منتدى مملكة الدوشجية

منتدى مملكة الدوشجية (http://www.dawshagya.org/vb/index.php)
-   روايات أجنبية رومانسية (http://www.dawshagya.org/vb/forumdisplay.php?f=197)
-   -   دعني أحبك غريس غرين (http://www.dawshagya.org/vb/showthread.php?t=228344)

maiasem 12-05-2018 10:55 AM

دعني أحبك غريس غرين
 
دعنـــي أحبـــك


هبترياحشباط( فبراير ) القارسةمنالشمال،تصفرفوقالمقبرةالتابعةللمعبدالموجودفيقريةغلينكريغ،ما جعلشجرتيالصنوبرالعملاقتينالقائمتينعلىجانبي بوابةالمدخلتلوحانبفروعهمامحتجبتين .
وقف ستروم غالبريث وحده ، وقد تصلبت قامته الفارعة ، أمام حجر صغير من الصوان ، ولم يكديشعر بتلاعب الريح بشعرهوهو يحدق في تلك الكلمات المحفورةعلى الحجر .

هازيل دنبار زوجة هوغ دنبار الحبيبة ...

لقدرأىأنهاتوفيتمنذعام. و كانعمرهاثلاثةوثلاثينعاماًفقط . ودفعبيديهفيجيبيمعطفهالكشميريوقدلوىشفتيهساخراً.لقدكانتهازيلفي الثامنةعشرةمنعمرهافقطعندماأمضت معهوقتاًممتعاًقبلزواجها. ثمانيةعشر عاماًفقطحينمنحتهمنحياتهاثلاثةأسابيع ...واحداً وعشرينيوماًولكنهذه الفترةالقصيرةقدغيرتحياتهبأكملها . غيرتحياته ، محولة إياهمن رجلمنحقلبهبكلزخمعواطفهوبدونتحفظ، إلىالرجلالذيأصبحالآنبلا قلب.

وعندماعلم،مؤخراً ،بمبلغخيانتهاوقسوتها،تجددغضبهالقديممنتحتالرماد حاملاًمعهذكرياتكانيعتقدأنهدفنهامنذسنوات،ذكريات كانت ما تزال حية مؤلمة . وأخذ يتمتم ، يا للسافلة . ليعود فيرفع صوته مرة أخرى بنفس الكلمة ، يا للسافلة ، مصحوبة بتأوه نابعمن أعماقنفسه وهو يمسح عينيه بأصابع مرتجفة . ما الذي جعله يحضر إلى المقبرة؟ طبعاً ليس لتقديم احترامه ، فهذه الكلمة الاحترام ، لا تتفق مع شعوره نحو هازيل دنبار . فما الذي جره بكل هذا العناد والتصميم إلى ....؟
وجاءه صوت من خلفه يقول :" هل أنت بخير ؟"
فجمد في مكانهلدى سماعه هذا الصوت الناعمالموسيقي النبرات .لا بد أن مخيلته تعبث به ، إذ خيل له ، في لحظه جنونية لا شعورية ، أن هذا الصوت قد جاءه من أعماق الضريح .. واستدار فجأة ، وهو مازال تحت تأثير الصدمة ، ليعود إليه رشدهبشيءمن الارتياح وهو يرى أن مصدرالصوتلميكنشبحاً وإنما شخصا ً من لحمودمكانواقفاً خلفه .
إمرأةشابةممشوقة القوام ترتدي معطفاً لونه بيج من الصوف الطبيعي ، وحذاء بنياً عالي الكعب . و كانشعرها مغطى بعصابة عريضة مربوطة تحت ذقنها ، تحيط حواشيها الحريرية بوجهبيضاويرقيقالملامحذيلونعاجيشفافتقريباً. وكانالتعب يبدو منهماوهي تنظر إليه بقلق .
وعادتتقولوهيتحنيكتفيهاتوقياً للريح :" هلأنتبخير ؟ كنت أتساءل عما ...."
فقالبشيء من العنف سببه ظهورها المفاجئ و شعوره بالمرارة :" طبعاً أنا بخير ." وشعر بالأسف للهجته تلك وهو يخاطبها ، فعاد يقول ملطفاً من لهجته : " ولم لا أكون كذلك ؟"
فنظرت إليه بعينيها تلك الكثيفتـين الأهداب ، وهي تقول بهدوء :" لقد رأيتك تنظر إلى ضريحهازيل . هل كنت تعرفها ؟"
هل كان يعرفها حقاً ؟ فكر بذلكبهزء. كلا لم يكن يعرفها بل أنه لم يعرفها قط . وهز كتفيه متجنباً الإجابة عن هذا السؤال الصريح ، بقوله :" إنني مهتم بالمقابر القديمة ."
وقبل أن تستمر في توجيه الأسئلة ، غير من الموضوع بقوله :" إنني أفكر في البقاءفي هذه المنطقة عدة أيام ، فهل بإمكانكأن ترشديني إلىفندقجيد ؟"
فقطبت حاجبيها قليلاً ، ورآها تلقي نظرة متفحصة سريعة على معطفه الثمين وبنطلونه الأنيق المفصل على احدث طراز ، وعلى حذائه الإيطالي اليدوي الصنع ، ثم تقول :" انك لن تجد فندقاً مناسباً في غلينكريغ ، ولكن هنالك فندقاً صغيراً ممتازاً يطل على الوادي على بعد أربعين ميلاً من هنا اسمه هيذرفيولايمكن للنظر أن يخطئه . وهو يقع في آخر الأرض المخضرة ."
فقال :" أشكرك "وعندما استدار ليبتعد ، لاحظ بشيء من الفضول ، أنها كانت تحتضن بإحدى ذراعيهاشيئاً كانت تحاول أن تحميه من الريح ورأته ينظر إلى ما تحمل ، فلاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تقول :" أنها أزهار النرجس ، أحملها إلى ضريح زوجي ... فقد كانت أزهار روري المفضلة ."ورفعت عينيها إلى عينيه وهي تتابع قائلة :" لقد قتل ، هو و هازيلفي نفس حادث الاصطدام ... إذ اندفعت شاحنة كبيرة وسطمجموعة من الناس في الشارع العام فمات اثنان منهم على الفور ، وجرح ستة آخرون ... كان بينهم زوج هازيل الذي أصيب برأسه وأمضى عدة اشهر غائباً عن الوعي قبل أن يموت ، لقد استرد وعيه قبل النهاية مباشرة ، حيث رجونا جميعاً أن يكون قدشفي أخيراً وذلك لأجل كيلتي ، ولكن ..."
فقال يسألها :" كيلتي ؟"
فأجابت :" أنه في الرابعة عشرة من عمرهويقترب من عامه الخامس عشر ، وهو الآن يعاني من صعوبة الحياة فقد كان فقده لوالديه معاً شيئاً مؤلماً للغاية ، كما أن .."
وسكتت فجأة ثم تجهم وجهها وهي تتابع قائلة :" إنني آسفة ، فهذا شيء لا يهمك ما دمت لا تعرف هازيل . وأنا استمر هكذا في الثرثرةبينما أنت تقف في هذاالبرد .أنه يوم غير مناسب لكي يخرج المرء من بيته . أرجو أن يعجبك الفندق ."
وعندما استدارت لتتابع طريقها ، حركت الريح العصابة التي تغطي شعرها ، لتكشف عنه قليلاً ، ما جعله يلمح لون شعرها البني الفاتح المائل للحمرة ، قبل أن تعيد العصابة عليه وبحركتها تلك ، عبقت رائحة خفيفة لعطر ذكي الرائحة ، للحظة واحدة ، قبل أن تبددها الريح . ورفعت يدها تلوح له بها ببساطة ، وهي تبتسم بمودة ، ثم تستدير مبتعدة سائرة في ذلك الممر الضيق بخطوات رشيقة مليئة بالحيوية . وبعد لحظات كانت قد استدارت حول منعطف حيث اختفت عن الأنظار خلف سياج عال من الأشجار المشذبة . رفع ستروم غالبريث ياقة معطفه ، ثم ودون مبالاة بالمطر المصحوب بالثلج يتساقط على وجهه ، عاد يحدق في الحجر الصواني المتواضع دون أن يراه هذه المرة وقد نسي تلك المرأة الغريبة إنما كلماتها مازالت تتردد في ذهنه ...
كيلتي ... أذن فقد منح البعض ذلك الصبي اسماً وربماً كان ذلك أثناء طفولته ، ليلتصق به بعد ذلك .. كعادة الألقاب في هذا الجزء من العالم . وبانت الرقة في ملامحه وهو يحاول أن يبتسم ، ولكن قبل أن تصل الابتسامة تلك إلى عينيه ضغط شفتيه بقوة . لقد جاء إلى هنا ليرى الصبي وهذا هو كل شيء .. لتحقق من أن الصبي هو ابنه حقاًً . فإذا هو اقتنعبذلك ، فسيرى محاميه عند عودته إلى لندن ، ومن ثم يغير وصيته جاعلاً من هذا الغلام ، كيلتي ، وريثاً له فهذا ما يتوجب عليه عمله . ولكن هذا كان الشيءالوحيد الذيسيقوم به . فهو لن يكشف الأمر للغلام فيعلمه بأنه أبوه . لم يكن هناك مقام في حياته لأسره .. لأناسأخريين أو لتكوينمشاعر دافئة ، وبالتالي لتحمل الأحزان والآلام .
وأدار ظهره إلىضريح المرأة التي احبها مرة ، وهو يفكر بمرارة ، في أن الحمقى هم وحدهم الذين يعرضون قلوبهم للأحزان والآلام .... أما هو ، فلم يعد أحمق .

