تتنتظر ضيوفها وهم ينتظرون اللحظة المناسبة لدخولها، فتحوا الباب وتسللوا الى جوفها فرادا وعاد الشيخ فقفل الباب، الصوت ممنوع الكلام همس واذا تطلب الامر فبالاشارات افضل، ان للحيطان اذان كما يقال فكيف اذا كانت غرفة النفق لايفصلها عن الغرفتين 7،13 سوى بابين من الخشب!؟ وسيمر النفق حتما بجانب الجدار الملاصق للغرفة رقم 13. لاشك ان ذلك يتطلب هدوءا كبيرا سيما وان الصوت ينتقل في الارض اسرع واقوى مما في الهواء. والسجناء ينامون على الارض وليس على اسرّه.

وابتدأ العمل ثانية لكن الارتباك لايزال يسيطر على البعض، القلوب واجفة تدق بعنف ولكنها تأخذ بالهدوء الحذر المترقب كلما مرت الدقائق والساعات وألف الحفارون عملهم... فوهة النفق صغيرة لايمكن تكبيرها في اية حال فالمهمة ان يدخل الحفار، ان يصير ( جرذ) يمطّي جسمه ويدخل بمرونة لابحريّة ومن ثم يتم توسيع الحفرة وفقا للمقاسات المرسومة التي تضمن حرية الحركة النسبية في الحفر ونقل التراب. وهكذا استمر العمل ليال واسابيع وبتلك الادوات البدائية جدا والشحيحة جدا فسكاكين المطبخ التي تختفي بعد الانتهاء من طبخ الطعام في النهار تصل خلسة الى النفق لتؤدي العمل ليلا وقد علق احد الحفارين قائلا ان السكاكين وملعقة الطبخ الكبيرة تعمل وجبتين في اليوم فلاشك في انها ستتقاضى اجورا مضاعفة.

اكتملت الدرجات الاولى لمدخل النفق وبدأ الانحدار الى اسفل. الارض مطواعة رخوة وكلما عملت السكاكين في نبش احشائها نفثت الروائح الكريهة المحبوسة قتزيد الاختناق اختناقا... جو الغرفة صار لايحتمل ولكن الاسوأ ان الجيفة ستكشف السر، فقرر الحفارون التوقف والتشاور في اليوم الثاني وانسحبوا، وعاد القفل يتدلى ثانية على صدر الغرفة النحيل.
لم يتمكن باب الغرفة الصغيرة من حجب العفونة التي اخذت تخترق شقوقه ولاشك انها قوية لتملأ الممر والغرف الاربع المجاورة، وصار أمر تلافيها والسيطرة عليها مهمة عاجلة... اقترح احد الحفارين وضع قطعة سميكة فوق باب النفق لكن ذلك لايردع العفن المحبوس منذ سنين، واقترح اخر استعمال العطور او البخور وهذا امر غير واقعي بالطبع.
كان كمال صامتا طوال الجلسة، شارد الذهن خارج الاسوار، سأل حافظ:
ـ مابك ياكمال لاتشارك، اين انت...؟
ـ لاشئ... عمن تتحدثون انتم...؟
ـ عن العفونة تلك التي تخرج من الغرفة. وستنكشف في كل لحظة... الا تشمها...؟
ـ نعم، ولم استطع النوم الليلة البارحة.
ـ طيب، فكر معنا..
ـ الحل عندي، وهو سهل، ساعالج الامر هذا اليوم، اليوم بالذات، بل في هذه الساعة.
ـ اذا حاول.
غادر كمال في الحال الى غرفته وفتح علب الاصباغ ومزج بعضا منها بالبعض، فطغـت رائحة الاصباغ على رائحة العفن.
كمال كمالة شاب أشقر وفنان تشكيلي مبدع من مدينة دهوك ، وسيما طويل القامة قوي كحصان صحراوي ألف الركض منذ الولادة... لقد زادت دماثة اخلاقه وهـدوئه من حب السجناء واحترامهم له . واضافة الى ما كان يقدمه لهم من عمل ، فهو يعمل في الفرن لتهيأة الخبز للسجناء وهذا يتطلب منه السهر الى ساعة متأخرة من الليل، ثم يعود ويمارس الحفر مع رفاقه، وفي النهار ينشغل بلوحاته ومنحوتاته الفنية. حكم على كمال عشرون عاما وكان للتو قد انهى دراسته في المعهد الفني، رساما ونحاتا. ان السجن واعوامه العشرين لم تنسه المهنة التي احبها، فكانت غرفته عبارة عن معرض للوحاته الفنية ومنحوتاته حتى بدا على الساكنين معه في نفس الغرفة التذمر من رذاذ الجبصين ورائحة الاصباغ فتركها البعض واستمتع آخرون في البقاء معه رغم انه لا يعمل في الغرفة الا لماما.. كان كمال يتكلم لغته الام،الارامية، والعربية والتركية، لكن لايبدو عليه انه يحضى بهذه القابليات المنوعة. اذ كلنا يعرف انه يرسم وينحت ويعمل في الفرن فقط! كان كمال عضو نشط في منظمة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقيـة .....
طرقنـا ابواب شهر ايار وتقدم الحفر واستطال النفق كدودة الارض الخيطية وامتلاً الصندوق الكبير بالتراب وصار العمل مألوفا وطبيعيا نوعا ما واخذت تختفي تلك الرهبة من دخول الغرفة والولوج في النفق الرطب والعفن الذي يضاء بمصباح بائس اثناء العمل فكلما تصبب العرق وتقدم التوغل في باطن الارض، صار الشعور باللذة اكثر. وبين الحين والاخر يجتمع الحفارون كلهم او بعضا منهم في غرفة الشيخ وحافظ، يتلذذون باحتساء الشاي ويتبادلون النكات ويصغون للحديث عن تاريخ حزبهم وبطولات رفاقهم في العمل الشاق والمضني المتواصل، وتطرز تلك الاحاديث المفارقات والنكات والمقالب في العمل الحزبي والبيوت السرية والسجون. كما يناقشون الاحداث السياسية الملتهبة وبالرغم من ان الشيخ عامل نسيج في الاساس الا انه عمل طويلا بين صفوف الفلاحين.
قال:
ـ مرّة كنت منظما لهيئة حزبية فلاحية، وفي كل شهر اطالب اعضاء الهيئة بتسديد بدل الاشتراك وكان خمسون فلسا انذاك. كان الفلاحون يتضايقون كثيرا من اعطاء النقود لكنهم يخسرون اضعافا عند استظافتهم لنا، وكنا نؤكد عليهم بدلا من هذه المصروفات يمكن ان نكتفي بالقليل وناخذ ربع ماينفق على الضيافة فكانوا يرفضون. والطريف ان " شويكر" عضو الهيئة كان فلاح معد ما لكنه يقظ وجرئ وفي اول احد الاشهر قدم لي (750) فلسا وقال:
ـ يارفيق هذه 750 فلسا اجعلها اشتراكات للاشهر القادمة...
تعجب الجميع من هذه المبادرة، فسأله احد الاعضاء:
ـ ومن اين لك هذا المبلغ...؟
ـ قال شويكر: والله يارفيق، امس الاول سرقت نعجة وبعتها ب 750 فلسا وهذا كل المبلغ للحزب...
طبعا رفضت استلامها لان السرقة لاتتناسب مع فكرنا وما نصبو اليه ونناضل من أجل تحقيقه ...

بدأت طلائع السجناء تخرج للنوم ليلا في ساحة السجن لكنهم يطوون افرشتهم ويعودون مع اول زخة صغيرة من المطر او عاصفة ترابية تهب بشكل مفاجئ. ومثلما للسجناء احلامهم وكوابيسهم الليلية، فللحفارين تصوراتهم وهم ينبشون احشاء الارض الحارة الخانقة فالشمس العمودية الساطعة تنفذ حرارتها الى اعماق التربة... في ذلك الهواء الفاسد تماما والجيفة، كان فاضل يحفر بلا توقف. العرق الدبق ينّز من كفيه فينزلق مقبض السكين مرارا ويمسح وجهه وعينينه باكمام قميصه الذي صار نتنا نتونة التراب، وصارت الحركة ميكانيكية لاشعورية لليدين والجسم، بل كان الذهن يعج بصور متحركة تاتي وتروح بسرعة البرق وداخلها كانت الذكريات الطريّة تبدو مثل شظايا قنبلة متفجرة او شهب متهاوية...
فاضل كان صلبا، لن يتخاذل، لن يسقط، لن يفقد توازنه في زمن الغدر والانهيارات. فنظّم مع رفاقه مقاومة انقلاب شباط الاسود في معسكر سعد، لكن ميزان القوى لم يكن في صالح المقاومة المبعثرة انذاك. ومرّ شريط الاعتقال والتعذيب والموت الجماعي المجاني بشكل خاطف وتذكر رفاقه الذين صاروا طعما للدود فاختلطت دموعه بعرقه وانحبست انفاسه فكاد يختنق. سحبوه خارج النفق ليعبّ نفسا من الهواء الطلق وهذه هي العادة المتبّعة والعلاج لكل من يصل به الاعياء حد الاغماء من الحفارين، لكن تلك الصور لم تفارقه، لافي الحمام عندما اخذ دشا باردا انعش جسمه، ولافي فراشه فنام ليلته مع تلك الكوابيس المزعجة والذكريات المرّة.
لِنار المعارك ولهيبها طعم وللهزيمة طعم اخر، فلقد تفتح فاضل المتقد مع اشراقة الرابع عشر من تموز 1958 يوم كان المد الجماهيري واعراس الثورة في كل مكان، في الشارع والمعمل والمدرسة وحتى في الثكنة العسكرية فاختار فاضل طريق الكادحين وربط مصيره معهم. كان يحلم ان يتطور هذا الحلم لبناء مجتمع خالي من الاستغلال والسجون، يحلم في ان يكون العراق بامكاناته المادية وثرواته وتراثه مصباحا يشع في المنطقة التي كابرت كثيرا من السيطرة والنهب الاستعماري لكن قيادة الرابع عشر من تموز ارتدت وتخاذلت بعد ستة شهور فقط وبذلك فسحت المجال رحبا لان ترفع الافاعي رؤوسها من جديد، وعوت الذئاب المحيطة بالعراق وتنادت من كل جانب وصوب. فاستلم الانقلابيون مفاتيح الدار بعد ان هيأ لهم ( قاسم ) كل السبل للوصول اليها فكان انقلاب الثامن من شباط الاسود، وهنا ذاق فاضل ورفاقه الطعم المرّ، طعم الهزيمة، طعم القيد يحز معصميه، والاسوار العالية تفصله عن احب الناس لقلبه. كان يحلم ان يساهم في الدفاع عن الوطن ومعارك التحرير في الوطن العربي، كان يحلم ان يربي جنوده تربية اخرى واخلاقا اخرى، ان يعلمهم الطاعة الواعية والمنضبطة المملوءة حميّة ووجدانا ثوريا. فالجنود هم ابناء الفلاحين والعمال والكسبة وكل القطاعات المتوسطة والفقيرة من الشعب وهنا يجب ان يشعروا بمصالح واهداف اهلهم... يربيهم على كره الاستعمار والغزو والالحاق والسيطره والذل والهوان والخضوع... يربيهم على روح الالفة والتضحية العادلة في سبيل احترام السلام وحرية الشعوب. لكن تلك التصورات والاحلام تهدمت على ايدي الوحوش الضارية التي لاتعرف غير طعم الدم والقتل الجماعي.

اطل الصباح، وجاء الخفراء من السجن بالشوربة وبعض الصمون لكن المزاج عكر مثل ماء دجلة في شهر اذار... لم ينشر فاضل ادواته في ذلك الصباح، فبقيت القيثارة السومرية راقـدة في الكيس مثلما نامت ادواته باردة معها.
للسيجارة طعم مرّ مرارة ذكريات الليلة الفائـته، خطا فاضل بتردد ووجل، خطوات باتجاه غرفة الشيخ فاستقبله رفاقه بابتساماتهم الحلوة وتعليقاتهم الساخرة.
ـ هل قايست المسافة يارفيق؟ سأل فاضل بتردد.
ـ اجاب الشيخ؛ نعم مددنا الحبل وقايسنا، لم نصل ربع المسافة بعد.
ـ جدو مداعبا: فاضل على عجل كي يرى حبيبة القلب، تمهل يارفيق، فستأتي هي في الزيارة القادمة.
ـ لايارفيق، التفكير في امور اكبر من ذلك.!

عقّب الشيخ؛ لابد للاعمال الكبيرة من بذل جهود تناسبها ونحن في اوائل الصيف، ستواجهنا الحرارة في جوف الارض اكثر فاكثر. اضافة الى ان السجناء سينامون في الساحة وهذا يتطلب سريّة اكثر وحذرا اكثر في الدخول الى الغرفة والخروج منها سيما وان الوضع السياسي قد اخذ بالتوتر في المنطقة وأقصد بين العرب واسرائيل وانتم تعرفون طبيعة حكامنا. فبدلا من اعطاء حريات للشعوب والاعتماد عليها يجري التشديد والقمع واعلان الاحكام العسكرية، ولاندري ما يخبئه المستقبل...؟
طغى جو من الجديّة على الجلسة، وجاء زوار اخرون فانسحب البعض...
مضى الحفارون في عملهم وكانت تلك الساعات القليلة جدا من عمر الليل القصير تصير دهرا باكمله مع شدة الحرارة والاختناق بالهواء الفاسد. وكلما تقدم الحفر خطوة اختنقت الغرفة الصغيرة بالتراب وضاقت من كثرة مااحتوت منه وصار التفكير به والحساب له امر في غاية الاهمية.
في اواخر ايار اعلن راديو بغداد عن وجود اصابات بمرض الكوليرا، وبدأنا نسمع ونرى الندوات في التلفاز المهلهل الذي سمحت لنا ادارة السجن بشرائه، وبدأت الممنوعات... وفي ظهيرة احد الايام الكاوية استغاث ملازم حمــد من مغص شديد في بطنه وصاحب ذلك اسهال حاد، فانسحب الجميع الى القاعات واشرأبت الاعناق وتزاحمت الاجسام على الابواب والشبابيك كي يروا منظر الشاب الملازم حمــد المصاب بمرض الكوليرا... تقدم المعاون الطبي جبار والمعاون الطبي محفوظ وعاينا الغائط والقئ... وانتزعا ملابس حمــد واحرقاها في برميل ونقل حمــد الى مستشفى الحلة المركزي... اصاب السجناء الهلع اذ لامفر من هذا الداء الخبيث ونحن بين جدران اربعة، لكن حمــد لم يكن مصابا بالكوليرا، بل كانت حالة تسمم معوي. اجريت لقاحات لكل السجناء ضد مرض الكوليرا فارتفعت حرارة الاجسام واخذ البعض يهذي. ففي الليل تسمع الكوابيس المنوعة المتنافرة، مضحكة مبكية، هذا يغني حبيبته، وذاك يندب امه يستغيث بها للاعتناء به واعطاءه جرعة ماء. ومنعم، عامل السكك يذيع بصوت عال بيانات " الثورة " وهو تحت البطانية...؟
الجو السياسي مشحون بالمفاجآت، اخبار الحزب تؤكد ان يوم الخلاص قريب ( سنراكم قريبا ). النضالات في الساحة العراقية تتصاعد، مصر توجه انذارات لاسرائيل، وكانت الانذارات جديّة فطلبت سحب قوات الفصل التابعة للامم المتحدة بينها وبين اسرائيل وصارت المنطقة على شفا الحرب المؤكدة. كنا نراقب الاحداث باهتمام وانتباه كبيرين.

يتبع
القيـــــــــــد و أناشيــد البطولـــــة

اطل يوم الخامس من حزيران 1967 وكنا نؤدي اختبارا لدورة طبية اقامها لنا رفاقنا الممرضون، فكانت الاذاعات العربية تذيع المارشات العسكرية والاناشيد الحماسية، انها الحرب ثانية بين العرب واسرائيل. راديو بغداد يعربد وكذلك راديو القاهرة وصوت العرب... اقتلوهم، اضربوهم، ارموهم في البحر، في الجحيم... لم يبق سوى شبر ونصل تل ابيب... جينالك يا فلسطين جينالك... والله زمن ياسلاحي،!! بصوت المطربة فائدة كامل، واغاني ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وحتى ثنائي جواد وادي وعبد الواحد جمعة. لقد ساهم الفن الاذاعي بقوة في شد عزيمة الناس وتأجيج حماسهم، كنا في منتهى التوتر والقلق والاضطراب وبدأت التحليلات والتصورات... عقدت لجنة التنظيم الحزبي في السجن اجتماعا وحررت برقية الى الحكومة العراقية تدعوها الى ارسالنا الى جبهات القتال وارجاعنا الى السجن بعد انتهاء الحرب لانهاء محكومياتنا...!!
ياللجذر اليميني الذي لن يتخلى عن موقعه رغم المآسي الكثيرة والنكبات... عقد اجتماع لكل السجناء في الليل وطرحت البرقية لاقرارها من قبلهم واحتدم نقاش حاد حولها وكل أدلى بدلوه... [ لانريد تكرار تجربة رفاقنا السجناء السياسيين المصريين اثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956. حيث ارسلوا نفس الصيغة، وبالفعل ارسلتهم حكومة مصر من السجن الى جبهات القتال ومن بقي منهم حيا أُرجع ثانية الى السجن ليكمل محكوميته وكأنهم هم المجرمون وليس عملاء الاستعمار وجواسيسه مجرمون يستحقون العقاب من وجهة نظر الحكام االدكتاتوريين العرب " حماة القومية والوحدة "...] ياللعار على الحكومات البرجوازية واثامها بحق المواطنين...! هذه البرقية تعني الاعتراف بشرعية سجننا، واننا حقا مجرمون نستحق السجن!
وبعد هذا النقاش طرحت صيغة اخرى للبرقية واقرت بالاجماع ومضمونها:
(( نحن وطنيون مخلصون والسجن اجحافا وظلما بحقنا، اطلقوا سراحنا ودعونا نشارك بالقتال )). لكن حكومة عبدالرحمن محمد عارف لم تطلق سراح سوى الملازم الطيار خالد حبيب ولم ترسله الى جبهات القتال!!.

ومع انتهاء اليوم السادس من المعارك حتى اخذت الاذاعات العربية تعوي بأنين ذئاب جائعة مغلوبة على امرها تدعوا العالم التدخل لايقاف الحرب. اذ تمزقت جيوش مصر في صحراء سيناء وتقطعت سبل امداداتها فمات الجنود في لهب الرمال وسيل القنابل وصارت الجيوش الاسرائيلية على مشارف القاهرة، وهناك جاء الانذار السوفيتي لايقاف الحرب فورا. فصار العالم على شفا الجحيم النووي. قدم جمال عبدالناصر في تلك الليلة استقالته واعلن مسؤوليته عن النكسة وخسران الحرب. فخرج الشعب المصري تحت وابل القنابل والرصاص يتمسك بقائده المهزوم. بل وسبب الهزيمة هو ونظامه السياسي... كانت تلك الليلة سوداء حالكة مؤلمة فما امضَّ الحزن واقساه حين تبكي الرجال وما اضيق العالم وما أتفه الحياة عندما تصير الدمعة السلاح الوحيد والاخير للثوري المغلوب...
ومرّة ثانية تخسر فلسطين ماتبقى من اراضيها، قطاع غزة والضفة الغربية ولكن القيادات القومية العاهرة انتصرت!؟ اذ توالت اجتماعات القمة وألف ولحّن اكثر من مئة نشيد جديد خلال شهر واحد. ألم تنتصر الامة العربية بقادتها القوميين،،،!!
كنا خلال الحرب نلتصق بالراديوات حتى نسمع كلما نستطع سماعه من خلال الاخبار المتضاربة حول من هو المنتصر ومن هو الخاسر في المعارك، لانعرف ماذا نعمل ونحن مقيـدون بقيود ثقيلة من سلاسل السجن ، نتناقض في التحليلات ونختلف في الاراء تارة ونتفق تارة أخرى، من المسؤؤل عن الهزيمة.. هل سيطلقون سراحنا، هل سنشارك في المعارك اذا اطلقوا سراحنا، وتحت قيادة من ..؟؟ لا نقاتل تحت قيادات خائنة تبيعنا بابخس الاثمان وبذلك يتخلصون منا بهذه الوسيلة السهلة .!
ـ سندافع عن الوطن ونساهم في معركة التحرير لشعب مشرد وارضه مغتصبــــــــة .
ـ ومن سيحكمها بعد التحرير.؟ اكيدا حكام مثل حكام العرب الاخرين، الم تتذكروا شعاراتهم : فلسطين عربية تسقط الشيوعية!؟ وكأن الشيوعية هي التي أوجدت اسرائيل و" بلفور" كان شيوعي وبريطانيا شيوعية وأمريكا شيوعية أليـس كذلك..؟ دعني أسألك : من هم الذين سجنوا في سجن " ابو زعبل " وسجن " المزة" في مصـر، ؟ هل قرأت الاقدام العارية،؟ من اذاب فرج الله الحلو بالتيزاب؟ ألم يكن بطلهم بطل القومية العربية جمال عبد الناصر؟؟ ونحن هنا ضحايا الارهاب لماذا نحن في السجن، لماذا لم يذهب أبناء الحكام وأبناء المليونيرية العرب، والمتاجرين بالقومية العربية الى القتال...؟ أتريدون المزيد؟ ان أكبر ترسانة عسكرية من البشر والمعدات الحربية المتنوعة،في بلاد العرب، تنتهي بستة أيام، الطائرات تحترق وهي جاثمة في المدارج والوف الدبابات تحترق في الصحراء ومليون جندي يموتون في سيناء.... الجيوش العربية اكثر نفوسا من نفوس اسرائيل، يارفاق العلة في القيادات...الحكام العرب اجهضوا الثورة الفلسطينية في عام 1936 وساهموا في ايجاد اسرائيل في عام 1948 مساهمة فعالة ، ثم تقاسموا ارض فلسطين ، مصر استولت على قطاع غزة، الاردن استولى على الضفة الغربية، وأسرائيل بنت لها دولة في الجزء الجزء الباقي، وشرد الشعب الفلسطيني في كل فج وصوب ..!
ـ هل تعني ان الموساد الصهيوني يحكم البلدان العربية ؟
ـ نعم بشكل غير مباشر، سجنت في كل السجون العراقية ولم أرَ جاسوساَ أسرائيلياَ او عميل في السجن... الشيوعيون وأصدقاؤهم فقط هم الذين يسجنون، علما ان عملاء الصهاينة والاستعمـار موجودون في كل مكان ويمكنك معرفة ذلك من الاذاعات فأي شيء يحدث في العراق تسمعه بعد ساعة من راديو أسرائيل وراديو لندن. ماذا يعني هذا؟...كانت النقاشات كثيرة ومتباعدة تتأجج ثم تخفت، واحيانـا تدور في حلقة مفرغة او تنتهي الى مواضيع بعيـدة كل البعد عن تلك التي أبتدأت منها.