لقد أحضرت لك أزهار النرجس يا روري .
وجثت على الأرض ، ثم أخرجت قبضة من الأزهار تنثرها على ضريح زوجها وهي تتابع قولها : " أنها أول ظهورها هذه السنة " ووضعت راحتيها فوقها تمنع الريح من أن تعصف بها وهي تشعر بغصة في حلقها . لقد كانا ، هي و روري ، قد تزوجا في شهر شباط ( فبراير ) . وأثناءالسبع سنوات التي أمضياها معاً ، كان يحضر إليها في هذا الشهر من كل عام ، هذه الأزهارمن حديقة منزلهما برواش . وكانت هذه الأزهار الجميلة ، التي يبدأ بها الربيع ، قد أصبحت رمزاً لطهارة ووفاء حبهما ، وشعرت بالألم يلوي قلبها . من كان يفكر في أنها هي التي ستحضرها إليه يوماً ما ... وبهذه السرعة؟؟ .
وعادت تقول : " لقد ذهب الفتيانفي رحلة بحرية بعيدة ، يا عزيزي . "وكان صوتها الآن قد أصبح مجرد همس خافت تكاد الريح أن تبدده حتى قبل أن تتلفظ به بينما كانت تتابع قائلة : " وقد تدبرت هذه السنة أن يأخذ كيلتي عطلة من مدرسته ليتمكن من الذهاب معهم هو أيضاً . وقد جاءت الحافلة لنقلهم هذا الصباح وكان الجو ما يزال معتماً . وستكون برواش هادئة من دونهم أثناءالأسابيع الثلاثة القادمة ... إذ لن يبقى سواي والكلب شادو . "
وعقدت ذراعيها أمامصدرها بشدة ، وهي ترتجفوتبتلع الغصة في حلقها ، لتتابعهامسة : " أواه ، يا روري ، لقد كانت السنة الماضية شديدة علي من دونك .. "
وخاطبت نفسها ، مغالبة دموعها ، كلا ، يجب أن لا أبكي . علي أن أكون شجاعة وسأتابع طريقي .
واستقامت في وقفتها ببطءوهي تمسح دموعها التي كانت تهدد بالتدفق ، وتابعت تخاطبهقائلة بصوت أبح : " إن هناك أموراً علي أن أبت فيها يا روري .وقد نويت القيامبها في غياب الفتيان ، ولكنني لن أتحدث عن ذلك اليوم . عندما أفكر بها ملياً ، سأعود إليك لأخبارك بكل شيء . أما الآن ، فعلي أن أذهب إذ أن شقيقتي كيلا وزوجها آدم سيحضرانللغداء ، ولدي عمل كثير ... إلى اللقاء في المرة القادمة ."
ومرت بأطراف أناملها المثلجة علىحجارة الضريح بكل رقة وكأن الحجارةتشعر لتقفبعد ذلك عدةلحظات مغمضةالعينين . وأخيراً استدارت مبتعدة لتعود في نفس الطريق الضيق الذي جاءت منه .
وعندما استدارت حول السياج ، سمعت صوت محرك سيارة خارج بوابات المقبرة وبعد ذلك بلحظاتسمعت صوت انسحاق الحصى تحت عجلات السيارة التي كانت تبتعد . وفكرت هي بأنها لا بد أن تكون سيارة ذلك الرجل الأسمر ....
كم كان يبدو غريباً عن مكان كهذافيملابسالمدينة البالغة الأناقة . وكانت قد توقعت أن تجد المقبرة خالية لنفسها ، ما جعلها تجفل لرؤيته ... فقد كان أسمر اللون مطيلاً التفكير والتأمل وكأنه أحد أبطال الروايات ،إن من الغريب أن يختار يوماً عاصفاً كهذا اليوم ، لكي يأتي متفحصاً مقبرة قديمة .
ومع هذا، فقد كان يبدو عليه الضياع ... والوحدة ... وتمنت لو أمكنها معرفة سبب الخطوط الممتلئة مرارة والتي تلوي ملامحه الهضيمة ، وتسأله عما سبب له الألم في الماضي ، ومن الذي تسبب له في أن ينظر إلى الحياة بمثل تلك العينين الفارغتين الكئيبتين .
ولكنها ما لبثت أن تنهدت بيأس ساخر وهي تردعنفسها قائلة ، أواه يا نيرن، ألا تكفيك همومك ومشكلاتك ، لكي تحاولي التدخل في هموم الآخرين ومشكلاتهم؟ .
وحنت رأسها مقابل المطر المصحوب بحبوب البرد ، ثم اتجهت إلى كلبها الأسودالذي كان ينتظرها بصبر ، وهي تخاطبه قائلة : " هيا بنا الآن ، يا شادو . "
وسرعان ما اتجهت إلى منزلها ، موسعة من خطواتها لكي تلحق برفيقهاالذي كان يقفز مسرعاً أمامها .
كانت كيلا ( أختها ) تغسل آخر كوب بلوري ، ثم تنشفه بعناية وهي تخاطبها قائلة :" إن الروستوالذي صنعته يا نير رائع ، كعادتك على الدوام ." ثم وضعت الكوب في مكانه من خزانة المطبخ ، لتستدير نحو شقيقتها نيرن التي كانت تضع صينية صغيرة في مكانها ، فأمسكتهامن كتفيها موجهة إياها نحو البابوهي تقول : " والآن اذهبي وابقي مع آدمفأنكما لم تتحدثا معاً منذ أجيال ... أما أنا فسأضع القهوة . هل علي أن أضع معها شيئاً من البسكويت؟ . "
فأجابت نيرن : " لقد صنعت أمس نوعاً من الكعك ستجدينه في ..... "
فقاطعتهاكيلا : " كعك؟ آه سيسر ذلك كاتريونا كثيراً . فهي تحب الكعك الذي تصنعينه ، إنهاستكون هنا بعد قليل .... "
فقاطعتها نيرن قائلة : "هل هي آتية إلى هنا؟ لما لم تخبريني بذلك يا كيلا؟ كنت أظن أن الأولاد سيبقون في المنزل بحراسة مولي؟ ."
فحدقت كيلا بشقيقتها قائلة : " ولكنني سبق وأخبرتكبذلك .ألم تتلقي رسالتيعن ذلك فيجهاز حفظ الرسائل في هاتفك؟لقد اتصلت بك بعد الظهر ،ولكنني لم أجدك .. "
فقالتنيرن : " لقد ذهبت إلى المقبرة . "
فقالت كيلا : " نعم ، هذا ما ظننته عندما لم أجدك . وهكذا تركت لك رسالة قلت لك فيها إن أمي وأبيسيأخذان كيفين و كاتريوناإلى الحديقةالعامة لكي يحضرا حفلة الأحد ، ثم تحضرهما معلمتهما بعد ذلك إلى هنا . "
فقطبت نيرن جبينها قائلة : " ولكنني لم أتلق أي رسالة . هذا غريب ، لقد تفقدت آلة الهاتف طبعاً ، بعد عودتي من المقبرةولكنني لا بدنسيت أن أفتحها على الهاتف قبل خروجي وهكذا لم تسجل أي ....... "
فقاطعتها شقيقتها : " كلا يا نيرن. انكِ لمتنسي ِ ذلك.. لقد تركت لكِ رسالة ... "
فقالت نيرن : " ولكن ، صدقيني ، لم تكن هنا لك أية رسالة ... "
فقالت كيلا : " ربما محوتها خطأ . "
فهزت نيرن رأسها قائلة : " كلا ، لم افعل ذلك . "
فقالت كيلا : " لا بد أنها انمحت من تلقاء نفسها إذن! "
فقهقهت نيرن ضاحكة وقد تذكرت كيف خدشت بالسكين وهي طفلة لوحة زيتية كانت أمها تقوم برسمها ، وعندما سألت أمها عمن قام بذلك ، همست هي قائلة أنهاأنخدشت من تلقاء نفسها .
وعادت كيلا تقول بحزم : " انك لم تنسي فتح الجهاز ، فأنا تركت لك رسالة حتماً ."
فقالت نيرن : " لماذا إذنلمأستلم .... "
وقطع كلامها صوت جرس الباب ، فحدقت في شقيقتها قائلة : " من يمكن أن يكون الطارق؟ "فألقت كيلا نظرة على ساعتها وهي تقول : " ربما هما ، كاتريوناو كيفين ، مع أن الوقت ما زال مبكراً لحضورهما ، سأذهب لأرى وأعود حالاً . "
وبينما ذهبت أختها متجهة نحو الباب ، اتجهت نيرن بدورها إلى حيث الهاتف على مكتبها . كانت قد فتحت جهاز حفظ الرسائل بعد رجوعها من المقبرة ، وكان النورالأحمر مضاء الآن ،ما يدل على أن الآلة لم تتلق رسائل منذ ذلك الحين ، فأقفلتها ثم أدارت الشريطتعيد سماعه . ولكن ، لم يكن هناك شيء مسجل على الشريط .. فما الذي حدث لرسالة كيلا إذن؟ .
على كل حال ، لم يحدث أي ضرر من وراء ذلك ، فآدم وكيلا هنا ، والولدان سيصلان في أية لحظة داخلين إلى المطبخ ، كاتريونا ذات الأربع سنوات تركض بانفعال وشعرها الأجعد يتطايرحول وجهها ، و كيفينذو الاثني عشر عاماً يتبعها برزانته المعهودةوعلى فمه ابتسامة هادئة .
وضعت نيرن الفناجين على صينية وفكرت . الأقارب ... كم هي محظوظة لأن لها أقاربمحبين كثيري العواطف .. أبوها وأمها ، شقيقتها كيلاوزوجها آدم ، وولديهماكيفين و كاتريونا ... ولم تكن تعرف ماذا كانت ستفعل ، لولاهم ، بعد موت روري زوجها ، وطبعاً ، ساعدها على ذلك أيضاً الفتيان الذين يعملون حول المنزل والذين لا يفتأونداخلين خارجين .
دخلت كيلا عائدة إلى المطبخ وهي تقول ، بينما شعرها الطويل الأسود يتأرجح حول كتفيها : " لم يكن الطفلانمن في الباب . كان رجلاً يبحث عن مكان يبيت فيه كان قد رأى اللافتة على بابك عن تأجيرك غرفاً في نزلك . وأظن أنالرياح قلبتها بعد الظهر ، إلى الوجه المكتوب عليه أن ثمة غرفاً خالية ، بدلاً من مقفل ، من حسن الحظ ، أن الرياح هدأت الآن ... ولا أظن الليلة ستكون سيئة . "
كان قميصها القرمزي اللون يتألق تحت ضوءالفلورسنت وهي تفتح الخزانة تتناول العلبة التي كانت تحتوي الكعك الذي قالت نيرن أنها صنعته ، وهي تتابع : "قلت له انه لن يجد مكاناً في غلينكريغ وطلبت منه أن يتجه نحو الوادي حيث فندق هيذرفيو ولكنه رد علي قائلاً انه ذهب وتناول عشاءه هناك ، ولكن كان ثمة حفلة زفافوالغرف كلها مشغولة .... "
تجمدت يد نيرن على إناء السكر وهي تعض شفتها ، ثم قالت : " آه ، أليس هو رجلاً اسمر طويل القامة ، حسن الشكل؟ وذا لهجة إنكليزية ... "
فأجابت كيلا وهي تحدق في أختها : " آه إن له لهجة إذاعية رائعة وصوتاًجذاباً ولكن كيف عرفت ذلك؟"
فأغمضت نيرن عينيها لحظة ، متجاهلة سؤال أختها ، ان هذا الرجل لن يجد مكاناً يبيت فيه ليلته في هذه المنطقة ، في هذه السنة . و عليه أن يمضي الساعات على الطريق ، وطريق كئيب موحش لا بد أن ....
وكانت كيلا تقول : " إن قولك حسن الشكل لا يوفي الرجل حقه . فهو رائع الوسامة ."وأطلقت آهة تكلفت فيها اليأسوهي تتابع : " إنني أفكر أحياناً في أنني أجد في نفسي كل حصة أسرتنا من العواطف المحمومة ، حتى لم يبق شيء لك أنتِ منها ماعدا حصة زائدة من الجمال والعذوبة والرزانة لكي يكون هناك توازن ..."
ولكن نيرن لم تكن تستمع إلى هذه الكلمات التي كانت تتدفق حولها ، ذلك أنها كانت توصلت إلى قرار ، فقالت : "هيا كيلا ، خذي هذا . "ودفعت بإناء السكر إلى أختها المذهولة ، ثم استدارت على عقبيها خارجة من المطبخ . ربما كان الوقت قد تأخر بها عن أن تجده ، كانت تعلم ذلك ولكن الأراضي كانت مستديرة ، وطريق السيارة يحيط بها ، فإذا هي قطعت المسافة القصيرة مخترقة شجرات الصنوبر التي تقوم بين منزلها برواش والبوابة الأمامية ، فربما أمكنها الوصول قبله .
ودون أن تهتم بإحضار سترة من الخزانة في القاعة ، فتحت الباب الخارجي بعنف ثم صفقته خلفها لتقفز فوق الدرجات المخفضة من الحجر الرملي . وفكرت وهي تجتازالباحة الواسعة أمام البيت ، لتنطلق في الممر بين الأشجار ، في أن الحق مع كيلا ،فالليلة لن تكون سيئة . لقد همدت الريح ، ومع أن قطرات المطر كانت تتناثر فوقها وهي تحتك بفروعالأشجار ، فقد كانت السماء صافية وكان هناك أيضاً القمر وقد بداجزء منه .
وعندما وصلت إلى طريق السيارات ، كانت تلهث بينما ضربات قلبها تعلو بعنف ولكن ، عندما رأت السيارة القوية تقف قرب البوابات ، وقد سكن محركها ، ضاعفت من سرعتها فوصلت إليها وقد أوشكت على التحرك ، فأخذت تقرع النافذة بقبضتيهاوعندما توقفت السيارة ، تراجعت هي إلى الخلف . وقد شبكت ذراعيها فوق صدرهاونزل زجاج السيارة بحركة آلية ، ومال السائق نحو النافذة ليراها . ولم تكد ترى في تلك الظلمة أكثر من لمعان عينيه .
وجاءها صوته قائلاً : " ما الذي .... "
فأجابت وهي ترتجف من برودة الهواء الذي كان يتخلل قميصها الحريري :" آسفةإذ جعلتك تجفل . لقد جئت إلى بابي تسأل عن مكان تبيت فيه الليلة ، ولكن كيلا شقيقتي لم تشأ إدخالك ، ذلك أن المكان ، كما قالت هو مقفل الآن . ولكني أرحب بعودتك ، إذا شئت ، انك لن تجد مكاناً آخر في هذه الأنحاء على بعد أميال كثيرة ."
وانتبهت نيرن أثناء فترة الصمت التي تلت كلامها ذاك ، إلى أن راديو السيارة كان مسموعاً ليس على الموسيقىو إنما على نشرة مالية . لقد سمعت المذيع يقول :" أما المخزون من السنداتالتي يمكننا النصح بها إلى أجل قصير فهو .... "فأطفأ الراديوبعنف وهو يقول لها : " لا أريد أن السبب لكِ أي إزعاج . "
فأجابت : " انك لا تسبب لي ذلك ، كما أنني أشعر بالذنب إذ أرسلتك إلى ذلك الفندقبعد الظهر ، مما أضاع من وقتك ، إذ كنت نسيت أن هناك حفلة زفاف في الفندق ."
فقال :" آه ، انكِ ، إذن ، المرأة التي كنت قابلتها في المقبرة ...."
أجابت :" نعم . وأناأدير نزلاً للمبيت وأقدم وجبة الفطور أيضاً أثناء فصل الصيف ولكن ليس ثمة مشكلة بالنسبةألي إذا أنا جهزت لك غرفة لهذه الليلة . إنها ليست بجمال غرف فندق هيذرفيوبالطبعإنما ... "
وسمعت صوتاً آلياًمكتوماً وقبل أن تدرك ما هنالك ، كان هو قد فتح باب السيارة قائلاً: " اصعدي ، سأعيدك إلى المنزل . "
فقالت وقد أدركت أن ذلك الصوت الآلي ما هو إلا صوت انفتاح باب السيارة آلياً ، فقالت :" آه لا ضرورة لإزعاجك . "
فقال بصوت حوى شيئاً من فروغ الصبر : " ولكن إذا أنتِ عدتِ سيراً على الأقدام فان علي أن انتظرك في منزلك إلى حين وصولك أليس كذلك؟ "
فقالت وقد اتضحت لها شخصيته القوية : " لا بأس إذن وشكراً لك . "
كانت السيارة من نوع المرسيدس ذات الطراز الأول . كما بدا أنها ابتيعتحديثاً وذلك أنها لاحظت وهي تغوص في المقعد إلى جانب قائد السيارة ، أنها تفوح منها رائحةالجلود الجديدة المستحبة ، هذا إضافة إلى رائحة خفيفة جداً لعطر رجالي ليس من النوع الذي إعتادتهعند روري ، و إنما عطر ثمين متفوق قد يكون ابتاعه من متجر هارودز العالمي ،ولكن ليس في وقتالتخفيضات السنوية المعتادة في ذلك المحل ، بالتأكيد . فالرجللم يكن من ذلك النوع الذي يقف في الصف لكي يوفر عدة جنيهات . إنها متأكد من ذلك رغم أنها لم تعرف سوى القليل عنه .
وسألته وهو يوقف سيارته بين سيارة آدمالروفروبين سيارتها هي الفان ، قائلة :"هل لديك أمتعة؟ "
فأجاب : " حقيبة واحدةفقط موضوعة في صندوقالسيارة . "
وأضاءمصباح السقف ، ثم مد يده يتناولمعطفه من المقعد الخلفي . وعندما استدارعائداً، احتك كتفه بكتف نيرن ، تراجعت إلى الخلف بسرعة وكأنما لدغتوقد اشتبكت عيناها بعينيهبحركة لا إرادية .
وتوترتعضلات فكها بشكل غريب ، وفكرت في أن كيلا كانت مخطئة إذ حتى كلمة رائع لم تكن كافية لوصف هذا الرجل . كان خلاباً ...أنيقاً وقاسياًوغشت الأوصاف ذهنها بالضباب ، وقد توقفتأنفاسها بعد نظرة واحدة ألقتها عليهاستوعبت بها وجهه الهضيم بقسماته القوية وعينيه الزرقاوين النفاذتين تحت حاجبين طويلين أسودين ، وكانشعره أسود كالليل الفاحملم تلمع فيه شعرة واحدة بيضاءرغم الخطوط التي كانت حول فمه وعينيه ، كانت تنبئ بأنه في حوالي الأربعين من عمره .
لماذا لم تلحظ كل هذه الأشياء حين تقابلافي المقبرة؟هل كان السبب تأثرها البالغ بمظاهر الوحدة والكآبةالتي كانت تلوح في عينيه؟عينيه هاتين اللتين كانتا تنظران الآنفي عينيها بطريقة غريبة؟ .
وسمعته يتمتم : " عفواً . " وبحركة سريعةفرك كتفه ، فتابعت بنظراتها حركته تلك وقلبها يخفق . وكان ذهنها موزعاً بين كنزته الكشمير الفخمة وبين ارتباكها لهذه المشاعر التي أحستها نحوه .
وعندما توقفت السيارة أمام الباب ، فتحت باب السيارة وخرجت حيث وقفت تنتظرهعلى أعلى الدرجات . وبينما كان يحضر حقيبته من صندوق السيارة ، كانت هي ترغم نفسها على تمالك مشاعرها . وعندما واجهت الحقيقة شعرت بالذنب يصفعها على وجهها.
وارتجفت وهي تعض شفتها بينما كان ذلك الرجل الفارع القامة يصعد الدرجات ليقف بجانبها . واستدارتتفتحالباب وتدخله إلى الصالة . و بينماعادت تغلق الباب ،كانت أختها كيلاوزوجها آدم يبرزان من باب غرفة الجلوس وهما ينظران إليهما بأعين متسائلة .
و قهقهت كيلا ضاحكة وهي تقول : " آهلقد ذهبت وراءه لقد قلت لآدم انكِ لا بد خرجت لهذا السبب . "
تناولت نيرن من الغريب معطفه ، متجنبة النظر في عينيه ، ثم ابتعدت لتعلقه في الخزانةمستغلةهذه الفرصة لتتمالك مشاعرها . وعندماعادت ، قالت وهي تبتسم ببساطة وقد بان الصفاء في عينيها : " نعم . كان ذلك سبب خروجي .. وقد وجدته عند البوابةمتأهباًللتحول نحو الطريق . "
ولاحظتأن الغريبكان قد وضع حقيبته قرب الباب ، فتابعتتقول : " هيا بنا نجلسقرب المدفأة، فأناأكادأتجمدمن البرد . إن الحق معك يا كيلا ، فهذه الليلة بديعة تماماً ، لكنها ما زالت شديدة البرودة ."

وبينما اتجهوا جميعاً نحو غرفة الجلوسالفسيحة ، قال آدم : " هل تعارفتما يا نيرن أنتِ والنزيل الجديد؟ "
فأجابت : " كلا ، مع أن هذه هي المرة الثانيةالتي نتقابل فيها . فقد جمعتنا المصادفةفي المقبرة عصرهذا اليوم . "
ونظرتإلى الغريب قائلة وهي تمد يدها : " إنني نيرن كامبل . "
وبعد لحظة تردد قصيرة ، تمتم قائلاً : " ستروم غالبريث ." ومد يده الدافئة وضغط على يدها المثلجة ، وتملك نيرن الهلعوهي تشعر لدى ضغطه على يدها ، بنفس الشعور الذي تملكهاعندما احتكت كتفه بكتفهافي السيارة . لكنها الآنكانت أكثر ضبطاً لنفسها، كما استطاعت سحب يدها من يده وهيتقدم إليهكيلاوآدمبصوت ثابت .
وعندماحول انتباهه نحو الآخرين ، نظرت هي إلى وجهه متأملة . واعترفتلنفسهابأنهالم تر رجلاً مثله قط من قبل في بلدة غلينكريغ .. ليس فقط من ناحية ملابسه الثمينةغير العاديةفقد كان مظهره ينطقبكل معاني السلطةوالسيطرةابتداءمن كتفيه القويتينإلى ملامحهالخشنة . كان طويلاً ضامراً قوي العضل كان من ذلك النوع منالرجال الذين يجربون كل شيءإلى أقصى حدوده والذين لا يطيقون استغفال الآخرين لهم .
كان من نوع الرجال الذين تصعب معرفتهم . من أين أتتها هذه الفكرة الأخيرة ؟ أخذت تتساءل عن هذا مع أنها كانت متأكدة من صحة حكمها ذاك ، لقد تحدث منظره بصراحة من خلال الجدار غير المرئي الذي أقامه لنفسه ... فهو يقوليمكنك أن تقترب مني بهذا القدر إنما لن أسمح لك بأكثر من هذا ،وربمالم يكن منتبهاًكما لمحتنيرن إلى أنه عندما نظرت هي إلى عينيهأثناءوجودهما في المقبرة، لمحت لحظة واحدة ، من خلال شق في جدار نفسه ذاك ، مكاناً موحشاً كئيباًجعلتها تدرك أن لا مكان فيه لأحد .
واخترق صوت شقيقتها ، أفكارهاوهي تقول : " سأحضر القهوة يا ينرن ."
فالتوت شفتاها بابتسامة وهي تجيب : " شكراً ، يا كيلا . "
ونظرت إلى الآخرينوهي تشيرإلى المدفأةقائلة ببساطة :" تفضلوا بالجلوس ."
فقال آدم : " إنني أستأذن في الذهابلتفقد الوالدين ،سأحضرهما معي ."
وتبع زوجتهخارجينمن الغرفة . وعندما أغلق البابخلفهماوجدت نيرن نفسها تعبث بعصبية بخاتم زواجها ، شاعرة بالصمت الذي ساد الغرفةبعد أن أصبحتبمفردهامع ستروم غالبريث . ومن الغريب أنها كانت تعتقد دوماً أن غرفة استقبالها كبيرة المساحة ......ولكنهاتراهاالليلةقد تقلصحجمها ،لوجود هذا الرجل فيها . وخامرهاعدم الارتياحوهي تفكر في أنها لم يمر بها مثل هذا الموقفالغريب غير العادي ، منذ مدة طويلة . تنفست بعمق وهيتشيرإلىمقعدمريحبذراعين ، قائلة : " تفضل بالجلوس ."
ولكنهبقي واقفا ً حيث كان ، على بعد عدة أقدام منها ، وهو يقول : " إنني أفضل الصعود إلى غرفتي رأساً ، إذمنالواضحأننيأبدومتطفلاًعلىاجتماع عائلي .."
وحك رقبته من الخلف ، وقد بدا في ملاحظته هذهضعف لم تفصح عنه لهجته الحازمة .
فأجابت : " آه ، أرجوك أن لا تقلق لهذا الأمر ، فأنت لست ... "
وفتح الباب قبل أن تنهي كلامها ، لتدخل كيلا حاملة صينيةالقهوة ، وهي تقول :" لقد صعد آدمبالحقيبة إلى الطابق الأعلى ، يا نيرنلقد أخبرته أن يضعها في غرفة النوم التي تعلو المطبخ ثم يشعلنار المدفأة ."
ووضعت الصينية القهوة وهي تتابع قائلة : " إنها أكثر الغرف دفئاً ، في هذاالوقت من السنة أليس كذلك؟ "
فأجابت نيرن وهي تبتسم بأسى : " نعم إنها كذلك فمكان السرير هو فوق الموقد مباشرة . شكراً لكِ يا كيلاوالآن يا سيد غالبريث ، انكستتناول القهوة معنا قبلالصعود إلى غرفتك ، أليس كذلك؟ "
فقالت كيلا وهي تخلع حذاءها وتثني ساقيها تحتها في زاوية الأريكة : " لا يمكنك الصعود الآن إلى غرفتك . لابد أن تجرب الكعك الذي صنعته نيرن بيديها . لقد حاز على الجائزة الأولىمنذ ثلاث سنوات في معرض المنتجات الغذائية في بلدة غلينكريغ ... آه ها قد أقبل الأطفال . "
وسرعان ما فتح الباب بعنف ليدخل آدم ، كيفين و كاتريونا ذات الشعر الأسود التي شقت طريقها مجتازة أباها وأخاهاوقد احمرتوجنتاها انفعالاً ،ثموقفتأمام والدتهاووضعت يديها الصغيرتين على ركبتيهاوهي تقولوقدلمعتعيناها :" قال أبى أن خالتي نيرن قد صنعت كعكاً. هل بإمكاني أن أحصل على قطعة منه؟ " فقال لها أخوها كيفين الذي كان قد تبعها ليقف خلفها يشدها بخصلة من شعرهايغيظها : " ماذا جرى لسلوكك؟ وأين تجدين موضعاً للكعك بعد أن أكلتِ كل أنواع الحلوىالتي أعطاكِ إياه العجوز . "
فاستدارت كاتريونا وهي تزم شفتها السفلى باستياء ، قائلة : " لقد أكلت أنت معظمها انك تعرف هذا . "
فقال : " ولكنككنتسبقوانتقيتكلالقطعالحمراءبينماتعرفينأننيكنت أريدها ."
وضحك آدم وكيلا ولكن ابتسامة نيرن تلاشت بعد نظرة عابرة منها على وجه ستروم غالبريث ، ليعود إليهاذلك الشعور بعدم الارتياح بعد أن رأت التعبير الذي بدا على ملامحه . كان يقف متفرجاً على بعد قليل من هذا المشهد العائلي السعيد وقد تقلصت شفتاه متجهماً ، كما بدا جلده مشدوداً على عظام وجنتيه ، ما جعله يبدو مرهقاً وهذا ما لم تلحظه من قبل . وساورها إحساسعميقبمبلغ التناقض البالغ بينمظهره هذا ، وذلك الجو السعيد الضاحك المفعم بالحيوية والذي يدور على مقربة منهفي هذهالغرفةالتي هي نفسها توحي بالانشراح بسجادتها الورديةوجدرانهاالبيضاء وأغطية الأثاث القطنية الزاهية الألوان ، يقابلها هذا الغريب المتجهم العابسبملابسه القاتمة ، كنزته السوداءبنطلونه القاتم وحذائه الأسود ... ممثلاً التناقض التام لكل ما حوله .
وما أن تقدمت نيرن منه لتطلب إليه مرة أخرى ، مشاركتهم القهوةحتى التفت إليها فتشابكت نظراتهماورأت في عينيه الزرقاوين من الكآبة ما استدعى منها جهداً خارقاً لكي تمنع نفسها عن التأوه .
وما أن فتح فمه للكلامحتى أدركت هي بغريزتها ، ما سيقوله ، فبادرته قائلة وهي تهز رأسها بصوت لا يكاد يسمع : "كلا يجب أن لا تذهب . لقد تأخر بك الوقت بالنسبة إلى الطرقاتولن يمكنك العثور على مكان تبيت فيه . "
ولما لاحظت الآخرين ما زالوا يضحكونويلهون قرب المدفأة ، وقد نسوا كل شيء عن هذا الغريب ... اقتربت منه بدافع لم تستطع مقاومتهوقالت له : " تعال معي لأريك غرفتك . "
وظنت للحظة أنه سيرفض عرضها ذاك وهي تراه ينظر متردداًإلىيدهاالرقيقة الشاحبة ذات الجلد المرقط بنمش قليل والأظافر البيضاوية الخالية من أي طلاءولكنه ما لبث أن أومأ برأسه موافقاً وهو يقول : " لا بأس ، وأشكرك . "
وخرجا معاً إلى الصالة دون أن يلحظهما أحد ، وأغلقت نيرن الباب خلفهما لتتجه معه نحو السلم . ولم يكن السلمليسعهما ، هما الاثنينجنباً إلىجنب ، ما جعلها تتقدمهقليلاً وقد بدأت تشعر بالعصبية . ربما لم يكن ينظر إليها كما أخذت تحدث نفسها ، ولكنها هي التي كانت تشعر بالتوتر لوجوده خلفها .
وعندما وصلت إلى قمة السلمحاولت أن تتمالك نفسها . لقد كانت مخيلتها هي التي تصور لها كل ذلك ولا شيء غيره . فهذا الرجل له من مشكلاته التعسة في عالمه الخاص ، ما لا يسمحله بالالتفات إليها كامرأة . فلماذا تشعر بمثل هذه الحماقة؟
واغتصبت ابتسامة أرادتها أن تبدو عفوية ، وهي تستدير إليه لتشير إلى ناحية اليسار حيث غرفته . ولكنه كان قد افترض أنهما سيتحولانإلىناحية اليمين . وتجمدت الابتسامة على شفتيها وهي تصطدم بكتفه العريض .
تراجعت إلى الوراء وهي تشهق محتجة ثم قالت : " إني آسفة . "آه ... من أين أتى ذلك الصوت الأبح المنفعل؟ لا يمكن أن يكون صوتها هي ؟ ولكن لا بد أنه صوتها فعلاًوإلا ما الذي جعل هذا الرجل الغريب يقطب حاجبيه وهو يقول وقد بدت في عينيه الزرقاوين نظرة ساخرة : " غرفة لأجل المبيت هذه الليلةهي كل ما أريد يا سيدة كامبل ، ولا شيء غير ذلك . " وكان في لهجتهوهو يقول ذلك نوع من التحذير لا يمكن أن تخطئه .
فرفعت نيرن بصرها إليه وهي لا تكاد تصدق أذنيها ، أتراه قد ظن أنها تعمدت الاصطدام به؟ وهل كان يعني هذا بكلامه؟
كانت نيرن بطيئة الغضب بالرغم من لون شعرها البني الضارب إلى الاحمرار ولكنها تشعر الآن بثورةمن الغضب تشتعل في أعماقها .. غضب مصحوب بعد التصديق . ذلك أن هذا الغريب يبدو انه أساءتفسير الأسباب التي دفعتها إلىتقديم المأوى له . حسناً ، من الأفضل إذن أن تبدد شكوكه من هذه الناحية . ونظرت إليه وقد بان في ملامحها مزيج من الذهول والرقة والبراءة وهي تقول : " ولكن كل ما عرضته عليكياسيد غالبريث هو غرفة لليلة واحدة . "
وبخطوات واسعة رشيقة ، تجاوزته لتعبر الصالة نحو غرفة صغيرة قائمة فوق المطبخ ، حيث فتحت البابووقفت جانباًتشير إليه بالدخول ، راجية أن لا يلاحظ الاحمرار الذي علا وجنتيها . وقالت له وهي تقاوم رغبة تملكتها في أنتضربه أثناء مروره من أمامها : " هذه هي الغرفة . إنهاصغيرةولكنها دافئة ومريحة . أما الفطور فسيكون في الساعة الثامنة إذاكان هذا يناسبك . "
فأجاب : " الساعة الثامنةوقت مناسب تماماً . "وأجال ببصره في الغرفة ، لحظة قبل أن يخطو على السجادةذات اللون البيج متوجهاً نحو المدفأةحيث وقف أمامها ويداه في جيبيه ، مركزاً بصره على النار المضطرمة خلف الحاجز الأثري المصنوعمن القرميد . كان حول الرجل جو من الوحدة والتعاسة أحال غضب نيرن إلىسيل من الشفقة والرحمة .
وترددت لحظة ، شاعرة بالندم لتصرفها ، المتكلف ذاك .. هذا إلى دافع لقول شيء أي شيء قد يفتح الطريق إلى إحداثصلة نزيهة بينهما .
ولكنها رأت من التعبير الذي بدا على وجهه ،والذي ازداد جهامةوتفكيراً ، رأت انه لا بد قد نسي كل شيء عنها . لقدكانمستغرقاًفيمشكلات هي اكثر أهمية من الواقع الذي يدور حوله.وتركت نيرن الغرفة وهي تتأوه بأسى ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء .



الفصـــــــــل الثانــــي



كان المنزل برواش البالغ ثلاثمائة عاماً من العمر ، مبنياً من الحجر الرملي ، وكان السقف مائلاً وإطارات النوافذ الخشبية مدهونة باللون الأبيض . كما كانت الجدران تبلغ القدمين سماكة . وكان روري و نيرن قد جهزا في الطابق الأسفل منهتدفئة مركزية ولكن لم يكن باستطاعتهما وضع نفس الشيء في الطابق الأعلى . ولهذا كانت غرف النوم باردة على الدوام في ما عدا فصل الصيف ، وكان هناك مدافىء ولكنهمكانوا يشعلونها في حالة المرض فقط لكي يشعر المريض بالدفء .
أو في مثل ظرف هذه الليلة . إذ جاءهمضيف هو ستروم غالبريثوالذي لا بد أنه يرقد الآن في فراشه بكل راحةودفءذلك أن غرفته تقع فوق المطبخ مباشرة كما أن النار تضطرم في المدفأة عنده .
كانت نيرنتفكر في كل ذلك وهي متكومة تحت الأغطيةلم يسبق أن شعرت بالبرد قط في ما مضى . ولكن الأمر قد أصبح مختلفاً هذه السنة . وكانت صممت منذ أسابيع على أن تبتاعلنفسها بطانية كهربائية ، ولكنها ما زالتترجئ الأمرإذ كانت دوماً تعتبر أن هناك ما هو أهم في الوقت الحاضر .


ولكنها هذه الليلة ، تأكدت من أنه لا يوجد على ظهر الأرض ما هي بحاجة إليه أكثر من تلك البطانية الدافئة ، فقد جعلها الركض بين الأشجار هذا المساء تشعر بالبرد في كل جسمها . ومع أنها جلست أمام المدفأةفي غرفة الجلوسلمدةنصف ساعة تقريباً ، بعد أن خرجت كيلا و أسرتهافما زال البرد ينخر عظامها ، ورفعت ركبتيها إلى صدرها لتغطي بقميص نومها ، جسمها حتى قدميها المثلجتين ، وهي تلقي ببصرها إلى المنبه الموضوع بجانبصورة روري على المنضدةالملاصقة للفراش ...
كان الليل يقترب من منتصفه ..
ما هذا؟
وأمسكت أنفاسها . ما هذهالضجة فوقها؟ انه صوت ارتطام بالأرض ، وكأن شخصاً اصطدم بشيء ليقعا معاً على الأرض .
ودون أن تقفلتفكر في الأمر ، أنارت المصباح الموضوع على المنضدة ، ثم أزاحت الأغطية جانباً ، ومن ثم قفزت من السرير . ذلك أنه لم يكن هناك أحد في المنزل ما عداها و ذلك الضيف ستروم غالبريث ، فماذا يمكن أن يكون حدث؟ هل تراه وقع أرضاً؟ هل أصابه ضرر ما؟أم أنه أصيب بنوبةقلبية؟
وكانت قبل دخولها الفراش قد نشرت فوق الأغطيةمعطفها المنزلي طلباً لمزيد من الدفء فأسرعت ترتديه وهي تسرع خارجة من الغرفة على ضوء مصباح صغير كانت قد تركته مضاءه ، قبل دخولها إلى غرفتها. وعلى ضوئه توجهت نحو غرفة ستروم .
كانت قد صممت على أن تقرع باب غرفته بعنف ، منادية إياهباسمه ولكنها ترددت عند وصولها إلى الباب . ماذا لو لم تكن الضجة آتية من غرفته . ماذا لو كان نائماً؟ انه لن يكون شاكراً لها إيقاظه من نومه في منتصف الليل.
بدلاً من ذلك ، قررت أن تفتح الباب بهدوءثم تتسلل إلى الداخل ، دون الحاجة إلى إنارة المصباح لأن الضوء المتوهج من نار الموقد كان كافياًَ لتعرف منه ما إذا كان الضيف بخير أم لا . وهكذا ، أمسكت بمقبض الباب الخشبي ، ثم أدارته بكل حذر وصدر لذلكصوت ضئيل جعلها تعبس وهي تهمس لنفسها متجاهلة البرد الذي تشعر به في قدميها الحافيتين ، بينما ابتدأت تدفع الباب إلى الداخل بكل هدوء وأنفاسها ترتجف .
ولكنها لم تكد تفتح الباب عدة سنتمترات حتى جذب الباب من الداخل بعنف ، فشهقت ولكن قبل أن تستطيع الرجوع إلى الخلف ظهر ستروم غالبريثفي العتبة مشرفاً عليها بقامته التي بدت كشبح مظلم .
لم يحاول أن يشعل المصباح , لأن المكان كما سبق وتكهنتكان مناراً بالضوء المتوهجمن نار المدفأة . فاستطاعت أن ترى شعره الأسود مشعثاً.
وسألها بعنف ويداه على وركيه : " ماذا تريدين؟ "
وسرعان ما تبدد شعور نيرن بالارتياح لدى رؤيتها له واقفاً بدلاً من أن يكون مسطحاً على الأرض ، تبدد إزاءلهجته العدائية تلك بما تتضمنه من اتهام .
وعندما جالت ببصرها في أنحاء الغرفة رأت أن لا شيء في المكان قد اختل نظامه ، فقد كانت حقيبتهموضوعة بجانب الخزانة ، كما كانت حافظة نقود من الجلد موضوعة على منضدة الزينة بجانب الباب ، وعدا عن ذلك وعن بعثرة أغطية الفراش ، لم يكن في الغرفة ما يدل على أنها مسكونة ، ما جعل نيرن تفكر في أن السيد ستروم غالبريث هو رجل منظم حقاً .
ولكنه كان أيضاً في هذه اللحظة رجلاً في غاية الغضب .
وقالت له بسرعة : " ظننت أنني سمعت ضجة ما ... كلا ، بل سمعتها بالتأكيد . سمعت صوت تحطم شيء ثم شيئاًثقيلاً يرتطم بالأرض وكأنه جسد ... فظننت أنه ربما حدث لك مكروه .... "
فقال : " ما أغرب هذا ، فأنا لم أسمع شيئاً . "
ولاحظتتغير التعبير الذي كان على ملامحه ، وقد تلاشى التوتر الذي كان يضغط شفتيه ، لتظهربدلاًمن ذلك على شفتيه ابتسامة باهتة .
فقالت بعناد : " ولكن لا بد أنك سمعت إلا إذا كنت نائماً . "
فقال : " إن نومي خفيف جداً ، يا سيدة كامبل ، وأنا أؤكد لكِ أنه لو كان هناك ضجة من أي نوع كان لأيقظتنيحتماً . "
فقالت : " إذن ..... "وقطع كلامها صوت قرقعة النار في المدفأةأشبه بسلسلة من المتفجرات . إن هذا طبعاً يفسر عدم سماعه أي ضجة أخرى .
وتابعت قائلة: " لا بد أن صوت قرقعة النار قد غطت على أي صوت آخر ...."
فاستند إلىجانب الباب بتراخوهويقول : " أو ربما لم يكن هناك أيضجة .ربما ...... "
لقد علمت بالطبع ما سيقوله قبلثانية واحدة من قوله هذا . علمت بالضبط ما يظنه سبب حضورها إليه في منتصف الليل.
لقد قال بلطف : " ربما يبدو المكان هنا موحشاً في ليالي الشتاء الطويلة ، ربما كنتِ تريدين رفيقاً ... "وقبل أن تدرك ما الذي يفعله ، كان يتأملها بنظرات تنم عن السخريةأكثر منها استفزازيةوهو يتابعقائلاً : " ربما تشعر الأرملة الجميلة بالوحدة ... "
فتراجعت نيرن إلى الخلف ، ثم قالت بصوت حاولت أن يبدو هادئاً : " يا سيد غالبريثأن الرجل الذي يتكلم عن الأشياء البغيضة ، تلميحاً لا يعجبني ، فأنا أفضل الحديث المباشر مهماً كان فظاً . فإذا كنت تظن أنني جئت إلى غرفتك بغية التحرش بك ، فلماذا لا تقول هذا بشكل مباشر؟ "
وأدركت فجأة أنها كانت تقبض يديها بعنفماجعلأظافرهاتنغرز في راحتيها ففتحتقبضتيهاثموضعتيديها فيجيبي معطفها ، وهي تتابع قائلة:" إن هذا هو عندي أفضل كثيراًمن ذلك التلميح المهين . ولكننيسأجيبكعلى ذلك على كل حال . نعم إنني أرملة ، ونعميبدو البيت موحشاً، موحشاً جداً من دون زوجيولكنني لا أبحث عن بديل يحتل مكانه ...ولكن إذاكنت أبحث فأنا لا أظنك تصل حتى إلى التصفيةالنهائية بين المرشحين . فأنت رجل يبدو خالياً من أي دفء إنساني ."
هاهي قد قالت كل ما ينبغيأن يقال ، فإذاكانت قد بالغت في ذلكفهذا ما لم يكن بمقدورها تجنبه. وشعرت بقدميها كتلتين من الثلج ، حتى أنها بذلت جهداً كبيراً لتحركهما . فاستدارت عائدة إلى غرفتهاوكانت طيلةالوقت تحبس أنفاسها متوقعه أن يتبعهاليعتذر إليها ، ولكنه لم يفعل .
وبعد ذلك بلحظات ، كانت قد عادت إلى فراشها وقد تأكدت بأنها لن تتمكن الآن من النوم . ليس لأنها كانت تشعر ببرد أكثرمما كانت تشعر به قبل أنتقوم بهذه الرحلة التعسة إلى غرفة ضيفها ذاك ، وإنما لتأثيره الغريب ذاك عليها والذي تعذر عليها تفسيره .
غرفة لهذه الليلة ، هذا ما قاله . حسناً إن هذا يعني ليلة واحدة فقط وهذا معناه أنه سيرحل بعد تناوله طعام الفطور . ومن الواضح الجلي أن لهذا الرجل مشكلات ، مشكلات هامة . أما هي فان لديها ما يكفي من المشكلات ، فهي تحاول أن تتدبر أمور نزلها برواشمن دون زوجها ، كما أنها قلقة بالنسبة لإيجاد أعمال للفتية المراهقين الذين يعملون لديها لكي تشغلهم بها في خارج الموسمدون الحاجةإلى استخدام غيرهم . فلو كان عندها ما يكفيمن الوقتلكان بإمكانها بطبيعة الحال أن تساعد هذا الرجلالغريب .... أو على الأقل ، وضعه في الطريق حيث يتابع بنفسه الوصول . ذلك أنه من المؤكد تقريباً أن هنالك شيئاً في ماضيه يعذبه .. وما لم يخرجه إلى العلنليواجهه مباشرة ، فلن يكون في إمكانهأبداًأن يتعامل مع مستقبله . وتنهدت نيرن وهي تدعك قدميها الواحدة بالأخرىمرة بعد مرة ،مرغمة نفسها على إبعاد التفكير بهذا الرجل لتوجهأفكارها إلى أنها في بلد دافئالآن مثل شاطئ استوائيوالجوخانق الحرارة والشمسترسل أشعتهااللاهبةعلى الأرض ....
وأخيراً ، ابتدأتتشعر بالدفءولكن ما أن ابتدأت تستسلم للنوم ، حتى طرأ على ذهنهاخاطر أيقظها تماماً ، وهو إذا لم يكن ما سمعته من خبطوارتطام بالأرضقد قام به ستروم غالبريث ، وليس لديها ما يدفعها إلى الاعتقاد بأنه كاذب فمن هو الفاعل إذن ؟
أترى هذه الضجة جاءت من الغرفة الصغيرة على السطح؟ ربما هي الريح قد هبت من إحدى النوافذ مما تسبب بسقوطشيءعلى الأرض ، فيكون هذا هو الصوت الذي سمعته والمصحوب بالارتطام بالأرض . لابد لها من تفحص الأمر ....
وأغمضت نيرن عينيها وهي تجر الغطاء إلى ما فوق رأسها .إنهاطبعاًلنتفتش عن مصباحلتصعدذلكالسلمالضيقالمكشوف وحدها إلىتلك الغرفة الصغيرة لكي تطوف هناك بين الظلال متحسسة الأشياء غير عالمة بما قد تجد .كماأنهليس بإمكانها أن تطلب من السيد ستروم غالبريث مرافقتها بعد ذلك الاستقبال الذي تلقته منه آنفاً .إنها ستؤجلتفحصتلكالغرفةإلىالصباحبعدأنيكونهوقد غادر المنزل .
كان الجو دافئاً تعبق فيه رائحة البيض المقلي والقهوة ، عندما صدر عن الكلب شادو زمجرة منخفضة عرفت هي منها أن الضيف في طريقه إليهاقادماًمن غرفته . فاغتصبت ابتسامةوهي تستدير إليهحاملةالمقلاة في يدها ،
وفي اليد الأخرى ملعقة طويلة ، لتراه واقفاً على العتبة تشع منه رجولة فياضة بكنزته وبنطلونه الأسودين وشعرهالأسود المسرح إلى الخلف بدون اهتمام . وتسارعت خفاقات قلبهاقليلاً وهي ترى النظرة غير العادية التي بدت في عينيه الزرقاوينوذلك باستدارتها المفاجئة إليه على غير انتباه منه . فقد خيل إليهاأنها رأت في عينيهومضة غريبة سرعان ما أخمدها بنظراته السريعة .
وحدثت نفسها وهي تحييه بخفة ، بأنها لا بد كانت تتخيل ذلكفما الذي يجذبه فيها؟ فهي ليست من نوع نساء المدن الرشيقات الأنيقات اللاتي قد اعتاد عليهن . إنها لاتعدو أن تكون امرأة ريفية طويلة القامةذات شعركثيف أحمر جلب الشقاءإلىحياتها! فلماذا يجعلها وجوده تشعر بمثل هذا الضيق؟ لماذا أصبحت فجأة تهتم بمظهرها؟وحدثت نفسها تأمرها بالهدوء . فهو سرعان ما سيرحلإنها ستقدم إليه الفطور ثم ترسله في طريقهوعندما تنتهي من تغيير ملاءات سريره وتنظيف الغرفةستنسى كل شيء عنهوكأنه لم يكن .
وقالت له : " إننيأقدمالطعام للمستأجرين ، عادةفيغرفةالطعامولكنبما أنك بمفردك لا أظنك تمانع في تناول الفطور في المطبخ ، فهو أكثر دفئاً في فصل الشتاء ."
وأشارتبالملعقةالتيفي يدها إلى المائدة الخشبية المستديرةوهيتتابعقائلة : " يمكنكأن تسكب لنفسك القهوة وسأكون معك بعد لحظة . "
ورغبة منها في التظاهر بالعفوية وعدم الاهتمام ، أخذتتهمهم بأغنية خفيفة وهي تعد شرائح اللحموالبيض المقلي ، والفطر والطماطمالمشوية ، ذلك أنها قررت بحزم أن أفضل ما يمكنها عمله هو أن تتظاهر بأنه لم يحدث بينهما شيء قط الليلة الماضية .
واستدارت متوقعة أن تراه جالساً إلى المائدةولكنه كان واقفاً ينظر من خلال النافذة وظهره إليها ،فتنحنحتوهي تتقدم من المائدةتضع عليها طبقه وتقول : " لقد تغير الجو هذا الصباحفهويبدو كأيام الربيع . كنت ارتديت سترتي السميكة عندما خرجت للتمشي من فترة ، ولكنني عند عودتي خلعتها بعد أن شعرت من حرارة الجو بأن كنزتيهذه تكفي تماماً . "
فاستدار إليها ، لترى أن بشرته كانت أشد اسمراراً مما كانت تظن . وبدا أن لونه القاتم قد أظهر زرقة عينيه الحادتين أكثر جلاءوسألها : "هل سبقلكِالخروج هذا الصباح؟ "
فأجابت : " نعم فأنا آخذ شادو كل صباح في نزهة قصيرة . "
فقال وهو يلويشفتيه : " نزهة قصيرة؟كم من الوقت تبلغ هذهالنزهة القصيرةيا سيدة كامبل؟ "
فألقت نيرن نظرة على الكلب الذي كان يضرب الأرض بذيله بعدإذسمعهم يذكرون اسمه وقالت : "إننانسيرإلىالطرف الآخر من غلينكريغثم على امتداد البحيرةإنهاتأخذ قرابة الساعة .... فهي على بعدأميال تقريباً . "
فقالساخراً : " آه ، أهذه هي النزهة القصيرة؟ "وعاد ينظر من النافذة نحو مشاتل النباتات الممتدة إلى اليمين وهو يقول : "هل لديك مزرعة لتزويد السوق بالخضراوات ؟ "
فهمهمت وهي تشكر حظها على أنه يبدوعلى خلق مهذب هذا الصباحويبدو أنه قرر هو الآخرأن يضع ما حدث الليلةالماضيةخلف ظهره .
أدنتكرسياً نحو المائدة لأجله وكتمت ابتسامتها وهي ترى ومضة دهشة على ملامحه إذرآهاتجلس هي أيضاً . هل كان يتوقع منها أن تتصرف كخادمةفتنتظره إلى أن يفرغ من طعامهلتجلسوتتناول طعامها؟ وسكبت فنجانين من القهوةوانتظرت إلى أن جلس فمدت إليهيدها بفنجانه .
قالت وهي تدهن قطعة من الخبز المحمص بالمربى : " كنت تسألني عن المزرعة وسأشرح لك الأمر الآن . إنها عملية مزدوجةفي الحقيقة ذلك أن المنزلمؤلف من قسمين ، المزرعة والمنزل ، فقسمي أنا هو المنزل .. وأثناء الصيف كما أخبرتك أدير نزل برواشالذي يقدمغرفةوفطوراً . أما روري والفتيان فقد كانوا يعتنون بالمزرعةفيستنبتونالخضر والفواكه لبيعها في الجنوب غالباًولكن ..... "
فسألها مقطب الحاجبين وهو يرفع لقمة إلىفمه : " الفتيان؟"
فأجابت : " لقد كنا أنا وزوجي ، مشتركينفي مؤسسة اجتماعية تخص المنطقةقبل أن أرث نزل برواشوقد اهتممنا بعمل المؤسسة تلك بشكل خاص ، فكنا نوظف الأحداث الذين يرتكبون الأخطاء لأول مرة والذين توصينا بهمالمحاكم ، فنعطيهم عملاً وتدريباً وتفهماً ،وعندما يصبح لديهم الاستعداد الكافي ، يتركونناإلى العمل في الأسواق تاركين مكانهم لآخرين هم أكثر حاجة منهم إليه . "
سألها قائلاً : " وكملديك الآنمنهم؟ "
فأخذت رشفة من قهوتها قبل أن تجيب : " انهم ثمانيةحالياًبما فيهمكيلتي ، بالرغممن أن وضعه مختلف ولكنهم ليسواهناحالياً . "
ولسبب ما لم تفهمه نيرن ، توتر الجو في الغرفةفوضعت الفنجان من يدها وهي تتفرس بفضول في وجه الرجل الجالس أمامها . كان قد وضع لتوه لقمة في فمه بدا أنه سيظل يمضغها دون نهاية ، إلىأنازدردها أخيراً ،
فوضع الشوكةوالسكين في طبقه ، وقال وهو يستند إلى الخلف : " الفتيان ليسوا هنا؟"
كان في صوته بساطة متكلفة كذبهاالتوتر الذي بدا على ملامحه وهو يتابع : "وأين هم؟ "
فأجابت : " انهم في مكان ما في الشاطئ الغربي ... إننيلا أعرف مكانهمبالضبط حيث انهم يبحرونفي سفينة ، إنهارحلة بحريةخارجالبلاد وسيتغيبون لمدة ثلاثة أسابيعوهي من تخطيط المركز الإقليميوسيثير عجبك عندما تراهم يعودون وقد امتلئواثقة بأنفسهموشعوراً بالكرامة ، وحسن تهذيب ، وبالنسبة إلى البعض منهمفهي المرة الأولى ... "
وتلاشى صوتها وهي تراه منصرفاً عنها كلياًوذلك في نظراته الشاردةوتملكتها موجة انفعال ،
ليس بسببه فقطوإنمابسبب كل الآخرين الذين يتضايقون منالحديثعن المراهقين ومشكلاتهم . ألا يعلمون أنهم بإهمالهم هذه المشكلات وبعدم معالجتهامن جذورهاسيواجه المجتمع في السنوات القادمة مشكلات أكثر خطورة؟
ودفعت نيرن بشكل مفاجئكرسيها إلى الوراء وجمعتجدائل شعرها الأحمر إلى ظهرها وهي تتنهد بضعففان هذا الجهد القليل الذي تبذله في سبيل حل هذه المشكلاتسينتهي وقريباً جداًحيث أن روريلم يعد هنا ليشاركها هذا العبءلقد استطاعت بمساعدةالفتيان ، أن تتدبر الأمر بدونه ، على نحو ما ، في الصيف الماضيولكن هاهو ذا الربيع يقترببينما هي تعلم أنه لم يعد بإمكانهاأن تؤجل قرارهابعد الآنوهو أن الحالة الاقتصادية لم تعد تسمح لها بأن تتابع العمل في برواش من دونه . واستئجار شخص لمعاونتها قد أثبت استحالتهلقد سبق وأجرت مقابلاتلبعض طالبي العمل في الشؤون الاجتماعية ، ولكنهالم تجد الشخص الذي يجمع إلى اختصاصه ذاك ، مهارةفي الزراعة والتسويق والميكانيكا وكل المهارات الأخرىالتي كان روري يحسنها . المهاراتالتيكانت توفر عليهما الكثير من التكاليف ،
وعادت تتنهدتاركة المائدةوهي تقول : "أرجو المعذرة ، بإمكانكأن تتابع فطورك بمزيد من القهوةوالخبز المحمص إذاشئت . "
فأجاب : " كلا ، علي أن أذهب الآن ، لقد كانت وجبة ممتازة . "
وأضاف الجملة الأخيرة بإيجازوكأنه يعرف الكلمات الصحيحة ولكنه لا يعرف الطريقة الصحيحة لألقائها ،
و أزاح كرسيه إلى الخلف ، ثم هب واقفاًوهو يقول: "أريد منك الفاتورة من فضلك ."
كانت نيرن قد أعدت الفاتورة مسبقاً فناولتهإياهاوأخذت تنظرإليه وهو يضع يده في جيب بنطلونهالخلفي ، ثم رأته يعقد حاجبيه وهو يقول : " لقد نسيت المحفظةفي غرفة النوم . "
فقالت : " لماذا لا تصعد وتحضر أشياءكانك ستجدني هنا في المطبخحين تعود ."
أخلت نيرنالمائدةومسحتهابعد أن وضعت الأطباق في حوضالغسيل الذي سبق وملأته بالماءالساخنومسحوقالتنظيف ، ثم أسرعت تغسلالفناجين والصحون بعد أن ارتدت قفازيالعمل المطاطينوكانت على وشك أن تعلق فنجاناًعلى العلاقةالخاصةبالفناجينعندما سمعت صوت خطوات سترومفي القاعةكانت خطواتهعنيفةتوحي بالغضبوزمجرالكلبوهو يخرجمن مكانه الدافئتحتالموقدقادماً نحو نيرنوقطبت هي جبينهابينما كانت تخلع قفازيهاثم ربتت على رأسالكلبوهي تهمس له : " لا بأس اهدأ..."
" إنهاغيرموجودة"وكانت عيناسترومغالبريثتقدحانشرراًوهويقول : " كانتمحفظتيموضوعة على طاولة الزينةحين نزلتولكنها الآن غير موجودة ..... "
فقالت : " ولكن هذا مستحيلفليس هنا غيرنا نحن الاثنين ربما تراها انزلقتخلف المنضدة أو .... "
فقال مزمجراً: " ألا تفكرينفيأننـــيلا بد وفتشت عنـــها في هذه الأمكنة؟ "
وحاولت نيرن أن تلتزم الهدوءفان لهذا الرجل سلوكاً خشناً يكاديخرجهاعن طورها ، وبسهولة تامة . وقالت بصوت هادئقدر الإمكان : " دعني أصعد بنفسي وأعاود التفتيش . "
وعندما كانتتجتاز الصالة ، كانتتشعر بخطواتهخلفهاإلىحدكادت تحس معه بحرارة أنفاسهالغاضبة ، وأخذت تتساءلبقلقأينعسى أن تكون محفظته تلك؟ما الذي جعلها تركضخلفه تلك الليلة؟ لماذا لم تتركه يذهب وحده؟ لقد سبق وأخبرتهكيلاأن النزليفتح أبوابهأثناء الصيف فقط ..فما الذيجعلهاتركض خلفهبهذا الشكل؟لقد سبب لها هذا الرجل من المشكلات أكثر مما سببه لها كل نزلائها معاً .
كان باب غرفة نومه مفتوحاً ، فدخلها ستروم على الفور ، بينما تحولت عيناها نحو المنضدةالتي كانت رأت فوقهاالمحفظة في الليلة الفائتة و ......
وهتفت بحدة : " تلك هي محفظتك ، أمام عينيك! كيف لم ترها؟ "
واستدارت تحدق فيه بعينين تنطقانبالاتهاموهيتتابعقائلة : " ما الذي جعلك تقوم بهذه اللعبة؟"
ولكنها اعترفت في داخلها بأنهفوجئهو الآخر بل أكثر من هذا كان مصعوقاً تماماً فإذاكان يمثل عليها دوراً فهو ممثل قدير .
وقال وهو يتخلل شعره بأصابعه مذهولاً : " ولكنني أقسم .... "
فقالت بحزم وهي تأخذالمحفظة ثم تلقيها إليه : " حسناً يا سيد غالبريثفأنت لا تبدو من ذلك النوع من الرجال الذين يتهربون من دفع الفاتورة ، هل لك أن تفتح المحفظة لتتأكد من أنه لم ينقص منها شيء من فضلك؟ "وأخذت تحملق فيه وقد رفعت وجهها .
واشتد التوتر بينهما ، وهو يتحقق من محتويات المحفظة من الأوراق المالية ثم مجموعته من بطاقات البنوك .
وأخيراً قال بفتور : " لا شيء مفقود . "
وودتنيرنلو تسأله عما كان يتوقع ،ولكنها قالت بدلاً منذلك : " هذا حسن ." ثم مدتيدها وهي تتابع ببرود : " والآنإذا شئت أن تدفع لي الحسابثم تحمل معطفك وحقيبتكوتذهب ،فسننسى كل ما حدث . "
بدا عليه الذهول وهو يتناول الأوراق المالية من محفظتهدون أن ينطق بكلمة ثميناولها إياها ، ويستدير ليحملحقيبته . وعندما فتح فمه ليقول شيئاً ، عاد فأطبقه بعد أن رأى نظرة اللوم في عينيهاكان واضحاً أنهلم يجد منالكلامفائدة .
وبعد دقائقكانت توصله إلى الباب الأماميوبعد تحية مختصرة جداً ألقتها عليه أغلقت الباب خلفه جيداًوهي تحدث نفسها قائلة ها قد انتهيت من السيد ستروم غالبريثو تابعت وهي تستند بظهرها إلى الباب مغمضة العينين تستمع إلى صوت هدير سيارته وهي تبتعد، تابعت تفكر في أنه من ذلك النوع من الرجالالذينيتسببون بالمشكلات أينما يحلون . كان في نفسيته نوع من القلق كان ينتقل منه إلى نفوس المحيطين به ، كما انتقل إليها هي نفسها على الأقل . اعترفتبذلك شاعرةبالاستياء . كانكل ما تريده بعد رحيل روري هو السلام وأن تبقى وحدها مع ذكرياتها . صعدت السلالم بخطوات يملؤها التصميموابتدأتتجمع ملاءات سرير ستروموبعد أن ألقت بها في الغسالة ، عادت تنظفالغرفةوالمدفأةوعندما عاد كل شيء كما تريد ،وغسلت يديهامن الرماد وسواد الفحم ، تنفست بارتياح بعد أن أنهتهذه المهمة التي كانت تنتظرها طيلة الصباح .