لــــم تسـر الامور في السجن بالشكل الطبيعي ، فالأيام ملى~ بالمفاجئآت والاحداث؛ أبدل مدير السجون العام بمدير آخر لم يكن معروفا، وكما هي العادة فان كل مسؤل جديد لابد من انه يتفقد عمله والمرافق التي يديرهها وفي البلدان التي تفتقر للديمقراطية، يصدر المسؤول الجديد سلسلة من التعليمات ويتخذ اجرآت جديدة مشددة وأوامر وممنوعات كي يميز نفسه عن الذين سبقوه... في يوم مشمس شديد الحرارة من أيام أواخر حزيران جاء هذا المدير لزيارة السجن بشكل مفاجئ، فبادرت لجنة التنظيم الى طلب مقابلته بوفد يمثل السجناء السياسيين وبعد نقاش مع مدير السجن تمت الموافقة على تنظيم المقابله مع الوفد؛ طرح الوفد مطالب هامة قوبلت بالرفض والاستفزاز فألغي الاجتماع وخرج الوفد مهتاجا منفعلا وابلغ السجناء بأن مدير السجون الجديد رجل سيء ولا يحترمنا كسجناء سياسيين ووجه بضرورة عدم احترامه واهماله تماما والاستهزاء به، ولهذا صار أي تجمع في القاعة اوفي الساحة او في المطبخ او فرن الخبز لـم يرد عليه السلام اذا سلّم او يجيبه عن سؤال اذا سأل مما جعله ينهي زيارته للسجن باسرع ما يمكن؛ وقبل انهاء زيارته قام بجولة تفقدية لكل القاعات والابنية مبتدءاَ بالسجن القديم ومن ثم الجديد، كان يدخل كل قاعة ويجول نظره فيها ويلقي التحيه على الجالسين ولكن لا احد يرد عليه التحية او يحييه فالبعض يتشاغل بلعبة الشطرنج والبعض الاخر مستلق على الافرشة يتأملون والبعض يقرأون او يكتبون... لم يصاحبه ممثل السجناء كما هو مألوف، بل صاحبه مدير السجن ومأمور السجن ونفر من السجانين...أتجه صوب الغرف المطلة على الممر المؤدي الى غرفة النفق فصعد الدرجة الاولى والثانية ففاجأته رائحة الاصباغ المثيرة للاشمئزاز لكنه تماسك... العيون ترقب ما سيحدث فلعله سيطلب فتح الباب، باب غرفة النفق! كاد جدو ان يصرخ من هول المفاجأة، وتحفز صلاح للوثوب عليه وخنقه. " لا يوجع الجرح الا مـن بـه ألـمُ " .لم يشعر الاخرون بالجزع الذي عاناه الحفارون وهم يرقبون خطوات المسؤول الجديد... وما ان لامست يده القفل الصغير على باب الغرفة، حتى شعر "جدو" بأن الدنيا تدور برأسه وكاد ان يصرخ ان ستحل القيامة، اما فاضل فكان كعادته هادئا كصخرة صماء ولكن تحت الرماد لضى الجمـر...ـ ماذا فـي هذه الغرفة ؟ سأل المدير ..
ـ سيدي انها غرفة تواليت مهجور منذ سنوات يعود لهذا الجناح الذي كان يستخدم كمستشفى للسجناء؛ أجاب احد السجـانين .
ترك المدير القفل يتأرجح بهدوء على صدر الباب وقفل راجعا... يا للنصر الكبير لقد غادر مدير السجون فقفز "جدو" من باب الغرفة رقم واحد الى الساحة وأخذ يصيح بالسجناء؛ تعالوا اشربوا الشاي على حسابي الخاص، لكن السجناء لم يدركوا سر فرح "جدو" الغامر. وعاد الهدوء بعد تلك العاصفة وانتظمت دقات القلوب المضطربة وزال التوتر، انها سحابة سوداء خيّمت وانقشعت، عاصفة هدرت واندثرت. وبعد يومين او ثلاثة عاود الحفارون عملهم. وبين حين وآخر تتم مقايسة الطول بحبل القياس وكذلك يتم تحديد الاتجاه والتأكـد منه بواسطة بوصلة صغيرة .....

دخلنا شهر تموز وتعقد العمل اكثر فأكثر فقصر الليل ونام السجناء في الساحة وتراصت افرشتهم وتعثرت امكانية التمشي في الساحة ليلا ...
ستطل علينا الذكرى الرابعة لانتفاضة حسـن سريـع " انتفاضة معسكر الرشيد" البطلة في الثالث من/ تموز/1963 وطلبت مني لجنة التنظيم كتابة كلمة المناسبة والقائها بناءَ على مقترحـات كثيرة من الذين كانوا قد شاركوا فيها، لاِنني كنت احدهم، فكتبت صورة واضحة لحركتها وباسلوب لاهـب أثار الجميع وقد عبّر احد السجناء قائلا: لقد رسم نعيم الانتفاضة بالكلمات وجعلنا نعيش الحدث مباشرة!. وفي الليلة الثانية تم احياء المناسبة نفسها في القلعة القديمة من السجن فألقى الشاعر " مظفر النواب قصيدته المشهورة "حسـن الشموس" ولقى الشاعر يوسف الصائغ قصيدة لا تقل اهمية عن قصيدة النواب .

العرق دبق يلصق القميص على الجسم أجاج اذا ذاقه اللسان كاوٍ اذا دخل العين ، صار التنفس صعبا في ذلك الجو الخالي من الاوكسجين فصار العمل اكثر صعوبة فتدنى الحماس والاندفاع فيه وأخذ يسير ببطءملحوظ لكنه لم يتوقف . احيانا يتشح الحفارون بصمت رهيب وكأن الد نيا لم تخلق بعد ، فأين الملاذ في دنيــا تفيض بالدم ويحكم فيها مسيح النفط !! ويتبخر هذا اليأس ويتجدد الحماس من جديد تدفعه الذكريات الحارة وصور الشهداء ودماؤهم التي خضبت الارض في زمن البطولة؛ الدماء في كل مكان، في الشارع، في البيت، في المدرسة والمعمل والسجن وعلى كل الجدران... كتب الشاعر نصير النهر واصفـا مقاومة الانقلاب :


ايتها الشمس خشوعــا قفي ،
وطأطئي هامك للارض
فـشعـب الـعـرا ق
فـداءُ عينيــــك
طـواه الــــد مُ
من كل قـلب يراق
فـي البيــــت ،
فـي السجــــن ،
وفـي الشــــارعِ ،
حيـث دوي الرصاص
بحرقـة يـشكــي
بحرقـة يحكـــي
لـوعة شعـب العرا ق
عبـر بطـولاتــــه....