الفصــــــل الثالث



كانت الغرفة التي تلي السقف مباشرة في المنزل ، تمتد على طول السطحويصعد إليها بواسطةسلمخشبي حلزوني ضيقيبدأ من فجوة في الطابق الثاني .
وبينما كانت نيرنتصعد السلم المظلم ، أخذت تصفر بصوت عال . ولم تكن تشعر بالعصبية عادة ولكنها كانت تتساءل عما إذا كانت فكرة أقفالهاالباب الأماميوالخلفيهي فكرة حسنةحقاً رغمأنها فكرة عديمة الذوق . ذلك أن نزل برواش كان دوماً منزلاً مفتوحاً للمراهقينالعاملين في هذا المكانفهو الملجأ لهم ليلاً ونهاراً ، عندما لا يتمكنون من التصرففي منازلهم . ولم يكن من غير المعتادأن تنزل نيرن صباحاً إلىالمطبخ لتجد غلاماً مستغرقاًفي النوم وقد تكوم على نفسه بجانب الكلب شادوعلى سجادةقرب الموقد ، ولكن روري لم يعد معها الآنلقد أصبحت امرأة تعيش بمفردهاوربما من الحكمة أن تكون أكثر حذراًفي المستقبلوفي نفس الوقتذكرت نفسهاعابسةبتلك الضجةالتي سمعتهاالبارحة بينما الفتيان كانوا بعيدين عنها مئات الأميال ، فلا يمكن إذن أن يكونوامسؤولين عن ذلكولكنهاكانت تعلم أنه لن يقر لها قرارقبل أنتعرف سبب تلك الضجةوالذي قد لا يعدو كما حدثت نفسها ، أن يكون مجرد فأرة قد أوقعت المصباح النحاسي القديم .
وابتدأت تطوف في المكان عاقدة ذراعيها فوق صدرها ، ومرت عدة دقائق اقتنعتبعدها أنه لا يوجدمن هو مختبئ في أحد الصناديق أو الأكياس المتراكمةتحت رفارفالقرميد . لم يبق سوى مكان واحد عليها أن تبحث فيهوشعرت بنبضات قلبها تتسارع. إنها الغرفة الصغيرةفي آخر السطحوالتي لا تحوي شيئاً سوى سرير نحاسي أثري يبدو أن خادماً كان ينام فيهفي الأيام الخوالي .
دفعت الباب بحذربأطراف أصابعهاوصدر عن مفاصله أزيز عال شق الصمتولكنها ما أن جالتبنظراتها في أنحاءالغرفةحتى تنهدت بارتياح، طبعاً لا يوجد هنا أحد . لقد سبق وتوقعت أن تكون الغرفة خالية ، ولكن .......
وصدرت عن نيرن شهقة وهي ترفع يدها إلى عنقها ... آه ... صحيحأن الغرفة كانت خالية تماماً ، حالياًولكنشخصاً كان فيها ، ومنذ وقت قصير جداًوحدقت فيمجموعة المفارشالواقعةعلى الأرض، ويظهر أن سقوطهاكان سبب تلك الضجةالتيكانت سمعتهاواستدارت عيناها وهي تحملق في تلك البطانية العسكرية التي كانت ملقاةعلى تلك الكومةفي الوسط ما جعلها لا تكاد تلاحظ علبة السجائر الفارغة التي كانت على الأرض قرب رأس السريروإلى جانبها كان غطاء علبة صفيح يحتويعلى رماد السجائر و أعقابها . لقد كان هنا شخص ما ، الليلة الفائتةبينما كانت هي نائمة . شخص قد أشعل خمس سجائر كما كانت عدتها ودخنها فيمنزلها.
وداخلها الغضب . كان غضباً جامحاً اكتسح كل شعور بالخوفولكنها أدركت أن الشخص الذي كان هنا ، قد رحل عن المنزللقد أحست بذلك وإحساسها لم يسبق أن خذلها من قبل.
تنفست بعمق ، ثم تراجعت خارجة من الغرفة مغلقة الباب خلفهاوحدثت نفسها بأن لا تستعظم هذا الأمر ، وأن تفسير ذلك قد يكون غاية في البساطة . انها على الأقلقد أدركت السبب في أن ستروم لم يسمع الضجةذلك أن غرفته واقعةفي الطرف الآخر من .......
وتعالى صوت عجلات سيارة على الحصى تبعها صوت الكابحبصورة عنيفةمفاجئة ما شعرت معه بالفزعلقد بدا لها وكأنشخصاً ماقد قذف بنفسه أمام السيارة فوقفتهذه بهذا الشكل أمام منزلها بالضبط ... ومهماً يكنصاحب السيارةفهو يبدو على عجلة كبيرة من أمرهأتراها حالة ما مستعجلة؟
وهبطت السلم الحلزوني بأسرع ما أمكنها ، وقلبها يخفق عالياً لتتحول بعده إلى السلم الرئيسيحيث أمكنها أن تزيد من سرعتها . وما أن وصلت إلىالدرجة الأخيرةحتىتصاعد رنين جرس البابوكان الصوت مفاجئاً لها ، ما جعلها تطلق صرخة صغيرةهتفت بعدها : " إنني قادمة . "واجتازت الصالة إلى البابوهي تكادتتعثرفي ركضها ، ومن ثم فتحته بعنف : "ما هذا........؟ "
ولم يعد بإمكانها أن تطلق أي كلمة أخرى ... لم تستطع حتى ولو دفعت لها ثروة بأكملها .. ذلك أن المشهد الذي بدا أمامها ما كان ليطرأ على مخيلتها ولو بعد ألف عام !
كان ستروم غالبريثواقفاًأمامها وقد أوشكت ملامحه على التفجر وكأنه ابتلع لتوه شحنة من الديناميت .
كان ممسكاً برقبة غلاميكاد يبلغه طولاً ... ذا وجه شاحبقذر يبدو عليه الغضب والتوعد. غلام تعرفههي جيداً ، غلام بإمكانهاأن تميزه في أي مكان ، إذ من غيرهيملك هذه القامة الشامخة ذات الأطراف الطويلة النحيلة ، وهذا الشعرذا اللون الفاحماللامع الميال إلى الاحمرار؟ من غيره يضع في شحمة أذنه اليسرى دبوساً ...ومن غيره يمكنه أن يختال زهواً بمثل هذا القميص القديم المقفل وهذه التنورةالجبلية السوداءالباليه المعلقة على وركيه النحيلين ، متأرجحة حول ساقيه القويتينالبارزتين العضلات؟ انه كيلتي دنبار ..... آهوحدثت نيرن نفسها بهلع عما كان يفعله هنا وقد سبق ورأته بنفسهايستقل الحافلة ، صباح أمس؟ ومنالمفروض أن يكون الآن في البحر في السفينة كوينز بونتي .....
وما الذي اقترفهيا ترى ليستحق هذه المعاملة التي يعامله بها ستروم غالبريث؟
فتحت نيرنالباب على مصراعيهوهي تشير إليهمابيدها بالدخول قائلة بصوت يخالطه الارتباك : " أدخلا ، لكيتوضحا الأمر . "
فدفع ستروم الغلام أمامه لاوياًذراعيه بغلظة وهو يقول له : " أدخل . " ورأت نيرن شفتيه تنطبقان بصرامةعندما أفلت كيلتي من يده ، ليتراجعمتعثراً نحو القنطرة المصنوعة من خشب السنديان ، والتي تسند سقف الصالة .
التفت إليها سترومبصوت يفور بالغضب : " نوضح الأمر؟ اسأليه هو أن يوضح ذلكهيا ، أذكر اسمك يافتى وإياكوأن تجرب علي ألاعيبك وإلا استدعيت الشرطة . "
وكانت عينا الغلام الرماديتان خاليتين من التعبير وهو يتجنب النظر إلى وجه سائلهبينماأخذ يتمتم بشيء غير مفهوم .
فصرخ به ستروم بحدة : " تكلم بصوت عال . "
فرد عليه الغلام بحدة : " دنبار . "ولم تعد عيناه الآن تتجنبان وجه سترومفقدكانتا على العكس ، مثبتتين علىوجهه وقد بان فيهما التمردوهو يتابعبوقاحة : " سومرليددنباروأصدقائي يدعونني كيلتي أما أنتفيمكنك أن دعوني سومرليد ."
وحملقت نيرن في الاثنين وهي تتساءل عمن يبدولها غريباً منهما . كانت تعرف كيلتي منذ ولادتهإذ كانت أمه من أعز صديقاتهاوعندما فقد والديه فاض قلبها بالحزن لأجلهولكنها لم تره أبداً من قبل بمثل هذه الوقاحة . أماستروم غالبريثفقد عرفته منذ حوالي أربع وعشرين ساعةومع هذا تراه وهي تنظر إليه الآن بوجهه الذي يعلوهالشحوب في هذه المواجهة المربكةبين الاثنينما جعلها تشعر بشيء من العطف نحوهكان يبدو كما لو كان مريضاً ، مريضاً حقاً .
فقالت : " هل لأحد منكما أن يخبرنيعما حدث؟ ما الذي تفعله هنا يا كيلتي؟ لماذا لست مع رفاقك؟ "
فأجابها بصوت خلا من الوقاحة : " كنت قد أخبرت السيد وبستر أنني أشعر بوعكة صحية وسألتهإن كان بإمكاني العودة ، فاتصل بكِ هاتفياً ليخبرك .... "
فقاطعته قائلة : " ولكنني لم أتلق أي مكالمة هاتفيةولم تكن هناك رسالة محفوظة في آلة تسجيلالمكالمات . "
فرأت الدم يتصاعد إلىوجههوهو يقول : " لقد محوتها من آلة تسجيل هاتفك ."
فهتفت به : " ماذا؟ومتى؟ ."
فأجاب : " لقد رأيتك تذهبين إلى المقبرة أمسعند ذلك دخلت إلى المنزلولم أكنأريد أن يعلم أحد بعودتي . "
ومضت لحظة طويلة كانت نيرن أثناءهاتحدق فيه صامتة وبعد أن استوعبتالأمر ملياً قالت له : " إذنفهوأنت الذي كان ... في الغرفة الصغيرة التي على السطح الليلة الفائتة؟ "
فنظر كيلتي إلى الأرض وهو يقول : " نعم . "
هزت نيرن رأسها ، ما الذي يحدث هنا؟ وحولت انتباهها إلى سترومغالبريثولكنهاعندما رأت التعبير الذي بدا على ملامحهتلاشىالسؤالمن بين شفتيهافقد جعلتهاالطريقة التي كان ينظر فيها إلى كيلتيتهتزبعنف ... ليسلأنهكان فقط ينظر إليه وإنما لأننظرته تلككانت تتفحصهبلهفة قريبة من الوحشيةكانت تتفحص وجهه ،تتفحصهبدقةوتركيزجعلت شعرها يقف .
كانيبدو وكأنه يبحث عن شيء ما ... شيء هو وراء ملامحكيلتي الظاهرةولكن مهما كانذلك الشيء الذي يبحث عنهفقد كان واضحاً من الغضبالذي كان يعلو وجهه ، انه لم يكن يريد رؤية ذلك الشيء ... آه لا بد أن هذا من تصوراتها ليس إلاأم أنها قد خرجت عن عقلها؟
وأخيراً ، أخذت نفساً عميقاًلتقول بعد ذلك بحزم: "سأكون شاكرة لك يا سيد غالبريث ، إن أخبرتني بدورك بهذا الأمر بأجمعه . "
ظنت في البدايةأنه لم يسمعها وأوشكت أن تعيد السؤال عندما حول نظراته بجهد واضح من الصبي إليها ودبت للحظة على وجهه مظاهر الحرج وكأنه نسي ما يدور حوله ، ليتلاشى بعد ذلك ، هذا التعبير تدريجياً وتبدو في عينيه نظرة باردة قاسية وقد عاد مرة أخرىمسيطراً على نفسهودفع يديه في جيبي بنطلونه بعنف وهو يقولبإيجاز : " عندما تركت هذا المنزلوجدت نفسي أفكر في ما حدث الليلة الماضية بالنسبةإلى تلك الضجة التي سمعتها أنتِوفي اختفاءمحفظتي هذا الصباحواستنتجتمن ذلكأنه قد يكون هناك شخص ثالث في المنزلففكرت في أنه من الأفضل أن أعود لأعلمك بالأمر ....."
فقالت : " وهكذا صممت على العودة . "
فقال : " بالضبطوما أن دخلت البوابةحتى رأيت ..... "
فتجهم وجه كيلتيوقاطعه ناظراً إلى نيرن : " رآني أتسلل خارجاًمن الباب الأمامي . "
وأخذيعبث بقدميه وهو يتابع قائلاً : " إنني آسف يا نيرن . "
فأخذت نيرن تتخلل شعرها بأصابعها دافعةإياهمن على جبينها وهي تقول : "ولكننيما زلت لا أفهم . هل كنت أنت من أخذ تلك المحفظة يا كيلتي؟ "
فقال : " لقد أخذتها ، ولكن فقط لكي ......" وسكت مقفلاً فمه بعناد وقد بدا عليه بجلاء أنه لن يفصح عن السبب الذي جعله يأخذ المحفظة .
فعادت تسأله : " ولكنك أعدتها دون أن يفقد منها شيء مما فيها من نقود أو بطاقات مصرفية....؟ "
هز رأسه ، وكان كل جوابه هو هزة من كتفيه .
ها قد وصلت إلى طريق مسدود . وتنهدت وهي تلتفت إلى ستروم تسأله : " هل تريد أن تتصل بالشرطة؟ "
فأجاب : " لا أدري ما الذي علي فعلهولكن من الواضحأنه ليس بمقدوركِ الأشرافعلى تنشئة هذا الغلام . لماذا تظنين أن بمقدوركِ التعامل مع الفتيان الثمانية .. وإدارةمزرعة خضراواتللتسويقهذا عدا عن إدارةنزل يمنحالسرير والفطور للنزلاءفي الصيف . إذاكنتِ تريديننصيحتي .. " وبانتفي لهجتهالسخريةوهو يتابع قائلاً: " بيعي هذا المكانالكبير وابحثيلنفسك عن شاب لطيف تتزوجينهثمتستقرين وتنشئين أسرة .. راجية أن يكون لك بنات صغيرات لا يسببن لك المشكلات . "
وهنا تلاشى من نفس نيرن كل العطفالذي كانت شعرت بهنحو هذا الرجل منذ لحظات ، وكأنه لم يكنوازدحمتعلى شفتيها كلمات الغضب والامتعاضولكن لأمر لم تستطع فهمه، استطاعتأنتكظمكل هذا . من الأفضل لها أن لا تتكلم مطلقاًكي لا تمنح هذا الرجلالشعور بالرضى للاستياء الذي سببه لها ، مفضلة على ذلك، النظر إليه بثبات منتظرة منه أن يخرج من المنزلولكنه لم يتحرك ، وبدلاً من ذلكرأت لوناً خفيفاًجداً يتصاعدإلىوجنتيه وسمعته يتنحنح مرة بعد مرة ثم ولحيرتهاالبالغة، قال بصوتيشوبه شيء من الحرج : " إنني أتساءل يا سيدة كامبلعما إذاكنتِ ترضين باستضافتي عدة أيام أخرى . "
ورأت نيرن نفسها تكاد تجن . هل هذا ما كان شعور ( أليس ) بطلةكتاب ، أليس في بلاد العجائب؟ الفضول ثم الفضول؟؟
لو لم يكن قد أخذها ، بسؤاله هذا على حين غرةولو لم تكن في أشد الحاجةللانفراد بكيلتيللتحدث إليه ، لولا ذلك ، لالتفتت إليه ببرودتخبرهبأنمن الأفضلنظراً لظروفهاالحاضرة، أنيرحلعن المنزلولكنها لم تفعل ، آه نعم ... لقد ابتسمت لهببرود فعلاً،
ولكنها عندما نظرت في عينيه الزرقاوين الكحيلتين اللتينأصبح لونهما قاتماً لشدة الانفعال ، وجدت نفسهاتقولوكأنها منومة مغناطيسياً : " لا بأس ."هل تراها قالتذلك حقاً؟ وحدثهاصوت خفي في داخلهابأنها تقترف غلطة كبرىولكنها تجاهلت هذا الصوت ، لماذا؟ لم يكنلديها فكرةمطلقاًعن السببوحولتبصرها عنه وهي تزدرد ريقها ، إلى الباب خلفهوهي تتابعقائلة : " إذا شئت، يمكنكأن تحضر أمتعتكمن السيارة وتصعد بها إلى الغرفةبينماأكون أنا قد جهزتالقهوةإنما امنحنيعشر دقائق من فضلك . "
هل تراه تنفس بارتياحفعلاً، أم هي مخيلتها صورت لها ذلك؟ لماذا أصبح بقاؤههنا مهماً بالنسبة إليه ، بهذه الصورة المفاجئة؟ وما لبثت نيرن أن أرغمت أفكارها على الابتعاد عنه . مهما كانت مشكلاته ، فهيلا تخص أحداً سواه . ذلك أن ثمة ما يجب أن تقوم به الآنوأول شيء هو أن تتحدث إلى كيلتي في أمر خاص .