تذكر جدو كيف استشهد "سعيـد متروك" قائد المقاومة البطولية في مدينة الكاظمية. لقد كان جدارا صلبا يُستند اليه في اوقات اليأس والوهن، لابد ان تشرق الشمس غدا، نحن جوهر هذا الزمان ومناره، فللوحوش وقت وللسلام وقت، هكذا كانت مخيلا تهم تتزاحم فيها الصور.
كان عقيل قد انهى الصف الثاني المتوسط عندما اندلعت ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وكان متأخرا لبعض السنين ، لقد عاش في بيئة فلاحية تئن تحت ظلم الاقطاع، عاش الظروف الفلاحية بكل معانيها ومعاناتها في ارياف الناصرية؛ أكواخ الفلاحين المنتشرة على ضفاف الانهار وبين بساتين النخيل، الاستغلال واحد والظلم واحد اذ لا يجني الفلاحون من اتعابهم سوى ما يسد الرمق او ما دونـه، وفوق ذلك كله السوط الذي يلهب ظهورهم وقوانين الارض تقيدهم ومنها قانون حقوق وواجبات الزراع الذي يجسد القنانة، فلا يحق للفلاح مغادرة الارض بدون موافقة صاحب الارض الاقطـاعي، اضافة الى الاهانات والضرب وحتى الدفن في الطوامير، فصار الريف، كل الريف في اهمال تام لايمسه التطوير، اذ تركز الهّم على جعله مصدرا لانتاج الخيرات الزراعية وبالوسائل والادوات البدائية.
ولقد رأى ولمس عقيل كيف انهت الثورة سلطة الاقطاع بسن قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 وهو جوهر الثورة. وكان قانونا تقدميا رغم نواقصه، وشكلت الجمعيات الفلاحية فعاش الفلاحون اعراس الثورة واستمتعوا بثمار عملهم لاول مرة واخر مرة في حياتهم. وكانت كذلك المنظمات الاخرى ومنها الاتحاد العام لطلبة العراق وكان عقيل عضوا فيه. لكن تلك المكاسب تم الاجهاز عليها واحدا بعد واحد. ثم كللت بثورة الردة في شباط الاسود فكانت حمامات الدم.
كان عقيل يريد كسر القيد والتحرر والذهاب الى اهوار مدينته الناصرية ويساهم في الكفاح المسلح في هور ( غموكَه) ويتبنى فكرة البؤر الثورية في الريف بين صفوف الفلاحين، انه معجب تمام الاعجاب بالثورة الكوبية، معجب بشخصية احد قادتها تشي غيفارا..
لم يبق لنهاية النفق سوى بضعة أمتار ويتم ربط السجن بالشارع العام ،بالحرية عبر باب اخر لا تحرسه بندقية سجان...كل شيء هادئ، الايام تمر رتيبة مُملّة، السجناء " كل يغني على ليلاه " لكن الشئ الهام في هذا السجن هو عدم وجود ضغوطات كبيرة على السجناء، فلا تعذيب ولااهانات، وبالمستطاع القول ان العلاقة بين ممثلي السجناء الشيوعيين وبين ادارة السجن كانت جيدة، فالتعداد اليومي يتم في الغرف والزيارات كذلك مرّة في الشهر او مرتين. اما الزيارات خارج ذلك وهي فردية فتكون قرب ادارة السجن، وليس في القاعات. وتسمح لنا الادارة بشراء الكتب الادبية والعلمية من المكتبات عبرها. وبالتأكيد فان وحدة السجناء السياسيين وقوة تنظيمهم وانتعاش الحركة الثورية في البلد من جانب، والشعور العام لدى النظام الحاكم في العراق بالخيبة والضعف من جانب اخر، هو السبب الرئيسي لهذه المكاسب. ولكن السجن هو السجن مهما زّوق له انه قيد على الجسد والروح والفكر.
كنا ننام على احلامنا الوردية بقرب يوم الخلاص، ولكن الظاهرة كانت خادعة ولم تكشف لنا الجوهر بشكل صادق، انه سراب الامل او الامل في السراب... ففي قيادة الحزب صراعات حادة بين تيارين على مفترق الطرق فلا وحدة في الفكر ولاوحدة في الارادة ولاوحدة في العمل. " عزيز الحاج" عضو المكتب السياسي مسؤول اللجنة العمالية وهي العصب المركزي للحزب يهئ لانشقاق. وبين التطرف اليساري والتطرف اليميني لن يتمكن الرأي المعتدل الصحيح ان يشكل الاغلبية ويحسم الصراع... ولنا ان نتسائل ولو بعد فوات الاوان: هل حقا ان مثل تلك القيادة الممزقة تستطيع حسم الموقف لصالح الشعب !؟ يقينا سيكون الجواب بالنفي...
لم تتسع غرفة النفق لاستيعاب المزيد من التراب رغم ان النفق سينتهي بعد بضعة امتار. لقد صارت الحركة داخل الغرفة شبه مستحيلة. وحوّم الخوف من انهيار التراب المخزون فيها وسد فوهة الحفرة. فيتوقف العمل تماما وبات التفكير بالتخلص من قسم من التراب امر ضروري للغاية لتكملة العمل.

ـ لكل واحد منا ان يفكر، عسى ان نهتدي الى طريقة ما، عسى ان نعثر على فكرة يمكن تطويرها، قال حافظ ذلك ثم وجه سؤاله للشيخ:
ـ كيف عالج رفاقنا السجناء. التراب عندما حفروا نفقا في سجن بعقوبة...؟ فأجاب الشيخ:
ـ كانوا يضعون التراب تحت افرشتهم ويغطونه بالشراشف فيترآى للناظر انه فراش عادي والنوم عليه، ايضا صار طبيعي.
ـ ولماذا لانعمل مثلهم...؟
ـ لانستطيع لان زمننا ليس زمانهم ورفاقنا ليس مثل تلك النخبة من الرفاق، فقد كانوا على درجة عالية جدا من الانضباط والتماسك. سجون العهد الملكي ليس مثل سجون العهد الجمهوري. كان رفاقنا انذاك مجردين من الملكية الشخصية وهذا اساس وعيهم، كانوا يقضون كل اوقاتهم بالتثقيف والندوات والمحاضرات رغم ارهاب الادارة وضغوطها، انهم مفعمون بالثورية والوجدان الشيوعي، يتصرفون وكانهم رجل واحد، تلك هي وحدة الارادة والعمل في التنظيم والتنفيذ. فهل لدينا مثل تلك النوعيات؟ بالطبع كلا لان المحاكم بدأت تصدر احكامها بشكل عشوائي والحركة الثورية اتسعت ولم تقتصر على النخبة المنظمة، نحن اخفينا سر النفق حتى على بعض رفاقنا في لجنة التنظيم الحزبي في السجن وانتم تعلمون ذلك تمام العلم. فلنفكر بايجاد العلاج وحدنا.
كانت اللقاءات مستمرة بين الحفارين وصارت المرارة ملئ الافواه، هل نرجع التراب ونخرب ماعملناه، هل نردم النفق، ام نترك ذلك للقدر. طرحت فكرة رميه في المجاري أو في المغاسل لكنها فكرة غير واقعية لان التراب بالاطنان وليس بالغرامات... طرحت فكرة وضع التراب فوق سطح السجن، انها فكرة فقط، ولكن من سيرفعه الى السطح وكيف. وماهو جوابنا على؛ من اين جئنا بهذا التراب؟... انتهى شهر اب وحل شهر ايلول ولامن مخرج من المأزق لاشئ غير اليأس والقنوط والترقب السلبي وصارت اغنية (( ياالرايح للحزب خذني...)) بعيدة المنال، اغنية فقط.... بدأت السحب البيضاء تظهر في اعالي السماء، تتكتل، تنبسط، تتقطع كسرب من الطيور المهاجرة وبدت النسيمات الباردة تهب في الليل لذيـذة منعشة ووفـدت اسراب البط البري تعلن عن رحلاتها الطويلة من البلاد البعيدة، باصواتها المتميزة؛ أن حل الخريف وجئنا نستمتع بالدفء اللذيذ في بلدكم، بلاد سومر وبابل. وبين الحين والحين تنذر السماء بمطر خفيف هو اول الغيث... وأخذت الشمس تنأى لتعلن الصيف في الجزء الاخر من الارض... ان اكثر من يحس بالفصول هم سكان الريف فالاشجار النفضية تلفظ اوراقها، وتفرش الارض ببساط اصفر وتحني عذوق النخل هاماتها مستسلمة للقطاف، انه موسم جني التمور وحصاد الرز،و اعراس فلاحي الجنوب بين بيادر الخير والعطاء. وتنضب المياه في الانهار وتجري ببطء وتكاسل صافية باردة عذبة مثل ماء العيون المنبجسة من الصخر في شمال بلادي، وتنشط حركة السفن النهرية تنقل العوائل التي تعمل عملا موسميا او تنقل البضائع من الريف الى المدينة. فالجهد البشري والعمل اليدوي والالة البدائية. هي جوهر ادوات العمل ووسيلة الانتاج. تلك الادوات التي توارثها الفلاحون من اسلافهم السومريين قبل مايزيد عن خمسة الاف سنة...

القيـــــــــــد و أناشيــد البطولـــــة
قصة نفق سجن الحلة المركزي
الحلقة الثامنة
الفصـل الرابـع : مـأساة جديدة