أشاحت بوجهها عن ستروم ، لتضع يدها على ذراع الغلامقائلة : " تعال معي إلى المطبخيا كيلتي . "
إنها لمتمنح نفسها سوى عشردقائق فقط ، ولكنبإمكانهاأن تتحدثإليه أثناءها وتحاول أن تعلم ما الذيحدث . فهي لم تصدق أنه عاد بسبب وعكةأصابته ، إنما تعتقد أن ثمة سبباً جعلهيرفض الإبحارعلى السفينةلقد أرادأن يعود إلى البيت .
ولكن لماذا؟ وهل تراه سيخبرها؟
وأخذت تملأ إبريق القهوةبالماء البارد وهي تميل برأسها نحو الغلام ، تسأله: " هل تناولت شيئاً من الطعام هذا النهار؟ "
فأجاب : " كلا ، لم آكل شيئاً ."
فسألته : " هل أنت جائع؟ "
فأجاب : " نعم "
فقالت : " إذنفأنااقترح بأن تقوم بأمرين ، وذلك حالماتخبرنيبالضبط ماذا جرى . أما الأمران فهما ، أولاً : اذهب إلى بيتك وأطلب من عمتك آني أن تقدملك الإفطار . ثانياً : ماأن تنتهي من ذلكعليك أن تهذب إلى المستوصف وتطلبمن الدكتور كوغيلأن يفحصك ......"
فقاطعها قائلاً : " إن عمتي آني ليست في البيتلقد ذهبت إلى بلدة انفرنيسلتمكث مع صديقتها روبي . "
فتأوهت بفروغصبر وهي تفكر ، طبعاً لا بد أن آنيقد خططت لتأخذ عطلة أثناء ذهاب كيلتيفي رحلتهعلى تلك السفينة .
فتمتمت قائلة : " وأظن أن بيتها مقفل ولكن حتى لو استطعت الدخول ، فليس في إمكانكأن تبقى في البيت بمفردك على كل حال ...."
فسألها : " هل أستطيع البقاء هناإلى حين عودتها ؟ "
فأجابت رافعة حاجبيهاوهي تحمل بيدها إبريق القهوة : " هنا؟ ولم لا؟ يمكنكأنتستعمل إحدى غرف النزل . "
فقال : " هل يمكنني أن أنامفي غرفة السطح؟ "
أجابت : " غرفة السطح؟ كلاانك ستموت من البرد فيها. "
فقال : " ولكنني لم أمت من البرد البارحة . "
وبدت في عينيه نظرة هزل ماكرة، فلم تتمالك نفسها من الضحكوأجابت وهي تهز كتفيها : " كلا . انك لم تمت من البرد أليس كذلك؟ حسناًلم لا؟ ولكن عليك أن تتدبر أمر الفراشوسأعطيك مصباحاً وبعض الأغطيةإنما هنالك شرط واحد ..."
فسألها : " وما هو؟ "
أجابت : " لا أريدك أن تدخن يا كيلتيوإذاشئت أنتدخنفعليك أن تقوم بذلك خارج البيت . فأنا لا أسمح بذلك داخل المنزل . "
فقال : " كما تشائين . لا مشكلة في هذا . " ورفع تنورتهولكن ما أن تركهاحتى انحدرتمرة أخرى إلى وركيهوقال : " علي أن أعود إلى المدرسةما دمت قد عدت من الرحلة . "
فحاولت أن تخفي ابتسامتها وهيتجيبه قائلة : " أظنهذا هو المفروضولكن عليك أن تأكل شيئاً قبل ذلك هاك .." ووضعت على المائدة طبقاً عميقاًوملعقة وهي تقول : " ضع لنفسك بعض الحبوبالموجودةفي الخزانةمع الحليب وهو في الثلاجة . "
والآن ، حان الوقت لكي تسأله عن سبب عودته فقالت بصورة عفوية وهو يسكب الحليب : " والآن ، اخبرني ، ما الذي جعلك تلغيرحلتكعلى متن السفينة بونتي؟ كنت أظنك متشوقاً إلى هذه الرحلة . "
فدفع إناء الحليب إلى وسط المائدة ، ثم حنى رأسه فوقطبقه وهو يجيبها قائلاً : " إنني لا أريد أن أتحدث عن هذا الأمر يا نيرن انه ... شأني الخاص . "
فاستندت إلى منضدة خلفها وهي تنظر إلى الغلامبمزيج منالعطف والخيبة ، لقد عانىأكثرمما عانى أي غلامفي سنهوإذا كان لديه بعض المشكلات الآن فهو لا يريد أن يشاركه أحد في أمرهاوقد يكون هذا بالنسبة إليها هي على الأقل .
ومن خبرتها ، كانت تعرف الأوقاتالتي يمكنها بها الإلحاح أو عدم الإلحاحوهي الآن تعرف أن الإلحاح لن يأتي بفائدة.
وهكذا قالت برقة : " لا بأسولكن تذكرعندماتقرر في أي وقت أن تتحدث بالأمر فتذكر أنني هنا . وأي شيء تخبرني به سيبقى سراً إذا كان هذا ما تريده . "
فتمتم : " شكراً يا نيرن . "
كان قد التهم الطعام وكأنه لم يأكل منذ أسبوع ونهض واقفاً وهو يقول : " أتريدين أن أضع هذهفي ماكينة غسل الأطباق؟ "
فأجابت : " كلا ، بل ضعها في الحوضمن فضلك . إنما اسمع يا كيلتي ..."
فقال : " نعم ."
فقالت : " بالنسبة إلى محوك للمكالمة في آلة التسجيلفي الهاتف ....."
فتنهد قائلاً : " سأشتغلمقابل ذلك في عطلة الأسبوع القادمة من دون أجر . "
فقالت : " حسناً . "
استقام في وقفتهوهو يقول : " حسناً سأذهب الآن . "
سألته قائلة : " هل آخذ لك موعداً من الدكتوركوغيل؟ "
ورفعت حاجبيها ساخرة، فاحمر وجهه وهو يجيب : " كلالن أذهب إلى الطبيبوأناآسف لأنني كذبت على السيد وبستربالنسبة لهذا. إن صحتي حسنة جداًسأذهب إلى المدرسة الآن وسأراك فيما بعد . "
وما أن وصل كيلتي إلىالباب ، حتى ظهرستروم غالبريثعلى العتبةوما أن تجاوزأحدهما الآخر حتىألقى كيلتيعلىالرجلالغريب الأسمر نظرة جامدةبينما أظلمت ملامح ستروموظنت نيرنأنه سيقول شيئاًولكنهفقط أطبقفمه بقوة وهو يرمقالغلام المبتعد بعينين حادتين .
وبعد ذلك بلحظات ، سمعا صوت الباب الخارجي يصفق ولم تكن نيرن قد شعرت بأنهاتمسك أنفاسهاإلى أن رأت نفسها تتنفس ببطء ، ذلك أن الجوسرعانما يشحن بالتوتركلماجمعتهما غرفة معاً . كان توتراًقلقاً بقدر ما هو غامضمحيرماذا يمكن أن يكون السبب يا ترى؟
وسألت سترومببشاشةبينما كان يدخل المطبخ : " هل استقر بك المكان؟ "
فأجاب : " نعم أشكرك . "
فقالت : " دعني اسكب لك فنجاناً من القهوة . "وبينما كانت تقوم بذلك أخذ هو يذرع المطبخبخطوات قلقة ومرة أخرى داخلها الضيقما أشد الاختلافبينه وبين روري لقد كانزوجها رجلاً سهل المعشر هادئ الطبع . كان دوماًينجز العمل الذي يبدأ به ، وكان ينهيه دوماً دون أن يزعج أحداًكانت هذه موهبة فيه كما كانت تخبره على الدوام .
كانت موهبة يبدو بجلاء أن ستروم غالبريث هذا لا يملكها . لقد عرفت من الطريقةالتي عامل بها كيلتيأنه يواجه المشكلاترأساًويعامل أي شخص يعترض طريقه بكل غلظة وفظاظة .
ناولته فنجان القهوة ، ولكنها لم تتكلف عناء دعوته إلى الجلوس , لقد أحست بأنه اكثر قلقاً من أن يستجيب لهذا . كما أنها أحست أيضاًبأنه يريد أن يتحدث إليهاولكن في أي موضوع؟
قال فجأة : " أخبرينيعن ذلك الغلام . ما هو تاريخه؟ "
حسناً ، لقد تملكتها الدهشة في الواقع ، ذلك أنها منذ وقت قصير كانت تشعر بالأسى عندما رأته يفقد اهتمامه وهيتتحدث عن الفتيانالذين يعملون لديهاوهاهو ذاالآنيوجه إليها أسئلة عن واحد منهم .
فسكبت لنفسها فنجاناًمن القهوةأضافت إليهالسكروالحليب وأخذتتحركه قبل أن تتجه إلى المائدة حيث جلست واضعةيديهاحول الفنجانوهي تقول : " كيلتي؟ انه صبي لطيف ....."
فارتسمت على شفتيه ابتسامة عدم تصديق وهو يقاطعها قائلاً : " لطيف؟ لقد كنت استنتجت مما أخبرتني به أن الفتيان الذين يعملونمعك هم خارجين عن القانون ومن القليلالذي رأيته من سومرليدهذاأو كليتي أو مهما كان اسمه ...."
فقاطعته وهي ترغم نفسها على الهدوء : "قبل كل شيءنعمالفتيان الذين يعملونمعي في برواشكان لهم جميعاً مشكلات مع القانون .. ولكن ما عدا كيلتي فالأمر معه مختلف . "
فسألها : " من أي ناحية؟ "
فأجابت : " إن كيلتيهوأصغر سناً من أكثرهموهو يعمل هنامنذ وفاةوالديه فقط . "
وحدقت نيرنمن النافذةوهي تفكر بذهن شارد في أن كيلتي لا بد قد أطلق شادو إلى خارج المنزل . فقد كان الكلب الأسود متمدداً في الشمسعلى الطريق قرب سيارتهاالفانوتابعت تقول : "كان دوماًبمفرده . لم ينخرط قط مع المجموعةانه غير عادي ..."
وأطلقت ضحكة أسى قصيرةوهي تقول : " لا بد انك استنتجت هذا بنفسك من الطريقة التي يرتدي بها ثيابه . "
فقال : " معك حقبالنسبة إلى ذلك . فأنا لا يمكنني أن أتصور أنكثيرين من الغلمان الذين في سنهيشعرونبالارتياح لارتداء التنورة . "
فقالت : " عندما كان في الثالثة من عمرهتقريباً ، ابتدأتأمه هازيلتلبسه تنورةيوم الأحد وقد اعتاد الأطفال الذين يكبرونه سناً ، إغاظتهفأطلقواعليه لقب كيلتيومعناها ذو التنورة، وعندما ابتدأ بالذهاب إلى مدرسة غلينكريغ الابتدائية لم يعد يلبس التنورةمطلقاً ولكن اللقب التصق به . "
ووضعت نيرن فنجانها على المائدةثم أخذت تمر بإصبعها على حافته وهي تتابع مفكرة : " عندما أصبح في الحادية عشرة ذهب إلى مهرجان للكشافة في أدنبرةوعندما ذهب والداه ، هازيل و هوغليستقبلاهفي محطة القطار ، لم يعرفاه فقد استبدلبنطلونه الجينزبتلك التنورةالاسكتلنديةالسوداء .. وكانت في ذلك الحين تنزل إلى ما تحت ركبتيه .. كما كان صابغاً شعره بلون ارجواني كعادةسكان الجبالومنذ ذلك الحين أصبحتالتنورةدلالة عليه . "
وساد صمت في المطبخصمت طويل ، لم يخترقه سوى صوت دقاتساعةساحة غلينكريغ تدق الواحدة . وعندما تلاشى الصدى، وضع ستروم فنجانه من يده ثم مشى نحو النافذة ، فاستند بكتفه على الجدار ، ثم نظر إلى نيرن وهو يعقد ذراعيهفوق صدرهقائلاً : "لقد قلت إن والديه قدتوفيامن يعتني بالغلام الآن؟ "
استغربت شدة اهتمامه بهذا الغلام الذي سبق وعامله بعنفوبطريقة خاطئةفقالت تجيبه : " إن القريبة الوحيدةلكيلتي هي آني لو . وهي عمة أبيه ، وقد أصبحت قانونياًالوصية على الصبي بعد موت أبيه . "
وهزت رأسها متابعة : " مسكينة آنيفقد بقيت عازبة طيلة حياتها ما جعلها غير قادرةعلى التعامل مع كيلتيوهذا ما جعلني شريكة في الموضوع إذ طلبت مني أن أعطيه عملاًبعد الخروج من المدرسة وبهذا أتمكن من مراقبته . "
فقال وهو ينظر إليها بثبات : " يبدو أن علاقتك طيبة مع الغلام . "
فأجابت : " إنني أحبه فهو كما سبق و أخبرتكغلام لطيفولكنني قلقةعليه فهو بسكنه مع آني وعمله معي لا يجد فيحياتهرجلاً يسير على منواله . "
سألها : " وماذا عنه في المدرسة؟ "
فأجابت : " انه ذكي جداً ولكنه لا ينكب على دروسه ذلك أن له هواية و حيدةفي حياتهوهي ....."
وقطع عليها حديثها رنين جرس الهاتف ، فاستأذنت منه وهي تهرعلترفعالسماعةوجاءهاصوتكيلا يقول : " نيرن لقد نسيت أن انسخ من عندك تلك الوصفة التي كنا نتحدث عنها تلك الليلةهل عندك وقت لتعطيني إياها الآن؟ "
فأجابت : " طبعاً ، انتظري برهة لكي أحضر الدفتر . "
ووضعت السماعة وهي تقول ناظرة إلى ستروم : " إنني آسفةفسأتأخرفي المكالمة الهاتفية عدة دقائقهل ستخرج هذا الصباح؟ ."
فأجاب : " لقد فكرت في ذلك ، لأستكشف المكان . "
لماذا يريد رجل قادم من المدينةأن يطوفحول قرية إسكتلنديةصغيرة في أكثر أيام شهر شباط ( فبراير ) كآبة ، بينما بإمكانه أن يطير إلى الريفييراأو فلوريداأو جزر الباهاما؟ وجدت نيرن نفسها تتساءل عن ذلكولكنها ما لبثت أن تخلت عن هذه الأفكارفهذا شأنه .
أخرجت دفترهاومضت تقلبصفحاتهوهي تقول : " إنني في العادة ، أقدم لنزلائي السرير والفطور ولكن بما أنك بمفردكوأكثر أمكنةالسواح مقفلة في هذا الوقتمن السنة ، فإنني أرحب بأنتتناول طعامك معي فقط دعني أعرف مقدماً ما إذا كنت لن تتناول وجبتك هنا . "
فقال : " شكراً ولكنني اليوم بالذات سأغيب حتى الساعة الخامسة . "
ارتاحت نيرن في سرها ، لكنها ما لبثت أن أجفلتوهي تتساءل عن سبب ردة الفعل هذه نحوه ، وما لبثت أن أدركتالجواب ،ذلك أنها لم تقابل قط ، رجلاًسببلها مثلهذا القلقوذلك بمجرد وجوده ، كما أنها لم يسبق لهاأن شعرتقبلهقط ، بالاهتماموالانجذاب برجل ما ، ولميكن ذلكبسبب قامتهالفارعة وشعره الأسود وعينيه الزرقاوين ذات المشاعر القويةكان الذي يضايقها حقاً هو شيءأقلظهوراً .
وفجأة ، أنهت أفكار الطائشة لتقول : " هذا حسن . "
ومشت نحو الهاتف ، بينما رفع أنامله إلى جبهتهيحييها مودعاً وعلى شفتيه ابتسامة ملتوية جعلت نبض نيرن يرتفع بطريقة غريبة ما دفعها إلى التفكير بأن هذا الرجليجب أن يسجن في الطابق الأعلى ، ثم يلقى بالمفتاح بعيداً ... فقد كان رجلاً محطماً للقلوبلم تر له من قبل مثيلاً .
وحبست أنفاسها حتى سمعت الباب الخارجي يصفق خلفه لتتنهد عند ذاك وهي تلتقط السماعة قائلة : "هلما زالت على الخط يا كيلا؟ "
فأجابتشقيقتها قائلة : " هل أنتِ بخير يا نيرن؟ إن صوتك ليس كالمعتادهذا الصباح ."
وكذلك نيرن لم تشعر بنفسها كالمعتاد أيضاً ، فقالت : " لا بد أن الخط ليس على ما يرامإنني بخير تماماً . "
ولكن ضربات قلبها كانت تقرع كالمطارقما الذي حدث لها يا ترى؟كان جواب ذلك هناك في مكان ما من رأسها ... ولكنها بدلاً من أن تفكر في جذور المسألة نقلت ذهنها بسرعة من تلك المهمة إلى الأمر الذي بين يديها فقالت : " هل بيدك قلم يا كيلا؟ حسناًهاك الوصفة . "



الفصـــــــــل الرابع



عاد كيلتي من المدرسة في الساعة الرابعة ، فكلفته نيرن على الفور بتنظيم الغرفةالصغيرة على السطح . وبعد ذلك بفترة قصيرةنزل مطمئناً نيرن أنه لم يعد هناك خطر من انهيار الفراش بعد الآن .
قال : " لقد وضعت لوحين من الخشب تحت الفراش ما أصبح سقوطهبعد ذلكمستحيلاً ، وهو في الواقع مريح أكثر من ذلك الذي أنام فوقه عند العمة آني . "
فقالت نيرن : " هذا حسن . " وكانت تقف عندالحوض تقشر البطاطس . ثم توقفت لحظة ، لتستدير إليهقائلة : "بالمناسبة، ذهبت في الأسبوع الماضي لزيارة آنيفأرتني الصور الفوتوغرافيةالتي ألصقتها أنت على جدار غرفة نومكإنها رائعة تماماً . "
فقال : " شكراً يا نيرن . "
لم يكن في صوته تواضع زائف ، كما لاحظتوعدا عن لون خفيف ظهر على وجنتيه ، لميكن هناك دليل على أن إطراءها ترك أي تأثير عليه . وكان إطراؤهاصادقاً فقد كانت الصور الفوتوغرافية تمثل مناظر من قرية غلينكريغ . البحيرة والمناظرالتي تحيط بالجبال . وكان كل ذلك من الجمال بحيث احتبست أنفاسها وهي تنظر إليهاوتابعتتقول : " ولكن آني تقول انكتركت التصوير منذ أقمت معها لماذا يا كيلتي؟ "
فهز كتفيه وهو يحول عينيه عنها ويقول : " لقد فقدت اهتمامي فقط كما أظن ومن ناحية أخرى ، أنتِ تعلمين كم هو صغير منزل آني حتىأنني لا أجد فيه زاوية يمكنني استعمالها كغرفة مظلمة أظهر فيها أفلامي لهذا حزمتكل أمتعتي ووضعتها جانباً ."
فسألته : " بما في ذلك آلة التصوير أيضاً؟ "
فعبس وهو يعبث بقدميه قائلاً : " لقد بعتها "
فلم تتمكن نيرن من منع شهقة أفلتت منها وهي تقول : " بعتها؟ أوهيا كيلتي ... كيف أمكنك هذا؟ كانت والدتك قد أخبرتني كم تعب والدك في توفير ثمن تلك الآلة لقد ضحى بأشياء كثيرة ...."
وذهلت وهي ترى الدموع تتفجر من عيني كيلتي الذي رفع يده يمسحها بكمه بخشونة وهو يمر بها أثناءذلك دون أن يراها متابعاً قوله : " لا أريد أن أتحدث عن هذا الموضوع يا نيرن . "وتابعيقولبصوت مرتجف : " لقد فقدت اهتمامي بالتصوير .. ألاتفهمين؟ كان ذلك عملاً صبيانياً قد انتهيت منه . "
ودفع باب المطبخ وفي لحظات كانت تسمع خطواته صاعداً السلم نحو غرفتهالصغيرة ليكون بمفرده وشعرت بقلبها يتمزق لأجله . ما زال في نفسه أشياء لم يفصح عنها ، أشياء جعلته يتخلى عن هوايته في التصوير . أشياء شخصية عميقة لا بد أنها تركت في نفسه ألماً عميقاًماذا يمكن أن تكون هذه يا ترى؟ إنها طبعاً ليست عدم وجود مكانفي بيت آني يجعله غرفة مظلمة لتظهير الأفلاملقد كانت أحلامه أقوى كثيراً من أن يسمح لها بالتبدد بهذه السرعة .
وأجفلت حين سمعت صوت الباب الخارجي يغلقلا بد أنه ستروم غالبريثجاء ليتناول عشاءهوأسرعت بإنهاءتقشيرالبطاطس وكانت تمسك بآخر حبة منها عندما سمعت خطواته في الصالة .
بعد لحظة ، كان يدخل من الباب الذي كادت كتفاه العريضتانتملأنهوما أن تقدم مقترباً منها ، حتى شعرت برغمها ، بالجو حولها يمتلئبالحيويةوالنشاط اللذين يشعان منه .
وقال يخاطبها : "إنها رائحة شهية . "
فأجابت : " انه حساء العدس . " وأسقطت البطاطس في إناء على النارتغلي فيه المياهوهي تتابع قائلة ببساطة : "أليأين ذهبت هذا العصر؟ "
فأجاب وهو يقف في وسط المطبخ دون هدف : " آه ، هنا وهناك . "
ولاحظت نيرن أن هناك دلائل على مشاعر الرجل في نفسه ، هي فوق مستوى إدراكه وذلك في ما يتعلقبميدان المرأة ، فحاولت أن تعامله كما تعامل أي فتى من أولئك الذين ترعاهم ، فقالت وهي تناوله ملعقة طويلة اليد : "هيا تقدمواجعل من نفسك شخصاً ذا فائدة وحرك هذا الحساء . "
لم يكن الحساء بحاجة إلى تحريك .... ولكنه لن يعرف ذلك أبداًلقد عرفت ذلك عندما دخل في إحدى المرات أحد الفتيان المطبخ ليقف دون هدفلقد أراد أن يكون بقرب امرأة ولكنه لم يكن يدرك ذلك في أعماقهوسرعان ما اكتشفت هي أن في إعطائه عملاً يقوم به يجعله أكثر راحةفهل يمكن أن يفيد هذا رجلاً منعزلاً كئيباً مثل هذا الرجل؟
وعندما أخذ الملعقة منها اشتمت منه رائحة تبغ خفيفة فقالت بفتور : " آه لقد كنت إذن في مقهى رويال تتحدث إلى المواطنين . "
فانحدرت نظراته إليها ولأول مرة شاهدت عينيه تبتسمان وهو يقول لها : " هل هي خطيئةيا سيدتي؟ "
كان يقف أكثر قرباً منها مما أرادته أن يكون حين ناولته الملعقة وشعرت بالضيق لهذا ، وهذا جعلها تتراجع قليلاً إلى الخلفوهي تحول الحديث قائلة : " لقداعتاد روري أن يقوم بذلك أحياناً فيجلسقليلاً في مقهى رويال وهو في طريقه إلى المنزل حين يذهب إلى المحطة ليرسل الخضر إلىلندنفي قطار بعد الظهر . "
وساورهاالآن شعور بالارتياح وهي تضع روري بينهما ، وذلك لتقطع الطريق على تلك الأحاسيس التي تتفاعل بينها وبين هذا الرجلالغريب وتابعت تقول بمرح وهي تتابع تقشير حبة البطاطس : " إن يدك رشيقة في تحريك الحساء ولا بد أن لك بعض الخبرة في ذلكهل أنت متزوج؟ "
وشعرت بالغضب من نفسهاهل بعد كل تلميحاته وتعريضه بها الليلة الماضية ، تأتي الآن لتضع نفسها موضع الريبة مرة أخرى وذلك بإلقائها سؤالاً كهذا يمكنه أن يفسره برغبتها في أن تعرف ما إذا كان حراً في حياته؟
ولكنها ما لبثت أن شعرت بالارتياحوهي تراهيأخذ سؤالها هذابنفسالبراءةالتي ألقتهابها ،فيجيبقائلاً وهو يتابع تحريك الحساء : " كلا لست متزوجاً ولم أتزوجقط .. وليس من المحتمل أن أتزوج وأخشى أنني مرشح ضعيف لمؤسسة الزواج المقدسة تلك .. "
فسألته : " ولماذا تظن ذلك؟ "
فأجاب بحدة : " لأننيفي كل مرةتبتعد فيها تلك المرأة المسكينة عن أنظاريسأظن أنها ذهبت لملاقاة صديقأيأساس يمكن أن يكون لهذا الزواج؟ "
فقالت له بعدمتصديق واضح: " هل أنت من النوع الغيور؟آسفةلعدمتصديقي هذا . "
فأجاب : " لالست من النوع الغيوروإنما من النوع الساخر! . "
فقالت : " الساخر؟و كأنك .... "
فقاطعها قائلاً : " وكأنني لم أقابل بعد امرأة تستحق ثقتي . "
إذن هذا يفسر كل شيءلا بد أن هذا الرجل كانت له خبرة سيئة مع إحدى النساء وربما مع أكثر من واحدة ، هذا إذا اعتبرنا سخريته القاسية تلك . فهل يمكن أن يكون هذا هو سبب تجهمه ذاك وهو يتفرج على المشهد السعيدالذي كان يدوربين كيلا وأسرتها في غرفة الجلوس مساء أمس؟
وقال بسخرية رقيقة : " لا أراك أسرعت إلى الدفاععن بنات جنسك؟ "
فنظرت إليهبهدوء وهي تجيبهقائلة : " كلا فأنا لا يمكنني أن أتحدث عن أي امرأةأخرىغير نفسي ولكنني آسفة لما نالك من سوء الحظ في ....."
فضحك هازئاً وهو يقاطعها قائلاً : " سوء الحظ؟ ليس للحظ شأن في هذا الأمرلقد كانت المرأة التي عرفتها قاسية متحايلة تعرف اثنين في وقت واحدالخلاصة أنها كانت فتاة سافلة . "
استدارت نيرن وهي تسمع صوت كيلتيخلفها ، كان واقفاً عند الباب وعندمالاحظت الشحوب الذي يعلو وجهه وتوتر ملامحه شعرت بالفزع يتملكها .
لم يكن ينظر إليهابل إلى ستروم محدقاً فيه وقد بان في عينيه مزيج من الغضب والتعاسة والفوضى. وبحركة لا إرادية اقتربت نيرن منه عدة خطوات ولكنه تراجع إلى الخلف ليصبح في الصالة مرة أخرى ثم قال بصوت مرتجف : " سأخرج الآن لقد أنهيت فروض المدرسة وسأعود في العاشرة . "
فهتفت : " كيلتي ...." ولكنه كان قد خرج قبل أن تستطيع إيقافه ليصفق الباب الخارجيخلفه بعنفتجاوبت معه أرجاء المنزل . وتساءلت بخوف عما قد يكون حدث للغلام . لم ترهمن قبل يتصرف بمثل هذه الغرابة كانت متأكدة من أن الأمر لا يتعلق بها هي ، إذنفلا بد من أن يكون الأمرمتعلقاًبستروم غالبريث.
ولكنه لم يسبق له أن قابل هذا الرجل قبل الآن فهل يمكن أن يكون هذا الغريب قد قام بعمل جعل الغلام يستاء إلىهذا الحد؟
لقد رآهطبعاً وهو يتسلل من البيت هذا الصباح ولكن كيلتيعلم تماماً أنه كان هو المخطئ في تصرفه ذلك الحينكما أنها كانت تعرف أنه ليس من الأشخاص الذين يحقدون كلالا بد أن هناك شيئاً آخر يحمله على هذا التصرف .
وبطبيعة الحال ، كان أسهل شيء هو أن تسأل ستروم مباشرة عما فعله ليسبب عند الغلام ردة الفعل هذه ولكن غريزتهاأوحت إليها بأنه مهما كان يوجد بين الاثنين فلا بد أنه شيء لا يريد أي منهما أن يخبرها عنه .
وتنهدت وهي تعود إلى المطبخ ذلك أنها طيلة الثمانية أعوام الماضية قد تمكنت من إقامة علاقات طيبة مع الفتيان الذين كانت ترعاهم ، ولكن الأمر مع كيلتي كان مختلفاًفقد كانت متعلقة جداً بالغلام وربما بطبيعة الحال ، لأنها كانت صديقة حميمة لوالدته ولأنها كانت تعرف كيلتي منذ يوم ولادته ....
سألها ستروم فجأة : " بماذا تفكرين؟ "
فأجابت وهي تسير نحو الموقد : " آهلقد كنت أفكر في اليوم الذي ولد فيه كيلتي ." وجذبتإناء البطاطس جانباًفخمد صوت غليان الماء وهي تتابع قائلة : " لقد ولد قبل أوانه بشهرولكن وزنه مع هذا كان أكثر من أربعة كيلو غراماتكماكان طفلاً نهماً يزمجر على الدوامإنني أذكر قول والده ( حسناً لقد أقبل علينا كالأسد أليس كذلك؟ )لقد كانت ولادته أول يوم في آذار ( مارس ) وذكرى مولدهأصبح قريباً جداً .... "
فسألها : " كم سيصبح عمره؟ "
فأجابت : " خمسة عشر عاماً ، انه يبدو أكبر من سنه لطول قامته ومتانة بنيته . "
فعاد يسألها : " هل قلت انه ولد قبل الأوان؟ "
فأجابت : " لقد كان هوغ غائباً في رحلة صيد لمدة شهرين أو نحو ذلك وقد تزوجا هو و هازيل بعد رجوعه بفترة قصيرةلقد كانت آني هي القابلة التي استقبلتهإنني أذكر إصرارها على أنه طفل كامل النمو ولكنها كانت قد تقدمت في السنوفي الواقعكان كيلتي هو آخرطفل استقبلته قبل أن تتقاعد وكانتمخطئة في تقديرها بطبيعة الحال ، إذ لا يمكن أن يكون طفلاً كاملالنمولأنهوغ كان في رحلة الصيد طوال شهر أيار ( مايو ) ومعظم شهر حزيران ( يونيو) ....
فقال ستروم وهويلوي شفتيه تهكماً : " أتعنين أن الطفل إذا كان قد جاء في أوانه فان هوغلا يمكن أنيكون والده حقاً؟ "
فأجابت بذهن شارد وهي تخرج من الدرج بعضأدوات المائدة : " بالضبط وبالطبع لا يمكن لهذا أن يكون صحيحاً . "
فقال : " ولم لا؟"
كان في صوت ستروم شيء ما ، برود هادئ أرسل قشعريرة في جسد نيرنفنظرت إليه متسائلة وقد أدهشتها أن ترى تلك النظرة القاسية الهازئة في عينيه .
وسألته بصوت يحتوي على نوع من الدفاع : " لم لا؟لأن هازيللمتكنمنذلك النوع من الفتيات! وكانت تخرجمع هوغمنذ أيام الدراسةفقد كانت موعودة به."
فسألها : " موعودة به؟ "
فأجابت : " نعم . "
قال: " انهما لم يكونا خطيبين إذن . "
فأجابت : " كلا لم يكونا خطيبين لم يكن لدى هازيل خاتم خطبة ولكن كل شخص كان يعلم أن زواجهماما هو إلا مسألة وقت فقط . "
وتساءلت عما يجعله يهتم بكيلتي ولماذا يهتم بهازيلوتبادرت إلىذاكرتها ذكرى أول مرة رأته فيهاوكانواقفاًيحدق في قبر هازيللقد ظنت حينذاك أنه يقول شيئاً وعندما اقتربت منهكانت الكآبةوالمرارة تكسوان ملامحه ، هذا إلى شيء آخر لم تستطع إدراكه حينذاكولكنها أدركته الآنوهيترىنفس النظرة في عينيه كانت نظرة احتقار . ولكنها عندما سألته عند ذلك عما إذا كان يعرف هازيل أنكر الأمر . على أنها عادت تصحح لنفسها قائلة ، كلا انه لم ينكر الأمر إنماغير الموضوع فقطوبدقة فائقةإذأنه هز كتفيه قائلاً انه مهتم بالمقابر القديمة.
واهتز قلب نيرنوالحقيقة تنبلجأمام بصيرتها فجأة ... هذا الرجل كان يعرف هازيل! أو أنه على الأقل كان يعلم عنها أمراً ماولسبب ما كانيكرهها .
وشعرت نيرن وكأن شخصاً ضربها على رأسها ، فاصعقها . أي ذكرى من الماضي يراود هذا الغريبالغامض ، ولماذا؟ وإذاكان هذا يسبب له كل هذا الألمفما الذي جعله يعود ليعرض نفسه لذلك؟
وأخرجت شوكة من الدرج تختبر بها نضج البطاطس ، دون أن تعي ما تفعل وكانت هذه ناضجة تماماًفتمتمت تقول : " العفو . "وهي تمر من أمامه إلىحوض الغسيل لتصفي الخضر من مائها.
لم تعرف سبب مجيئه إلىغلينكريغ حتى أنه لا يمكنها التكهن به ولكن مجيئه قد سبب إزعاجاً ، كان كالحجر يلقى وسطمياه بحيرة هادئة ، وبصرف النظر عن نعومة الحجروهدوء البحيرة فان التموجسيحدث ولن تعود إلى البحيرة هدوءها مرة أخرى إلى أن تتلاشى آخر موجة .
أوفي هذه الحالة حتىيعود ستروم غالبريث إلىبلده .
وسألته : " من أين أقبلت يا سيد غالبريث؟ "
فأجاب : " من لندن عندي شقة هناك . "
فعادت تسأله وهي تملأ إبريق القهوةبالماء : " أي نوع من العمل تقوم به؟ "
فأجاب : "البناء . "
فسألته وهي تمد يدها تتناول مناشف قطنية ملونة من على منضدةبجانبها : " هل تبني بيوتاً أم تقيمإنشاءاتتجارية؟ "
فأجاب : " إنني أشيد مساكن في أنحاء العالم .. لأجل أنصار الرياضة مثلاً وخاصة متسلقي الجبال وشركتي تدعى أكواخ قمم الجبال . "
فجمدت يد نيرن وهي تحمل المناشف ثم سألته : " أكواخ قمم الجبال؟ إنلهذه الشركة أملاكاً مجاورة لمنزلي هذا ... تبلغحوالي المائةفدان ."
وحدقت فيه وهي تتابع قائلة : " هل أنت صاحبها؟ هل أنت صاحب أكواخ قمم الجبال؟ "
فأجاب : " نعم يا سيدة كامبل . "
فقالت : " آهأتمنىأنتكف من مناداتي سيدة كامبل إن كل إنسان يدعوني نيرن يا سيد غالبريث ..."
فقاطعها مازحاً : " ستروم . "
فقالت : " ستروم ... لماذا كنت متمسكاً بتلك الأملاك؟ إن الأرض مهملة لا تستغل منذ ... آه لا بد أن ذلك منذ خمسة عشر عاماً . "
فرفع حاجبيه ساخراً وهو يسألها : " وما الذي يهمك من هذا؟ "
فتنفست نيرن بعمق ثم قالت : " لأنني أنا و روري حاولنا أن نشتري منها خمسة فدادين منذ عدة أعوام من خلال المحامي الذي نتعامل معه ،ولكن المحامي المسؤول عن أكواخ قمم الجبال ، محاميك ، أخبرنا أن الأرض ليست للبيع . "
فسألها : " هل كنتِ تريدين أن تشتري قسماً من كريجند؟ طبعاً ليس لأجل بناء بيت ريفي لأن هذه الأرض عبارة عن صخور متراكمة وسقوف متآكلة . "