ظل النفق فاغرا فاه مستسلما للقدر، ويتم تفقده بين فترة واخرى. وكعادتنا كنا نتابع الاخبار عبر الراديوات الصغيرة شبه العلنية، يوميا، ويجري اهتمامنا الاكثر باذاعتنا من الخارج (( صوت الشعب العراقي )) رغم التشويش الكبير عليها.
في 25/9/1967 صعقنا لدى سماعنا بيان حزبنا الذي يدين فيه انشقاق الرفيق ( رمزي ) عضو المكتب السياسي للحزب ومجموعة كبيرة من الكادر الحزبي معه وسطوهم على قيادة الحزب ومطبعته وبعض ممتلكاته. انه الانشقاق مرة اخرى فكم كابد حزبنا من هذه الانشقاقات منذ اوائل عقد الاربعينات وكم كان ضررها كبيرا على وحدته وجماهيره، كان المنا اكثر من الالم الذي كابدناه في حرب الخامس من حزيران. اصابنا الدوار وفقدنا اخر امل قريب في الانعتاق من السجن والقيود... من هو هذا الرمزي اللعين، من منا يعرفه، اننا لانعرف اسماء الرفاق القياديين فهذا سر من اسرار الحزب... ومن هو الرفيق جندل عضو المكتب السياسي الذي اعتقلته مجموعة رمزي المنشق وتمكن من التخلص..؟ لقد تبين فيما بعد ان رمزي هو عزيز الحاج وجندل هو زكي خيري.
في اليوم التالي عقد اجتماع عام للسجناء وتم تحرير برقية الى قيادة الحزب يعلن فيها السجناء السياسيون في سجن الحلة ادانة الانشقاق والوقوف الى جانب اللجنة المركزية، وصرنا ننتظر اخبارا اخرى ومعلومات اخرى في الزيارة الاعتيادية التي ستتم في اوائل كل شهر. وفي اليوم الاول من شهر تشرين الاول جاءت بيانات اللجنة المركزية تدين الانشقاق وتصفه بالسطو على قيادة الحزب وبيانات اخرى من مجموعة رمزي التي اتخذت لنفسها اسم ( القيادة المركزية المؤقته للحزب الشيوعي العراقي) تدعي فيها، لقد تم عقد اجتماع لقياديي وكوادر الحزب وتم اتخاذ قرارا بطرد العناصر اليمينية التي عشعشت في الحزب وخانته وعرضته للنكسات. وهنا انحاز اكثرية السجناء السياسيين الى القيادة المركزية المؤقته وبقي مع اللجنة المركزية فقط عشرون رفيقا لكنهم من النوعيات الافضل تثقيفا والاهم من بين الجميع وهذا لايعني بالطبع ان رفاقا" هامين وفعالين انحازوا الى القيادة المؤقته كمظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين وغيرهم.
هللت ادارة السجن لهذا التفكك في وحدة السجناء وخططت للاجهاز على المكاسب التي حققوها بنضالهم وتضحياتهم، لكننا استفدنا من التجارب المرّة للماضي وبالاخص انشقاق راية الشغيلة 1953ـ 1956 وبقينا موحدين امام ادارة السجن،رغم بعض المماحكات البسيطة هنا وهناك وتنتهي بسرعة ..وبعد مداولات مستفيضة تم تشكيل لجنتين للتنظيم بدلا من لجنة واحدة وتم عقد اجتماعات لكل الهيئات والحلقات الحزبية وغير الحزبية وحدد السجناء اختياراتهم بكل حرية وبذلك تم فصلهم في قاعات مختلفة ( جرت العملية بين السجناء انفسهم) ثم شكلت هيئة ادارية من ثمانية انفار، خمسة منهم من مجموعة القيادة، كما صارممثل السجناء بشير زعرو من القيادة المركزية ونائبه سعيد تقي من اللجنة المركزية. وهناك اشخاصا لم يحددوا مواقفهم وبقوا على الحياد وانيط لهم حق الاختيار بالسكن. اصبحت القاعة رقم 7 من نصيب اللجنة المركزية وكنت فيها والقاعة رقم 13 من نصيب مجموعة القيادة المركزية. اما الحفارون فباستثناء الشيخ وجدّو، انحازوا الى مجموعة القيادة المركزية. ظل االنفق على حاله معطلا وكان الخوف من تهدم جدرانه وتلفها كبيرا، وبعد مداولات بين الطرفين تم الاتفاق على الاستمرار بالحفر على ان يخرج ستة من رفاق اللجنة المركزية وثمانية عشر من القيادة المركزية وتترك الحرية بعد ذلك الى من يريد الهروب على مسؤوليته... وحدد حافظ رسن كأدات ارتباط عن مجموعة القيادة المركزية والشيخ عن مجموعة اللجنة المركزية. ومن هنا عرفت عناصر اخرى بقضية النفق.
وفي احدى الجلسات التي استمرت بين الحفارين وكأن شيئا لم يحدث من الانفصال الفكري، عثر على اللقيا الهامة خيط النور الذي يفضي لانقاذ النفق من المأزق... كلّف سعيد تقي ان يطلب من ادارة السجن السماح للسجناء ببناء جناح مؤقت من الخشب عل شكل غرفتين ويسقف بالصفيح وتكون احدى الغرفتين لعمل الشاي والثانية لكوى الملابس على أن يتكفل السجناء أنفسهم المصاريف فوافقت الادراة على ذلك وبالفعل تم بناء جناحا ملاصقا لغرفتي المستشفى من جهة الغرفـة رقم "7" وبعد ذلك طلب من الادارة السماح بأدخال كمية من التراب لاكساء سطح الغرفتين فوافقت الادارة ايضا وجئ بقلاب من التراب فاخذت منه كمية قليلة واستغني عن الباقي... جن الليل وساد الهدوء وخلد كل الى مضجعه فنقلت كميات كبيرة جدا من تراب النفق ووضعت مع التراب والتبن الذي سمحت بهما الادارة وهنا تمت تغطية كل شئ وبهدوء تام فتم التخلص من التراب الزائد وحلت اعقد العقد ا لتي اعترضت العمل.
عاود الحفارون عملهم يحدوهم الامل المؤكد في الخروج الى الحرية وكل حسب قناعاته أ للعمل الحزبي ام لغيره، المهم التخلص من السجن... وفي اوائل تشرين الثاني اصبح النفق كاملا فقط ازالة الطبقة الخفيفة من الارض ويفتح بابه الاخر... كان طول النفق 25 مترا وعرضه 75 سنتمترا وكذلك ارتفاعه 75 سنتمترا. ولم يكن مستقيما بل يتكسر في زوايا وتعرجات لسلامة سطحه وجدرانه من الانهيار وكان من المؤمل والمتفق عليه ان تحضّر هويات وملابس مدنية للمقرر هروبهم وان تتواجد سيارات لنقلهم، واحترازات اخرى مثل معالجة حارس المرآب وغيرها...
يومي 2، 3/11 كانتا زيارات اعتيادية للسجناء وقد جرى كل شيء بشكل طبيعي، عدا الاخبار الواردة من القيادتين والبيانات الاخرى... وفي يوم 7 / 11 /1967 تحديدا في الساعة الثالثة بعد الظهر جيء بالرفيق محمود وهو معلّم من الناصرية، كان قـد استدعي للمحاكمة في بغداد، وبعد مجيئه بساعتين عقدت مجموعة القيادة المؤقتة اجتماعا تحدث فيه نفر منهم عن الثورة والكفاح المسلح والاطاحة بالسلطة، وقرروا فتح النفق والخروج منه وحدهم أي فقط مجموعة القيادة، وفي الساعة السابعة مساء اطفئ الضوء في السجن من قبلهم وتواجدوا في القاعة رقم 13 وهي القاعة المخصصة لهم والتي يمكن فتحها على غرفة النفق. لقد كانت حركة غير طبيعية جلبت الانتباه فارسل الشيخ جدّو لاستكشاف الامر، لكنهم اهانوه وطردوه وكأنه غريب عنهم وتنكروا لجهوده معهم في حفر النفق... استشاط الشيخ غضبا وتناول قضيب الحديد وكسر القفل المتدلي على باب غرفة النفق، وصاح بهم: خوّنة، سفلة، لقد خنتم الحزب بكامله فكيف لا تخونوننا كأفراد؟ لن اسمح بخروج أي واحد منكم ينظم الى جوقة المخربين، ان لم تلتزموا بالاتفاق فسوف اكشف النفق وذلك أهوّن عليّ من تخريباتكم في خارج السجن!!
كان لكلماته واصراره وقع الصاعقة عليهم، ورجع الى غرفته متحديا ايّ منهم في الخروج، استل احدهم خنجرا وحاول طعن الشيخ ولكن حال دون ذلك بعض الحاضرين، جاءه مظفر النواب الى غرفته فطرده، ثم جاء حافظ فطرده ايضا وبكلمات قاسية تحملها حافظ، لقد كان الشيخ مهتاجا جدا... لحظات لاهبة تتطلب سرعة فائقة في حسم الموقف؛ انشق السجناء الى جبهتين وانكشف امر النفق الى جميع السجناء تقريبا،فيما عدا السجناء غير السياسيين لانهم معزولين في جناح خاص،كما ذكرنا، الجميع في حالة من الهياج والتوتر وكانت اقل مماحكة تؤدي حتما الى شجار ومعركة لايحمد عقباها... التيار الكهربائي لايزال مقطوعا والوقت يحسب بالثواني وليس بالدقائق... توسط حافظ الذي بلع اهانته مرة اخرى وتعهد بتنفيذ كل شئ يطلب منهم فأجيب بالرفض؛ لانثـق بكم، كلكم خونة وغير صادقين قال ذلك الشيخ وبهياج اكثر... توسط صاحب الحميّري وهو على ملاك اللجنة المركزية للحزب كان كادرا متقدما هرب الى ايران بعد انقلاب شباط وسلمته حكومة الشاه الى الحكومة العراقية فحكم عليه بالسجن عشرون عاما. وبتوسط صاحب تم تنفيذ الاتفاق السابق بالهروب ...
فرش النفق بالبطانيات السوداء وسقفه بالجرائد، فتحت فوهته من خلف السيارة الكبيرة العاطله عن العمل في المرآب الملاصق للسجن من الناحية الجنوبية كما اسلفنا...عيّنت مجموعة اللجنة المركزية الرفيق سعيد تقي مشرفا على خروج رفاقه المعينين من اللجنة المركزية وانسحب بعد اتمام مهمته ، أما الاخرون من القيادة المركزية فلم يقوموا بعمل مماثل... لقد كان ترتيب الخروج هو ان يخرج واحد من مجموعة اللجنةالمركزية يليه آخر من مجموعة القيادة وهكذا ... خرج الشيخ ببدلة ورباط وتلاه اخرون فكانت وجهته النجف؛ وفي الشارع وجد سيارة اجرة تريد التوجه الى النجف وتحتاج الى راكبين اثنين لاكمال العدد... دخل الشيخ في السيارة وطلب من السائق انه سيدفع اجرة الراكب الاخر لانه على عجلة من امره لوجود جنازة احد اقاربه المتوفى ويريد اللحاق بها قبل الدفن، لكن السائق اخذ يماطل ويقول لماذا تخسر اجرة راكب ياعمي، تمهل قليلا وسيأتي الراكب وبعد مماطلة والحاح والنار تتقد في القلب وفي الذهن المشوّش؛ والخطر المحدق يتوثب للقبض عليه وضياع الجهود، تمت الصفقة واقتنع السائق وانطلقت السيارة وقبل وصولها مدينة الكفل ترجل الشيخ تاركا السيارة والركاب... توالى الخروج من النفق الذي عبّ في جوفه مااستطاع وتقيأه في الجانب الاخر كدلو يمتلىء ويفرغ ولكن من الاجساد البشرية المختلفة الحجم واللون والفكر. كل مشغول بشأنه ويجاهد لأخفاء انفعالاته وتوتره... جاء دور " ابو سامان " في الهروب.
ابو سامان من مدينة كركوك كان رئيس عرفاء في الجيش بدينا جدا يزن اكثر من 120 كيلوغرام له شاربان طويلان كثّان يلامسان شحمتي اذنيه وقد تميز هذا الوزن والضخامة بالهدوء والاتزان فكان محبوبا من قبل كل السجناء وحتى اللذين ينامون معه في الغرفة الصغيرة كانوا يتحملون شخيره الصاخب في الليل، بل اعتادوا على ذلك اعتزازا به وبدماثة خلقه وطيبته... جَلَبَ ابو سامان صرّه تحتوي على بعض حاجياته وانزل رجليه في النفق لكن فوهة النفق لم تكن تتسع جسده الضخم، نزل حتى ابطيه وبقية يداه فوق النفق. فلم يتمكن من النزول ولا من الخروج، لقد سدت الفوهة بهذه الكتلة الكبيرة من اللحم وبعد جهد كبير تم سحب الرجل فرجع مع صرته وسنوات سجنه العشرين.