فقالت : " كلا ، ليس لأجل بناء بيت ريفيفهي قذى للعين ينبغيأن تجرف وتسوى ولكن موقعها رائع ....إذأنهاتشرف على الوادي والبحيرة ، كلاكنانريد الأرض فقط . "
فسألها : " وماذا كنتما تريدان أن تفعلا بها؟ "
فأجابت : " كنانريد أن نخصص قسماً منهاقرب الطريق كمركز للمراهقين ، أما البقيةفقد كنا نريد أن نزرعهابشجرالتوت . "
قال : " آه ."
فسألته بهدوء : " وأنت؟ ماذا كانت خططك بشأنهاعندما اشتريتها؟ لأنني متأكدة من أن رجل أعمال ناجح مثلك كما هو ظاهر ما كان ليشتري أملاكاً دون هدف . "
فأجاب : " كنت قد خططت في ذلك الوقت لبناء مساكن لمتسلقيالجبال . "
فقطبتنيرن حاجبيها قليلاً وهي تفكر في قوله ذاك ثم سألته : " مساكن لمتسلقي الجبال قرب نزل برواش مباشرة؟ "
فقطع عليها أفكارهاقائلاً : " هل أرى من ردة فعلك عدم استحسانك لهذا؟ "
فسكتتعدةلحظاتقبلأن تجيب و عندما تكلمتقالتمفكرةبصوتهادئ : " كلاأظن هذا سيكون في مصلحة غلينكريغ من نواحكثيرةفسيكون هناكأعمالاً كثيرة في هذا الوقت الذي أصبحالعمل فيه شيئاً نادراً ..كما هو الآن ولكن ..."
فقال : " آه نعم . دائماً هناك ( ولكن ) هذه .... "
فقالت : " حسناً إننياكره أن أرى منشآت عصرية في هذا المكان إنني سأتألم عندما أرى ما يفسد جمال قرية غلينكريغ الطبيعي . "
فقال : " إنني لا أفسد الأشياء الجميلة يا نيرن . "
نطق بهذه الكلمات ببساطة وإنما بحزم وهذاجعلها تنظر في عينيه . كان ينظر إليها ولأول مرة ترى عينيهصافيتين صريحتين وهو يكررقوله : " إنني لا افسد الأشياء . " كانت لهجتههذه المرة أكثر رقةوشعرت بأنفاسها تحتبس وهي ترى تحديقه في وجهها بينما عاد هو يتمتم قائلاً : " خصوصاًالأشياء الجميلة . "
لم تتحرك في مكانها وقد أدركت ماذا يعني .وعندما نهض من مكانه متقدماً نحوها رن جرس البابفقفزت من مكانها قائلة : " دعني أرىمن في الباب . "واستطاعتبشكل ما أن تفلت من نظراته ، لم تنظر إلى الخلف وهي هاربةكان كل ما تريده هو أن تبتعد عنه قبل أن تدفعها الحماقة إلى ارتكاب ما تندم عليه .
وقفت أمام الباب لحظات تسوي من شعرها و تحاول التقاط أنفاسها . وأطلقت آهةقصيرة سرعان ما أخمدها رنين جرس الباب مرة ثانية . وازدردت ريقها بصعوبة وهي تتظاهر بالهدوء ثم فتحت الباب .
كان القادم رجلاً نحيلاً أشقر الشعر وكان يبتسم لهامحيياً وهو يقول : " آه نيرن إنني مسرور لوجودك في المنزل . "
فقالت بدهشة : " أهلاًبك يا دكتور كوغيل تفضل بالدخول . "
وأشارتإلى القاعة . ما الذي يريده يا ترى؟فهي لم تطلب إليه الحضور .. وأطلقت ضحكة عصبية وهي تسأله قائلة : " أتريدني أن آخذ معطفك؟ "
فخلع سترته المصنوعةمن فروة الخروف ، وناولها إياها شاكراً منتظراًريثما علقتها في الخزانةثم التفتت إليه قائلة : " فلنذهب إلى غرفة الجلوس . "
ومشت أمامه وهي تغتنم هذه الفرصة لتعيد تنفسها إلى طبيعته ... وتبعد أفكارها عن ذلك الرجل المزعج في المطبخ .
وبعد أن جلسا إلى جانب المدفأة المضطرمة قالت له : " والآن أيخدمة تطلبها مني؟ "
فأجاب : " لقدتلقيت للتو مكالمة من انفرنيس من آني لو . لقد أصيبت بأزمة صحية وقد أخذت إلى مستشفى ريغمور . "
فهتفت نيرن وهي تنحني إلى الأمامبقلق : " أوه ، إنني جداً آسفة هل ستكون بخير؟"
فأجاب : "نعم ستصبح بخير ولكنني لا أظنها ستعود إلىمنزلها فيغلينكريغلقد تحدثت مع الطبيب الذيعالجها فقال إنهالن تستطيع العناية بنفسها بعد الآن وهو سيبقيها في المستشفى عدة أيام ، لكي تنال قسطاً كاملاً من الراحةثم بعد ذلكيرسلها إلى دار المسنين . انكِ تعرفينطبعاً انه كان عليها أن تدخل الدار منذ سنواتفهي قد قاربت التسعين من عمرها . "
فقالت : " ألم تقدم طلباً لحجز غرفة لها في الدار منذ سنة؟ أذكر أنهمأعطوها غرفة؟"
فأجاب : " نعمولكن بعد وفاة هوغ و هازيل، كان عليها أن تعتني بكيلتيفألغت الحجزوقد حاولت أنا في ذلك الحينأن أجنبها تلك الوصاية على الصبيولكن كان البديل لذلك أن يرسل كيلتي إلى دار رعاية الأطفالفلم تقبل هي بذلكوطبعاًالعنايةبغلام مراهق لامرأة في سنها هو أكثر مما يمكنها احتماله . "
فقالت : " طبعاً إن دار المسنين سيكون أفضل مكان لهاولكن ماذا سيحدث لكيلتي الآن؟ فهو ليس لديه من يرعاه ؟آه كم أتمنىلو أستطيع مد يد العونله بطريقة ما.."
فتنحنح الطبيب ثم قال : " إنلدي فكرةيا نيرن ... وأنا لا أريد منك أن تعطيني جواباًالآنلأننيأعلمأنهذاالأمر يتطلب منك تفكيراً طويلاً ... ولكن ..."
وتردد..... وتساءلت هي عما يمكن أن يطلبه منها .......فقالت تستحثهأن يتابع كلامه : "انكتعلمأننيأفعلأيشيءلأجلكيلتيفهوفتى رائع ومن أفضل الفتيان ."
فوقف الطبيب ووضع يديه في جيبي بنطلونهمحدقاًفي نيرن بنظرة ثابتة طويلة من خلف نظارتيه ثمرأت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يقول برقة : " عزيزتينيرن إنني أدرك تماماً مقدار الوحدة التي تعانيهامنذ وفاةروري ومع أنني أعلم كم شغلت نفسك بالعمل ، ومقدار حب والديك وأختك وزوجها لك .. فهذا كله ليس كما لو كان لديك شخص يخصكأما ما أريد أن أقولدون أن أعرف كيف أتطرق إلى الأمر بلباقةهو .... هلا فكرت في حضانة الغلام؟ "
وأخذت نيرن تذرع غرفة الجلوس في الساعة العاشرةإلا خمس دقائق في انتظار عودة كيلتي ونظرت إلى الساعة الموضوعة على رف المدفأة للمرة العشرينكان الدكتوركوغيلقد تركها لتخبر الغلام بما حدث لعمته آني وعندما أخبرته بأن الغلام كان قد أقبل ليقيم عندها ، اتفقا على أنأفضل شيء يقومان به هو أن يتركاه حيث هو إلى أن يتقرر كل شيء .
ولكن ، ماذاكانت ستقرر هي؟ كانت تتساءل بقلق عن ذلك وهي تسير نحو النافذة العريضة تنظر منها وأزاحت الستارة الورديةالثقيلة حيث أخذت تنظر إلى الظلام فيالخارج .
منذ أدلى الدكتور كوغيل باقتراحه هذا لم تستطع نيرن أن تفكر في أي شيء آخرلقد عادت إلى المطبخ حيث تبادلت أحاديث عادية مع ستروم وهما يتناولان العشاء كانت أثناءها شاردة الذهنومن حسن حظها أنه وقف بعد تناوله الفنجان الثاني من القهوةقائلاً بأنه سيخرج ليتمشى قليلاً .
أما الأسئلة التي كانت تلح عليهاقبلفترة عن سبب وجود هذا الرجل في قرية غلينكريغ هذه ونوع صلته بهازيل ، ولماذا لم يشأ أن يبيع كريجند ... كل هذه الأسئلة قد أصبحت تافهة أمام تركيز أفكارهاعلى اقتراح الدكتور ذاك .
وتصاعدت خفاقات قلبها وهي تسمع صوت الباب الخارجي يفتح ثم يغلقفأسرعت إلىباب غرفة الجلوس وفتحته لترى أن القادم كان كيلتي كما توقعت .
قالت له باسمة : "أدخل إلى هنا لقد كنت بانتظارك. "
فقال : " إنني لمأتأخر يا نيرن أليس كـــــــــــذلك؟ "
ولم يكن يرتدي سترة فوق تنورته السوداءوقميصه المقفلومع ذلك لم يكن يبدو عليه أنه يشعر بالبردفانحنى يخلع حذاءه ، وعندما دخل إلى غرفة الجلوسلم تحدث قدماهالمرتدتين جورباً ، صوتاًعلى السجادةوعبقتفيأنفهارائحةتبغتفوح منه.
وقالت تسأله : " أتريد كوباً من الحليب؟ "
فقال لها : " كلا أشكرك لقد تناولت لتوي كوباً من الكاكاو. "
وبينماجلست نيرن على ذراع الأريكة ، جلس هو على كرسي ذي ذراعينوقد مد ساقيه أمامه و تنورته على ركبتيه واضعاً يديه على فخذيه ثم سألها : " هل أردتِ أن تتحدثي إلى عن شيء ما؟ "
فأجابت : " نعم . "
ذلك أنها عندما التقتعيناها بعينيه الصريحتين الذكيتين ، فكرت بأن لا فائدة من المداورة حول الموضوعولأفضل أن تبدأ بإخباره بالأسوأ ومن ثم تنتهي من الأمروتابعت تقول : " لقد جاء إلى هنا الدكتور كوغيل عند العشاء . لقد أصيبت عمتك آني بنوبةوأخذوها إلى مستشفى ريغمور . "
فقفز كيلتي واقفاً وهو يقول : " أتراها ستشفى؟ "
كان يزدرد ريقهبصعوبةبينما تصاعد الاحمرار إلى وجنتيهوتابع يقول : " أيمكننا الذهاب لرؤيتها؟ "
فأجابت : " إنهاستشفى . "
وكان صوتها مطمئناً قدر استطاعتهاوتابعت تقول: "ولكن ليس بإمكاننا رؤيتها قبل بضعة أيام إذ أنه من المفروض أن تنال راحة كاملة ثم يعيدونها بعد ذلك بسيارة الإسعاف ... "
فقال : "إذن ، علي أن أذهب قبل ذلك إلىبيتها ، إننيأريدأن أطمئن إلىأنكل شيء في البيتعلى ما يرام قبل عودتها . علي أن اشتري شيئاً من الخبز والحليب والــ .... "
فقاطعته قائلة : " انك لن تعتني بها يا كيلتي ، فهم سيأخذونها إلى دار المسنين . "
وساد صمت،أخذ الغلام أثناءهيستوعب هذه المعلوماتوما أن أوشكت على الكلام مرة أخرى ، حتى رأت كتفيه المتصلبتين تسترخيان قليلاً ، ثم يقول بهدوء : "إن هذا حسن . أعني أن تجد مكاناً في دار المسنين . "
ونظر إلىنار المدفأة . ورأت نيرن الدموع تتألق في عينيهوهو يتابع قائلاً : " لقد كانمن الكثير عليها أن تعتني بي ولكنها لم تكن تستمع ألي والآن ستجد هي من يعتني بها. "
وتدفقت مشاعر نيرن . كان واضحاًأنه لم يفكر مقدار ذرة في مأزقه هوفي أن تغيير وضع عمته يعني تغييروضعههو أيضاًوهو تغير قد يؤدي إلى انقلاب عنيف آخر في حياته .
وعندما نظرت إليه ، وإلى الشجاعة التي أراد أن يظهرها في طريقته الشاذة في ملابسه وإلى الضعف الصبيانيفيوجه الفتي الذي كان يظهر عليه الآن بجلاءمظاهر الألمالذي عاناه في حياته عند ذلك عرفت ما عليها أن تفعل عرفت ماذا تريدأن تفعل .
وما أن قررتأمرها ، حتى شعرت بعبء ثقيل ينزاح عنقلبهاوشعرت بارتياح لم تشعر به منذ شهور كثيرة . وقفت تنظر إليه وهي تشبك يديها معاً بشدةودهشت وهي ترى راحتيها تنضحان عرقاًولكنها تساءلت عن الغرابة في ذلك ... وهل في كل يوم تتخذ المرأة قراراً خطيراً مثل هذا؟ ولكنماذا سيكون رأي كيلتي في ذلك؟
رفع كيلتيتنورتهإلى خصره وهو يقول : " أظن من الأفضل أن أذهب إلى سريري يا نيرن . "
ولكنالتنورةسرعان ما انزلقتإلى وركيهمرة أخرىوتابع يقول : " بالمناسبة لقد قررت الكف عن التدخينإنني أعرف أنكِ لا تحبينهوأنا لا أريدك أن تقلقيخوفاً من أنأشعل النار في برواشوقد رميت آخر سيكارةخارجاًقبل دخولي ."
فقالت : "ما رأيك في البقاءهنايا كيلتي؟ "
وحالما انطلقت الكلمات من فمهاشعرت نيرن بأن الغلام قد انتابهالتوتر مرة أخرىفتابعت تقول : "وأنا لا أعني أن تبقىفي الغرفة الصغيرةعلى السطحولو أن لا بأسبها مؤقتاً ما دمت تريد ذلك، كلا بل أعنيأن تعيش هنا في برواش ما دامت عمتك آني ستدخلدار المسنين . "
فسألها قائلاً وقد بدا الحذر في عينيه : " هل تعنين بصفة دائمة؟ مثل ... أحد المستأجرين عندك؟"
فضحكت بصوت مرتجف وهي تقول : " كلا ، آه .... "
ما كان لها أن تضحك فقد تجمدت عيناالغلام كما تصلب جسمهفقد ظن أنه نطق بحماقة ما أو بدا وقحاًوبسرعةتابعتتقول : " إن دكتور كوغيل يرى أن فكرةالحضانة هي فكرة حسنةوهذا أفضل من إرسالك إلى دار العنايةإن بإمكانكأن تعيش معي وسيكون ذلكبإجراء قانوني ، فيكون كل شيء شرعياً ..."
فانحنى وأخذ يسوي ثنية جوربيه ومع سرعته في الحركة فقد تمكنتنيرن من أن ترى اللمعان في عينيه فلم تدهش وهي تراه يقف منتصباً وهو يقول : " هل فكرتِ في الأمر يا نيرن؟ هل هذا ما تريدينه أنتِ حقاً؟ "
فأجابت باسمة : " نعم ."
كانت تعلم بأنها قد صنعت القرار الصحيح وتابعت تقول : " هل تظن أن بإمكاننا القيام بالتجربة؟ "
وقبل أنيجيب تناهى إلىمسامعهما صوت فتح الباب الخارجي يقتحم فيض المشاعرالتي شملتهماورأت عينيه تغيمان ويتصلب ظهره . ما أسوأ هذا التوقيتوداخلت نيرن الخيبة . لماذا لم يبق ستروم غالبريث في الخارج عشر دقائق أخرى؟ ربما سيصعد إلى غرفته مباشرة ...
ولكنه لم يفعلوبينما كانت وكيلتي واقفين يستمعان ، فتح باب غرفة الجلوس ودخل منه ستروم وبدا عليه عدم الانتباه إلى التوتر الذي كان يسود الجو وهو يسير مباشرةنحو المدفأةقائلاً : "إنهاليلة باردة حتى بالنسبة إلى شهر شباط ( فبراير)"
قال كيلتي : " إنني صاعد إلى غرفتي يا نيرن وشكراً لإخباري عن عمتي . " وألقى نظرة قصيرة على سترومقبل أن يستدير مرة أخرى إلى نيرن قائلاً : " وبالنسبة إلى ما كنا نتحدث عنه ، أظنها فكرة عظيمة وليس عندي خيار آخر ، أليس كذلك؟ وبعد أن مات أمي و أبي ودخلت عمتي الدار لم يبق لي أقرباءليعتنوا بيوسأشعر بالفخر إذا اعتبرتني بمثابة ولدك . "
ولأول مرة في حياته عانق نيرنكان عناقاً سريعاً غريباً وكانت رائحة التبغ تفوح من قميصه المقفل ثمذهب ولكن حداثته وضعفه مسا قلبها .
كانت تعرفأن هذاالأمر سينجح لأنهما كانا يودانه هما الاثنان . ولم تستطع أنتصبر عن إخبار كيلا . وفي نفس الوقت قررت بعد أن اغلقباب غرفة الجلوس وبقيت بمفردها مع ستروم غالبريثشعرت بأنها تريد أنتشارك أحداً بأخبارهاوتحتفل بالمناسبةفليسفي كل يوم يتيسر لامرأةأن تصبح أماً ....
واستدارت نحوه تقولببشاشة : " هل تريد أن تتناول معي فنجان قهوة؟فقد حدثت هذه الليلة أشياء كثيرة . "
فقالبصوت أجشوكانت عيناهقاتمتينغامضتين بعثتاقشعريرةفي جسد نيرن: " لقد سمعت ، انكِسترعين الغلامأتظنينأنه قرار حكيم؟ "
أذهلهاقوله وما لبثت أن قالت بحزم : " نعم إنني متأكدة من أنه قرار حكيم ، إن كيلتي بحاجة آلي ... وأنا بحاجة إليه .. ونحن الاثنين من القوة بحيث نعترف بذلك فليس ثمة من يرغبفي العيش منعزلاًيا ستروم وأنا متأكدة من أنك تعرف هذا. "
وتنفستبعمق . لقد سبق وحدثت نفسها مراراً أنه مهماً كانت مشكلات ستروم غالبريثفهي ليست من شأنها وليس لها أن تدس أنفها في مالا يخصهاولكن شيئاً في أعماقها ، شيئاًلا تستطيعالسيطرة عليه كان يدفعه إلىأن تحاول مساعدة هذا الرجل فتقدمتمن المدفأةتضع مزيداً من الخشبثم نفضت يديها على قفا بنطلونها الجينزلتقف بعد ذلكوتواجهه مرة أخرى ، قائلة : " ألم تعرف في حياتك قط ما معنى أن يحتاج أحد الآخرين؟ " وأضافت برقة قائلة : " أم أنكمصنوع من الصخر؟ "