اثناء عملية الهروب قمنا،نحن الّذين على ملاك اللجنة اللجنة المركزية، بأتلاف كل مالدينا من الوثائق الحزبية واخفينا مااستطعنا اخفاءه تحسبا لاي هجوم مباغت تقوم به السلطة ضدنا وشكلنا لجنة تنظيم جديدة واصدرنا تعليمات الاجوبة في حالة التحقيق وبضرورة الاناة والهدوء وعدم الانجرار للاستفزاز تفاديا لأي اصطدام مع قوات السلطة. اما مجموعة القيادة فلم تعمل ما عملناه ففقدوا كل شئ للاسف... توالى الهروب حتى صارت الحركة في السجن وفي النفق والمرآب والشارع حركة غير طبيعية... شعر حارس المرآب الذي كان يجلس على كرسي في الباب ويرد التحية على كل من يخرج من " الافندية " بالقول عليكم السلام اهلا استاد؛ تلك كانت كلمته التي يرددها ببغاويا... شعر مؤخرا ان شيئا غريبا يحدث اذ لم تدخل المرآب سيارة واحدة ولاشخص واحد، فمن اين جاء هذا العدد الكبير من الاشخاص الذين يخرجون من الباب او يتقافزون فوق السياج ثم يهروّلون صوب البستان المقابل.؟ ياللعنة؛ لم يجرأ الحارس بدخول المرآب والتحقق بنفسه، وتحت تأثير هذا الذهول والاستغراب والفضول لمعرفة السبب، ذهب الى شرطي المرور في الكابينة المقابلة وسأله:
ـ عمّي لاسيارة ولا واحد دخل المرآب منذ الظهر ولحد الان ولكن أرى ان اناسا كثيرين يخرجون منه فمن اين جاؤا؟ الله وحده يعلم بذلك... انتبه الشرطي ورأى بعينيه اشخاصا يتراكضون ويتقافزون فوق سياج المدرسة او يهروّلون في الشارع فنادى على السجّان الموجود فوق سطح السجن ان يلاحظ ماذا يحدث! اصيب السجّان بالذهول عندما راى اناسا يخرجون من حفرة خلف جدارالسجن فاطلق عيارا ناريا في الهواء من بندقيته الطويلة... وبهذه الاطلاقة انتهى عمر النفق بهروب السجين الثالث والاربعين. انسحب كل من كان في الغرف الصغيرة على جانبي الممر المؤدي الى غرفة النفق ومن كان في النفق وساد ارتباك كبير ووجوم. البعض واجم وكأن على رؤسهم الطير والبعض الاخر مسرور لهذا العمل الثوري المتحدي. واخر يقف صامتا هازئا واخر خائف مما سيحدث لاحقا... ادارة السجن في ارتباك وفوضى، جاء مأمور السجن ( آيدن ) حاسر الرأس شاهرا مسدسه يتقدم ثلة من السجانين يجأر بتلعثم وريق يابس: أين هم، اين ذهبوا؟ فلم يرد عليه احد سوى نظرات الازدراء والاحتقار والشماته... صادف ذلك اليوم ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية، اجتمعنا جميعا وقوفا بنسق في القاعة الكبيرة رقم 2 والقى الرفيق سميع داود الكلمه المشتركة التي اتفقنا عليها مؤكدين في الوقت نفسه تقييمنا للانتصار الذي تحقق وكذلك تاكيدا على وحدتنا ضد عدونا المشترك ادارة السجن... كان ذلك اجمل احتفال قدمنا فيه هدية كبيرة لحركتنا الثورية ( المنشقة على نفسها ) وكان النفق اوجع لطمة على وجه سلطة عبدالرحمن عارف ولكن ( مالجرح بميّت ايلام ) وفي نفس الليلة اذيع خبر نفق سجن الحلة من راديو اسرائيل وراديو لندن!!؟
كان لانتشار الخبر في مدينة الحلة سرعة البرق الذي يخطف الابصار وعاجلا اصدرت لجنة الفرات الاوسط للحزب الشيوعي توجيها فوريا لكل الشيوعيين واصدقائهم وجماهيرهم ومعارفهم بضرورة احتضان الهاربين ايّ كان اتجاههم دون مناقشتهم فنشط الشيوعيون والناس في البحث عن الهاربين وأيوائهم ومساعدتهم على التخفي أو ايصالهم الى بغداد او اية محافظة يرغبون... لم ننم تلك الليلة الفريـدة من نوعها، ليكن الطوفان غدا فالمهم حققنا عملا ثوريا رائعا رغم نواقصه... وضعت ادارة السجن حراسة مشددة على مدخل النفق فاغلقت الغرف المحيطة به، وقدمنا بعضا من الطعام والشاي للسجانين الذين يحرسون النفق وبأحاديث وديّة معهم انتهت تلك الليلة. وفي الصباح جاء المسؤولون يعاينون النفق وفي المقدمة منهم محافظ الحلة ( شاكر مدحت السعود) سئ الصيت، الذي كان رئيسا للمجلس العرفي العسكري الثاني في زمن حكومة عبد الكريم قاسم ومن ثم رئيسا لمحكمة أمن الدولة الثانية في عهد شباط الاسود... شاكر مدحت الذي اعرفه ويعرفني تمام المعرفة رغم انه لم يتذكر اسمي فلقد حاكمني ثلاث مرات، الاولى اصدر عليّ حكما بالسجن ثلاث سنوات وتحت مراقبة الشرطة سنة واحدة بتهمة مزيفة تافهة هي أنني نقلت السلاح من مدينة العمارة الى ريف المشرح للقيام بحركة انقلابية ضد عبد الكريم قاسم كان ذلك في23/تموز/ 1960، والمرة الثانية اصدر عليّ حكما مماثلا غيابيا لأنني لم احضر المحاكمة،في خريف /1962 والمرة الثالثة اصدر عليّ حكما بالسجن ثمان سنوات رغم شهادة شخص واحد ضدي وقد انكر افادته في التحقيق ثانية وكانت التهمة الموجهة لي هذه المرة الاشتراك في انتفاضة معسكر الرشيد ( انتفاضة حسن سريع ) في 3/7/1963 ... قال لي هل لاتزال حيا؟ وصك على اسنانه، قلت له مستهزئا شامتا: اولا سدوا الجحر الذي فتحناه بكم!! لن نترككم بسلام، وكان مدير سجن الحلة وثلة من الجنود والسجانين يقفون الى جانبه.

احكمت السيطرة على السجن تماما اذ تم احتلاله بقوة عسكرية وجهت فوهات البنادق الالية علينا من فوق سطح السجن كما احتشد الجنود في ممرات السجن شاهرين اسلحتهم. ودخلت مجموعة كبيرة يتقدمها ضابطان احدهما برتبة ملازم اول وتم اخراجنا جميعا الى الساحة في القلعة الجديدة ومنعونا من دخول القاعات وصدرت الاوامر القاسية بتقييدنا دون السماح لنا باصطحاب اي شئ حتى ملابسنا ووضعونا في سيارات مقفلة مشبّكة صنعت لنقل السجناء والقيود تحز معاصمنا، الى اين...!؟ لاندري.
احتشدت جماهير الحلة في الشارع المقابل لباب السجن طلاب مدارس ونساء واطفال، حشد كبير جدا من الناس سدّ الشارع العام الذي يقع عليه السجن؛ أقفلت المحلات والدكاكين ولاندري كيف كانت النقاشات تدور وما هو وقع الحادث على النفوس. اذ كلما رايناه هو حشود الناس امام مبنى السجن يتدافعون كي يروا من خلف الشرطة والعسكرالذين شكلوا حاجزا بشريا لمنعهم من الاقتراب منـا؛ حشرنا في السيارات الكبيرة واقفلت ابوابها باقفـال كبيرة وصرنا كحيوانات خطرة يراد نقلها الى مكان اخر. اخذنـا نكتب بعض الشعارات ونلفها اسطوانيا ونرميها للناس... بدأنا ننشد أناشيدنا الثورية المألوفة ؛

سنمضي سنمضي الى مانريـد
وطـن حـر وشعـب سعيـد

وكانت هتافاتنا تشق السماء عارضين فيها شعاراتنا ومطاليبنا واحيانا تصفق الناس المحتشدة، وتقابلنا النساء بالزغاريد والبكاء والدموع. لقد كان عرس في مدينة الحلة مهره الثمين نفق السجن.
لقد ماجت المدينة في ذلك اليوم والايام اللاحقة، وصار حديث النفق وهروب السجناء على كل لسان لكن اللغز الذي لم يحلّ وبقي عصيا على الفهم هو اين وضع تراب النفق؟ واختلفت التصورات والتحليلات، والاطرف فيها انه في مدرسة حمورابي الابتدائية وهي اكبر واقدم مدرسة في الحلة، لم يتوصل المعلمون الى جواب في نقاشهم حول تراب النفق الا بعد ان حسم مدير المدرسة النقاش بقوله: الامر سهل ولايحتاج الى تفكير؛ السجناء حفروا حفرة كبيرة ووضعوا فيها تراب النفق!! بالطبع هو نفس المدير الذي رسم دجاجة باربعة ارجل فهمس احد المعلمين باذن زميله عندما لاحظ ذلك ( اسكت لايسمعون ويعيّنوه مديرا للمعارف).
تحركت السيارات في مساء 8/11/1967 باتجاه لانعرفه، هل ثانية الى سجن نقرة السلمان أم الى سجن اخر، أم سيدفنوننا احياء أم يرموننا في الرصاص..؟ كل شئ جائز في ظل الحكومات الرجعية، ليكن مايكن. وفي كل مدينة تمر بها السيارات تتعالى اصواتنا باناشيدنا ومطاليبنا وتعريف الناس بنا. وعبثا حاول مسؤلو القافلـة من اسكـات اصواتنا... وفي الساعة الواحدة ليلا حط بنا الرحال في باب سجن الرمادي المركزي سئ الصيت، وهو من السجون العراقية القديمة جدا وقد بني على نمط مماثل للسجون في المحافظات الاخرى كسجن مدينة العمارة وسجن مدينة الكوت وغيرها عدا سجن بعقوبة ويعتبر احدث بل واقسى من نظيراته... وبعد تلك الرحلة الطويلة المتعبة في الجو الشتوي حيث المطر يبلل اجسامنا التي لاتسترها غير الملابس الخفيفة؛ والريح تصفر كأنها السهام ينفذ في الاجسام لكننا لم نبالِ لذلك البرد القارس ولا بالمستقبل المجهول، فحرارة التحدي توقد اجسامنا نارا وليس دفئـا. لقد وصلنا سجن الرمادي واصواتنا مبحوحة من الهتافات والاناشيد صـفّ السجانون والشرطة الذين تم استقدامهم وهم مسلحين بالهراوات الغليظة، بصفيّن بغيّة ضربنا اثناء مرورنا بين الصفيــّن. ولكن اوامر محافظ الرمادي بعدم الضرب حال دون التنفيـذ، فقط كانت الاستفزازات والشتائم...
هيأت ادارة سجن الرمادي السجناء الاعتياديين لضربنا في داخل السجن كما فعلت في شباط 1963 لكن السجناء انقسموا على بعضهم فالسجناء من المناطق الجنوبية تكتلوا بطرف واحد وهددوا بعمل مذبحة حقيقية، حسب تعبيرهم اذا اعتديّ على اي سجين من القادمين، اضافة الى ان السجناء من ابناء الرمادي والفلوجة لم يجنوا شيئا من اعتداءاتهم السابقة على السجناء الشيوعيين ابّان انقلاب شباط الاسود... اشارت الساعة الى مابعد الثانية بعد منتصف الليل وكان الجو ممطرا فادخلت مجموعتنا وهي الاكثر في القلعة الكبيرة للسجن وكان السجناء محتشدون امام بابها الكبير المصنوع من القضبان الحديدية الغليظة، طلبت من بعض الرفاق ان يحملونني ، فحملوني على اكتافهم وبكلمات بسيطة مركزة قلت:
((نحن سجناء مثلكم نحن الشيوعيين ننظر اليكم بأنكم أناس طيبين وليس مجرمين كما تنظر لكم الحكومة. الحكومـة جعلت منكم سراق ومعتدين لانها لم تهتم بابناء شعبنا لم توفر لهم العمل والامان ولا تساعدهم حتى يعيشوا بكرامة... ومن هنا نذكركم بالبيان الذي اردنا اذاعته في انتفاضة معسكر الرشيد وهو البيان رقم ثمانية القاضي بأطلاق سراحكم جميعا وتبييض السجون، الاتتذكرون؟)) اضيف هذا الموقف الى التهديد الذي قام به السجناء من المناطق الجنوبية سيّما وأن السجناء من أبناء الرمادي والفلوجة كانوا منقسمين على انفسهم، وبذلك انقلب الموقف لصالحنا فادخلونا الغرف وقاموا بطهي الرز وتقديم وجبة طعام، ونمنا في افرشتهم في تلك الليلة.
ان هروب قياديي مجموعة القيادة المركزية المؤقتة من السجن بما فيهم مسؤول العلاقات مع الادارة ( بشير زعرو ) وارتباكهم وعدم تعيين قيادة احتياط، اصاب رفاقهم بالاحباط والياس ومما زاد في الطين بلّه هو تصريح احد قيادييهم ( لأخرج وليحترق السجن والسجناء من بعدي ) كل ذلك ادى الى هبوط المعنويات والى النظرة السوداوية للمستقبل، القيادة تفكر بنفسها... وأثر ذلك قدم 25 سجينا من المحسوبين على القيادة المركزية المؤقتة، صك البراءة المشين وتم نقلهم الى سجون اخرى. اما الفترة اللاحقة فقد شهدت صراعا حادا منوعا مع الادارة والسجناء او مع رفاق الامس المتياسريـن المتواجدين معنا في سجن الرمادي ومن بعده في سجن الموصل كما عشته أنا... لم تتمكن كميات الاسمنت التي سدوا بها فوهة النفق ولا نقل السجناء ولا الستار الذي ارادوا اسداله عليه ان يلغي ذكرياته... لقد صار نفق سجن الحلة شاهدا حيا ابد الدهر يحكي بطولات الشيوعيين العراقيين وروح التحدي لديهم الاصرار على مواصلة طريق النضال فمنهم من استشهد ببطولة نادرة تحت التعذيب كالرفيق عبد الامير سعيد ومنهم من واصل الكفاح في مختلف اشكاله ومنهم من جلس على التل... لقد تمكنت السلطة من القاء القبض على ثلاثة عشر سجينا من الهاربين وارجعتهم الى السجون مرة اخرى.//// وقد التقيت احدهم وهو محفوظ يونس في سجن الموصل بعد ابعادي اليه بعد ان انتهت محكوميتي في 19/4/1968 وانا في سجن الرمادي ولم اساوم السلطة او اتبرأ من الحزب فارسلوني محجوزا الى سجن الموصل؛ ومحفوظ اعرفه منذ سنة 1960 عندما كنا سوية في سجن العمارة المركزي انذاك.
واني وان لم يكن لي الشرف في المساهمة في الحفر او الهروب وذلك لمرضي الشديد انذاك ولقرب انتهاء محكوميتي إذ لم يكن هناك قرار بهروبي. ولكن موقعي في التنظيم وعلاقاتي الرفاقية بالحفارين وبمسؤول النفق نفسه ( الشيخ، حسين سلطان صبّي ) قبل النفق في السجن وبعده خارج السجن، وكذلك لقاءاتي مع بعض الحفارين خارج السجن دوّنت هذه الذكريات لابنائنا وأجيالنا القادمة وعبرتي من هذا العمل البطولي المتحدي هو التعاون والابتعاد عن روح الاستئثار وقطف الثمره قبل نضجها، فلو كان الخروج من النفق قد جرى بتعاون مدروس ومخطط مثلما صار في حفره لأفرغ السجن تماما، وربما لم يتم القبض على

عودة الى سجن الرمادي
كان سجن الرمادي المركزي متعبا كثيرا بالنسبة لنا، فالسجن قديم جدا، ويبدو إنه بني في العهد العثماني وبنفس الطراز الذي بني فيه سجن العمارة. في اليوم الثاني لوصولنا، نقلوا السجناء من المنطقة الجنوبية وبذلك فقدنا ركيزة هامة لنا ،لانهم يتعاطفون مع الشيوعيين كثيرا .. أسكنونا مع السجناء غير السياسيين في نفس القاعات ،وبالطبع وحدة بين السجناء غير السياسيين فهم قوي وضعيف وشلل.. في كل قاعة يوجد شخص يسمى" عنقرجي" لانعرف مصدر الكلمة، لعلها تركية، على كل حال فهـو يخدم نزلاء القاعة ويقوم بالتنظيف وجلب الطعام وتوزيعه وغيرها من الخدمات لقاء " 100" فلسا من كل نزيل. كل الباقين من السجناء هـم من أهل المنطقة ، فلوجة ، رمادي، هيت، عنه..الخ وكذلك طاقم ادارة السجن والسجانين. وللعنصرية والعشيرة مكان كبير في نفوسهم..
لقد فقدنا كل مكاسبنا التي حصلنا عليها في سجن الحلة فلم تعترف ادارة السجن بممثل لنا ولم نستلم المواد الغذائية بما فيها فرن الخبز ، يجري التعداد الصباحي والمسائي في الساحة وحتى تحت المطر او الشمس المحرقة في الصيف ،الاكل سيء للغاية، في كل قاعات السجن فتحات مزججة في السقوف لمراقبة السجناء، و غالبا مايدخل منها المطر اما الساحة فهي ضيقة وتكثر فيها الحفر وتعبيدها قديم جدا، في منتصفها خزان كبير للماء مثبته فيه الصنابير. هذه صورة السجن في القلعة الكبيرة، اما في جناحي الموقف والمحجر التابعين للسجن فلا يقلان سوء منه والانكى من ذلك عدم وجود مكتبة او كتب. بين بابي الحديد لمدخل القلعة يوجد حانوت تابع لادارة السجن.. في احد الايام جاء سجينان من موقف السجن الى الحانوت يصاحبهما سجان وبيد احدهما رسالة صغيرة جدا، من مجموعة القيادة المركزية الى رفاقهم في القلعة، وقعت تلك الرسالة بيد السجان ( لانعرف محتوى الرسالة) فساد جو غير طبيعي في ادارة السجن والسجناء العاديين فدخل القلعة احد السجانين (محمد) يحمل هراوة غليضة واخذ يهزها ويصرخ ويشتم: ادخلوا القاعات، لااريد اي نفر يبقى في الساحة، طبعا مع السباب والكلام البذيء، تراكض كل السجناء في الساحة نحو الغرف ولم يبقى سوى عبد الوهاب الرحبي ( ابو فرقد ) يتمشى في الساحة وانا وكان السجان ( محمد ) في عربدته، تقدمت من عبدالوهاب الرحبي وسألته عن السبب، ولماذا دخل السياسيون كذلك فاشار بكف يده " شوف هاي الثورية بعينك!!" فقلت؛ سترى يا "ابو فرقد" صعدت على خزان الماء وناديت على كل السجناء السياسيين ان يخرجوا الى الساحة، واذا دخل سجان وبيده عصا فتكسر على رأسه وتوضع ب(...) خرج جميع السجناء بما فيهم السجناء العاديين، وهرب السجان محمد، وساد جو من التوتر، فارسل مأمور السجن يطلب منا، عبر احد العاديين، احدا للتفاوض فارسلنا سعيد تقي. واثرت تلك الحادثة، اضافة الى خوف الادارة من تأثيرنا على السجناء غير السياسيين فكريا، تحقق عزلنا في ثلاث غرف مستقلة واحدة لنا والاخرتين لجماعة القيادة المركزية المؤقته...
اهتمت مجموعتنا بالجانب الفكري، وتاريخ حزبنا عبر بعض الندوات وكانت مفيدة على قلّتها، سيما وان معنا رفاق لديهم الامكانية والمعايشة، كالرفيق ابو فرقد وحمدي ايوب، وقرب احدى المواجهات وهي مرة واحدة في الشهر طرحت علينا جماعة القيادة المركزية القيام باضراب عن الطعام وبعد دراسة المقترح وجدناه غير مناسب لعدم توفر مستلزماته، واهمها انه بلا اسناد جماهيري، لكنهم قالوا: اذا لم تشتركوا معنا فسنقوم نحن وحدنا بالاضراب، وللمحافظة على وحدتنا امام الادارة، اضربنا معهم لمدة 48 ساعة، ولم يحقق الاضراب شيئا، مما زاد من نقمة رفاقهم عليهم.
بعد قرار وزير الداخلية صبحي عبد الحميد باطلاق سراح المحجوزين السياسيين من الشيوعيين والديمقراطيين ( طبعا لايوجد غيرهم ) نقل الاغلبية العظمى من سجناء نقرة السلمان الى السجون الاخرى، صار توجه اخر لدى حكومة عبد الرحمن عارف هو (( لايطلق سراح اي سجين شيوعي ينهي محكوميته، الا اذا تبرأ من الحزب ا اعطى تعهدا بعدم الاشتغال بالسياسة!!)) سرى مفعول هذا التوجه بقوة.
في 19/4/1968 انتهت محكوميتي وانا في سجن الرمادي كما ذكرت فاقام رفاقي لي ( جلسة توديعيه ) تخللتها الاغاني الثورية التراثية الكلمات المؤثر والتمنيات باطلاق سراحي ومواصل العمل.... وجددت امامهم عهدي على مواصلة النضال، رافعا كفي الايمن الذي اقسمت به لبعض رفاق الانتفاضة ليلة اعدامهم في 2/10/1963 ، أن أسير في نفس الطريق الذي استشهدوا فيه، طريق النضال، طريق الكرامة والتضحية في سبيل مستقبل افضل لشعبنا وطبقتنا العاملة. في صباح اليوم الثاني نقلت الى مديرية الامن العامة في بغداد. ومديرية الامن معروفة لدى ممن اعتقلوا فيها. لم يكن لدي من متاع الدنيا غير بطانيتين قديمتين ووسادة كيس قماش فيه بعض الحاجيات، وانتعل نعالا من الاسفنج، لانني لم اكن امتلك حذاء". ادخلوني في احدى الزنزانات. كان في الزنزانة شاب فارع الطول، يتكلم بهدوء، اتضح فيما بعد انه عزيز ( استشهد تحت التعذيب ) ابن المناضل الفلاحي المعروف مللا فِعِل ضُمَد الشرشاحي ( فِعِل من شيوعيي العمارة منذ اواسط الاربعينات، من اهالي كميت ) كنت قد التقيت الملا فِعِل عندما كنت في العمل السري، التقيته في الريف قد جاء من بغداد خصيصا لزيارة معارفه هناك.، وقد عقد اجتماعات عِدّة في المضايف هاجم فيها فتوى ( الشيوعية كفر والحاد!!).
ارسلوا عليّ في الليل وطلبوا مني اعطاء البرائة من الحزب الشيوعي، فرفضت ذلك او اعطاء تعهد بعدم الاشتغال بالسياسة فرفضت ايضا، هددوني بارسالي الى سجن نقرة السلمان فقلت لقد امضيت فيه ثلاث سنوات ونصف السنة واني غير متزوج، السياسة ليست حكرا على احد...الخ، جرى تعذيبي في تلك الليلة وبالطبع لم يكن بشدة التعذيب الذي لاقيته بعد فشل الانتفاضة، فاعادوني الى الزنزانة في ساعة متاخرة من الليل... في اليوم الثاني، لدى اخراجنا الى المغاسل تعرفت على الشهيد امين حسين الخيون ـ ابو جماهير، وكذلك على الرفيق ابو هشام ـ نوري المبارك... امضيت اسبوعين في تلك الزنزانة، الى ان اصدر امر بحجزي وارسالي الى سجن الموصل، ففي ذلك الصباح قابلني ثانيا نفس معاون الامن الذي حقق معي وقال: سنرسلك الى سجن الموصل وستبقى في السجن الى ان تموت وتتفسخ هناك. لارحمة لكم ايها الشيوعيين الخوّنة والعملاء. والفاظ اخرى، يأنف اي شريف من التلفظ بها... بهدوء قلت له: الان توقع حجزي وارسالي الى سجن الموصل واعدك، غدا ستوقع على اطلاق سراحي، وبدون براءة ولاتعهد، وضحكت، فقام وصفعني، وصاح بهيستيريا: خذوا هذا ال (...).
مرة اخرى في السيارة الخضراء المشبكة نقلني الى موقف التسفير، موقف السراي، لم ارى احدا يعرفني في الطريق حتى يخبر اقاربي، كنت محتاجا جدا الى بعض الملابس والنقود وحذاء، أو على الاقل يعرفون الى اين، ليلتان في موقف التسفير في ذلك الموقف التقيت رفيقان من الفرات الاوسط ناحية المدحتية، وبعدها الى قطار الموصل، حشروني في العربة المخصصة للسجناء مباشرة"، اعاد لي ذلك الموقف الذكرى عندما سجنت في تموز 1960 وفي نفس المحطة حيث جاء لتوديعي خالى فاضل وهو شيوعي مفصول من الخدمة العسكرية، وخالتي الرابطية المعروفة زكية جابر، وابنتها وكانت في العمر انذاك (( عملت معي لاحقا في التحضير لانتفاضة الرشيد التي اخذت على عاتقها تزويدي باخبار الحزب عندما كنت في السجن العسكري رقم (1) سجنت مع والديها في حركة الثوريين ـ جماعة سليم الفخري )) واليوم في نفس المحطة لم اجد من يودعني او يعرف عني شيئا سوى الشرطي، والقيود البيضاء تحز معصمي.

في ذلك الزمان كنت شابا" قوي البنية، أجد اللذه في المصاعب، وركوب الاهوال، اما الان فقد اصابني الهزال والتعب وانخفض وزني الى 39 كغم، وصرت اجد صعوبة في التمشي مع اقراني في الساحة في سجن الحلة واذكر بالطيب الاخ جبار ( الموظف الصحي ) اذ كان يراقب وضعي الصحي يوميا تقريبا، ويرفع من نشاط جسمي بالمقويات المختلفة، صور حزينة وحزينة جدا، تعقبها صور اخرى، تشد من عزيمتي وايماني بالطريق الذي انا سائر فيه، الليل طويل، ولايوجد من اسامره غير افكاري والذكريات. وفي صباح اليوم التالي حط بنا القطار في الموصل فارسلوني الى مديرية الشرطة، ووفي الليل ارسلوني الى موقف باب البيض وكان منخفضا عن مستوى سطح الارض، رطب وبارد ومظلم. وقبل دخولي الموقف رأيت الاخ محفوظ يونس وهو من المقبوض عليهم من الذين هربوا من نفق سجن الحلة المركزي، وكما ذكرت فأنه سجين منذ 1960، قال لي: اذهب للمغاسل قبل الدخول، ففعلت، استقبلني محفوظ وفرش فراشي بقربه واعطاني بطانية اضافية، فنمت تلك الليلة الى ان نقلوني الى سجن الموصل في اليوم الثاني، وهناك التقيت السجناء وقد انقسموا ايضا"الى مجموعتين، مجموعة اللجنة المركزية ومجموعة القيادة المركزية، وكانوا يطلبون من القادم تحديد مكان اقامته اي مع مَنْ مِنَ المجموعتين فاخذت طريقي الى مجموعة اللجنة المركزية دون سؤال او جواب...
كان ذلك الجناح من سجن الموصل صغيرا نوعا ما ، إذ لا يحتوي على اكثر من ثلاث غرف للسكن ومطبخ صغير وغرفة صغيرة اخرى نستعملها كصيدلية .كانت علاقاتنا طيبة تقريبا ، مع بعضنا ،وان اغلب السجناء من المجموعتين هم من معارفي ، وبالطبع صار لدينا اتصال بشكل ما مع الحزب ،واتصال آخر مع المحكومين بالاعدام ،ومنهم فخري بطرس ،وعدنان جلميران..وغيرهم .
فـي 17/تموز/1967 حدث انقلاب عسكري ضد حكومة عبد الرحمن عارف قام به " النايف و الداود "وسلموا المقاليد لجناح البكر ـ صدام من حزب البعث ثانية ،فاقدمت حكومتهم لاطلاق سراح المحجوزين السياسيين اولا ...فــي 10/8/1968 ارسلونا الى مديرية الامن العامة في بغداد ، في القطار بغية اطلاق سراحنا ،وهناك ويا للمصادفة ،وقع على اطلاق سراحي نفس معاون الامن فذكرته بقولي السابق له ،تلعثم وقال :أخي نحن مأمورين نطبق ما يصدر لنا من أوامر .
ـ وهل لديكم الاوامر بالتعذيب والاهانات حتى للذين انهو محكومياتهم ؟
ـ قال : نعم كل شيء ...
ـ قلت :هنيئا لكم ولاسيادكم ذلك التصرف الوحشي !!
إستأجرنا تاكسي ،احد الاشخاص من المطلق سراحهم وهو ،نائب عريف في الجيش ،وانا .اوصلناه مباشرة الى اهله في مدينة الثورة قطاع الجوادر ،اما أنا فبقيت مع السائق نفتش عن اقارب لي ،فلم نفلح في العثور على احد منهم،حتى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل ،ولا توجد لدي ملابس غير البجامة ونعال اسفنج، ولا هوية حتى اذهب الى فندق ،لم يكن لدي سوى دينار وربع الدينار اعطيتها الى السائق..وعلى الذاكرة اشرت للسائق ان يوصلني الى منطقة الخندق في باب الشيخ عمر قرب الطاحونة ،اذ هناك بيت الرفيق خضير تقي ،وكان معي في نفس الدعوة " كان يعمل موسيقي في دار الاذاعة " وهو مكفوف البصر وقد تعارفنا في السجن العسكري رقم واحد وبعدها في سجن الحلة ؛ استقبلتني والدته ونمت باقي الليل عندهم ،وفي اليوم الثاني وجدت اقاربي وحملت حاجياتي المكونة من كيس قديم من القماش الاسمر وبطانيتين عفا عليهما الدهر ،وهذه الحاجيات اخذت طريقها الى التنور حيث احرقت كلها.
كل الطيور اوت لاعشاشها الا انا ،فاهلي في العمارة وانا مثقل بالدعاوى ،وفقا للمادة 31/آ من قانون العقوبات البغدادي ،بما فيها السجن الغيابي لمدة ثلاث سنوات وسنة اخرى تحت مراقبة الشرطة ،ولم اذهب الى مدينتي إلا بعد ان أسقطت الدعاوى وفقا لتلك المادة .
أحضرت لي اقاربي ماجدة " زوجتي حاليا " بيان اللجنة المركزية ،يحدد فيه المهام التي يجب على الحكومة ،اية حكومة ،ان تنفذها لكي تكسب ود الشعب وثقته فيها ،وتبيض صفحتها امامه . وبيان آخر من القيادة المؤقتة يدعو فيه الحكومة الجديدة الى التخلي عن الحكم وتسليمه للشعـب !؟

واخيرا أظن انني وفيت ولم أزل أوفي بعهدي في مواصلة الطريق...وانا إذ اكتب هذا الجانب من المسيرة ،كعضو في الحزب الشيوعي العراقي ،يحدوني الامل والتفاؤل الكبير بان المستقبل الزاهر هو لكادحي الشعب مهما طال الزمن وغلـت التضحيات...


تمت
منقول

العابكم

 

 

__________________

 

ننصحك بمشاهدة المواضيع التالية ايضا

ماهو العضو الأهم في الجسم
تركيب الجلد بينة علمية
قصة سيدنا إبراهيم و النمرود
في الخمرة
:: أصعــب جــواب ::
ح تصـوموا.. ولاّ زي كل سنـة؟
وجه بشري على سطح المريخ...
وكالة ناسا : فعلا اسم الله ظهر على موجات التسونامي

قديم 06-25-2006   #2 (permalink)
معلومات العضو
عضو نشيط
 
رصيدي الإفتتاحي: 20 جنيه
إجمالي أرباحي: 342جنية
sash_necoly جيــــد
افتراضي

شكرا لك على الموضوع الرائع والف الف تحيه لك

sash_necoly غير متواجد حالياً  
قديم 08-17-2008   #3 (permalink)
معلومات العضو

دوشجي فعال

 
رصيدي الإفتتاحي: 20 جنيه
إجمالي أرباحي: 197جنية
الطير الحزين جيــــد
افتراضي رد: قصة نفق سجن الحلة المركزي

مشكور اوى واى على الموضوع الجميل

الطير الحزين غير متواجد حالياً  
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:33 PM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.1 منتديات