الفصـــــــل الخامس



إذاكانت نيرن قد ظنت أن هجومها المباشر هذاعلى ستروم سيسبب له الارتباك فهي إذن مخطئة وربما كانت توقعت منه أن ينسحب أو أن يرد مهاجماً ... ولكنه لم يقم بأي من هذينالأمرين ، لقد ضحك عليها وكانت ضحكة مشوبة بالسخرية ولكنها كانت ضحكة على كل حال ، كما كان في عينيه الزرقاوين شيء من الهزل .
وقال : " آه ، إن لي احتياجاتيأنا أيضاً يا نيرن تماماً كأي رجل آخرإنها الاحتياجات الأساسية في الحياة ... الجوع ، العطش والمحافظة على الذات ..."
فقاطعته : " وأنا متأكدة أيضاًمن أنك بحاجة إلى الانتماء وإلى الحب ولو أنه يبدو أنك تنكر هذه الحاجات بالذات ."
واتجهتنحو المطبخوفتحت البرادحيث وضعت عدة أنواع من العصير ، اختارت واحداً منهاوأحضرت كوبين . مشى نحوهاثم أخذ كوباًوعاد إلى قرب النار في الصالة حيث وضعهعلىرف المدفأةثم اتكأ على الجدار بجانبهوهو يقول : " هكذا إذن . الانتماء والحب. فلنتحدث عن الانتماء إلىمكان معين أمالانتماء إلى شخص؟ "
أغلقت نيرن باب البراد وتبعته إلى الصالةثم أجابته قائلة : " أظن الاثنين معاً. عندما أقول، أنا أنتمي إلى غلينكريغفأنا أعي أنني أعيش هنا وأنني دوماً عشت هنا ،فأنا إذن جزء من المكانوهو جزء مني . "
وعادتإلى الأريكةحيث غاصت على الوسادة في وسطهاوهي ترفع بصرها إلى ستروممتابعةقولها : " وأنت .... هل أنت تنتمي إلىلندن بنفس هذه الطريقة؟ "
فهز كتفيه بعدم اهتمام وهو يقول : " كلا ، أنا لا انتمي إلىلندنبالشكل الذي ذكرته فقد ولدت في مانشستر وقد سافرت إلى جميع أنحاء العالم وأنا أعيشفي لندن لأن مكتبي في لندن .... ولكن موطني بالنسبة إليهو المكان الذي أعيش فيه حالياً ."
فقالت : " ولكن هذا ليس موطناً أنك ستمكث هنا عدة أيامفهو إذن ليس موطنك فكيف تقول انه كذلك. "
أجاب : " إن ماأريد قوله هو أن ليس لي موطناً ، فأنا لا أنتمي إلى أي مكان وهذا لا يشكل ( حاجة ) بالنسبة إلي . "
فقالت : " ولكن مكانك في لندن ...."
فقال : " انه الأساس انه المكان الذي أعلق عليه قبعتي ."
فقالت : " حدثتني عنه . "
فقال : " ماذا تريدين أن تعرفي؟ انه شقة مائلة السقفتشرف على المدينة ... تحتوي على ثلاث غرف نوم وغرفة جلوس وغرفة طعام ومطبخإلكتروني يبدو وكأنه سفينة فضاء وهناك أيضاً حمامان وغرفة مظلمة لتحضير الأفلام . "
فقالت : " غرفة مظلمة؟ هل أنت مغرم بالتصوير الفوتوغرافي؟ "
أجاب : " فلنقل انه كان أفضل هواياتي . "
سألته : " وهل كنت ناجحاً فيه؟ "
فأجاب : " كنت ناجحاً إلى حد أنني أستطيع أن أصنع منه مهنة . "
فقالت : " آهإن هذا ممتع جداً إنني اعجب كثيراً بالأشخاص الذين يملكون موهبة النظر خلال عدسة التصويرويرون أكثر مما يستطيع الشخص العادي أن يرى. "
وتابعتوهي تضحك بأسى: " إن مهارتي في التصوير لا تعدو أن تكون جيدة على أن لا تقطع أرجل الأشخاصفي الصورةوفي اكثر الأوقات ..."
فقاطعها قائلاً : " إننيمتأكد من أن لكِ مواهب أخرى ."
فابتسمت له قائلة : " كلاليس لدي شيء من ذلكإنني امرأة عادية تماماً مع أن أسرتي موهوبة جداً فأمي كيتهي رسامة وأبي ماكمخترعوأختي كيلا التي قابلتها أنت ، أليست هي جميلة؟ لقد ورثت موهبة والدتنا الفنية وهي التي رسمت تلك الألوان المائية المعلقةعلى جدران غرفتك هل لاحظتها؟ "
فأجاب بذهن شارد : "نعم وهي حسنة جداً . "
بداوكأن أفكاره تهيم في مجال آخر وما لبث أن قال : " عادية . " وهز رأسه وهو يرمقهابنظرة غريبة ، ثم تابع قائلاً : " ما الذي يجعلك تعتبرين نفسك عادية؟ إنني لم أر امرأة مثلك قط . "
فنظرت إليه بعينين ضاحكتين وهي تقول : " آه إنني لا أتحدث عن المظهر إنني اعرف أن مظهري غير عادي . "
و أمسكت بخصلة كثيفة من شعرها اللامعالكث الذيينسدل على كتفيهاوهي تقول : "كيف يمكن أن يوصف شخص له شعر بهذا اللون المفزع ، انه عادي؟ إياك أن تخبرني أن من المستطاعتميزي به بين الجموع فهذا شيء اعرفه منذ ابتدأت انظر إلى نفسي في المرآة . من حسن حظي أن أحداً لم يطلق علي لقباً بهذا الشأنلقد أمضيت سنوات المدرسةيتملكني رعبمن أن يخطر لشخص ما أن يطلق علي لقباً ساخراً يلتصق بي على الدوام مثل الحمراء أو الجزرة . "
فقال : " إنني لا أستطيعتصديق ذلك . " وترك مكانه متقدماًنحوها قائلاً : " انهضيأريد أن أريك شيئاً . "
فترددت نيرنوهي تحدق في أصابعه ثم تسأله : " ماذا؟ "
فقال بلهجة آمرة : " انهضي . "
ولسببلم تفهمه ، لم تستطع عصيانه .
فوقفتوهي تهتزقليلاً شاعرة بالوهنولكنه شددمن لهجتهوهويقول : " تعالي هنا ."
سألته بضعف : " إلى أين؟ ."ولكنه لم يجب بل قادها بثبات إلى المرآةوعندما رأت انعكاس صورتهفي المرآةأدركت قصده وهو يقف خلفهايديركتفيها بيديه القويتين لتواجه المرآة مباشرة وهو يقول : " انظري إلى هذا الشعر . تقولين انه مفزع! هل أنتِ عمياء يا امرأة؟هل عندك عمى الألوان؟ إن نساء لندن يدفعن الغالي والنفيس لكي يجدن مزيناً يمكنه أن يصبغ شعرهن بلون شعرك هذا ....."
فقاطعته بحدة : " ولكن لون شعري ليس صناعياً . "
فهي ربما لم تكن تحب لون شعرهاولكنه لون شعرها على كل حال .
فقال يعاتبها برقة : " انه ليس صناعياً طبعاً ، انكِ غبيةحقاً إذ تعترفين بأن مظهرك غير عاديولكنك لا تتصورين إلى أي مدى هو غير عاديأليس كذلك؟ "
وهزكتفيهاقليلاًوهو يتابعقائلاً : "هل لكِ أن تنظري إلىنفسك ثم تخبريني ماذا ترين؟ "
وما الذي رأته هي؟لقد رأت امرأة لم تكن تعرفها فمنذ وقت طويل لم تر عينيها بهذا التألق و وجنتيها الشاحبتين بهذا التوهج.
تنفست بعمقوهي تقول : " ماذا أرى؟ إنني أرىامرأة تكبر في السن يوماً بعد يومامرأة ذات شعر أحمر وبشرة شاحبة وعينين زرقاوين . "
وحركت كتفيها محاولة تخليصها من قبضتيه ففعل .
وتمتم قائلاً : " هذا غريب . يبدو أننا نحن الاثنين نرى امرأتين مختلفتين في وقت واحد فأنا أرى امرأة ذات وجه بيضاوي مكتملوبشرة كالقشدة وأنفاً حلواً تنتشر عليه ... دعيني أعدها ... خمس نمشات بالضبط، وعينينبنعومةالمخملولون البنفسج وشعراً يبدو وكأنه ليرات ذهبية تتساقط في شلالمن أشعة الشمس ، شعراً له عبير الأزهار البرية التي تتمايل مع نسائم الصيف . "
وحاولت نيرن أن تبتعد عنه ولكنها لم تجد لها طاقة على ذلك .
وتمتمت بضعف : " من كان يظن أن خلف هاتين العينين الساخرتين يكمن شاعر؟ أنك الآن ستجد صعوبة كبرى في إقناعي بأنك رجل قد من الصخر ...."
هل من الممكن أنهإنما كان ينومهامغناطيسياًحين كان يشيد بما يدعوه جمالها الرائع؟ أتراه سرق عقلها وأسر قلبها بهذه السهولة؟
وفجأة شعرت بما يشبه طعنة السكين في فؤادهاكان شعوراً بالذنب مزقها تمزيقاًما الذي حدث لها؟
وتحولت مبتعدة عنه لتستديرحول منضدة القهوة وكأنها تحتمي بها منه ليصبح ظهرها إلى نار المدفأةحيث لفحتها الحرارة ، بينما كانت عاقدة ذراعيها فوق صدرها وقد انحدرت نظراتها إلى الأرض .
كانت تنتظر منه أن يقول شيئاً يبدد الصمت ...... ولكن عندما لم يتكلمرفعت بصرها تنظر إليه .
وذهلت عندما رأته جالساً على كرسيه واضعاً ساقاًعلى أخرى بكل راحة وقد بدا عليه من الهدوء والبرود .
وعاودها الشعوربالذنبما جعلها تشعر وكأن قلبها قد أصبح كتلة من رصاص داخل صدرهاكل هذا بسبب هذا الرجل وأحست من الطريقة التي كان ينظر بها إليها رافعاًحاجبهبأنه يتوقع أن تكون هي البادئة بالحديث .
وتنحنحت قائلة : " حسناً ..."
كان صوتهامنخفضاًوتنحنحتمرة أخرى بصوت أقوى هذه المرة قبل أن تقولبصوت أعلى قليلاً من الهمس : " حسناً لقد كان هذا شيئاً غير متوقع . "
فارتفع حاجب ستروم الثاني وهو يقهقه ضاحكاً ويقول : " غير متوقع؟ آه يا نيرنمن تراك تحاولين استغفاله؟نفسك؟ قد يكون هناك أشياءكثيرة لكن ليس بينها كلمة غير متوقع هذه . "
فقالت رافعة ذقنها بعناد : " حسناً أنا أقول انه كان كذلك . "
فعاد يضحك وكأنه وجد في إنكارها هذا تسليةبالغة وهو يقول : " يمكنك أن تقولي ما تشائين ولكن هذا لا يعني أن الأمر كما تقولين حقاًانكِ تعرفينكما أعرف أنا ، أن الوصول إلى بعضنا البعض هو مجرد وقت . "
وكانت تعرف في أعماقهابأن ما يقوله صحيح ، إنها لم تسمح قط لنفسها بأن تفكر في هذا فقد أثارفزعها ......
وشعرت للمرة الثالثة بالشعور بالذنبيجتاحها وكان من القوة بحيثجعلها تقابلصراحة سترومبصراحة منها هي أيضاًفتقول : " انك في غاية الوقاحة . "
وردت شعرها إلى الخلفولكنهكان يرتد لكثافتهتحت راحتيها فتمتمت بضيق ومن ثم أخذت تعبث بعصبية ، بخاتم زواجهاالذهبي .
هز رأسه قائلاً : " كلالا أظن ذلك مع أنني اعترف بأنني أخطأت في أمر واحد.."
فسألته ببرود : " أحقاً؟ وما هو هذا الأمر؟ "
فأجاب : " في أول ليلة لي هنا عندما صعدت إلى غرفتي . "
فعادت نيرن ترد شعرها إلى الخلف قائلة : " لقد اتهمتني عند ذاك بأنني كنت أحاول التحرش بك وهذا لم يكن صحيحاً . "
فقال وقد بدت في عينيه هزل : "كلا لم تكوني تريدين ذلك ليس في ذلك الحين .."
وشعرت بأنفاسها تتوقف . ما الذي كان يحدث لها؟ وجاهدت لكي تهدئمن الذعرالذي كان يسرع بضربات قلبها. عليها أن تضع حداً لتصرفات هذا الرجل معهاعليها أن تضع حداًلتصرفاته الآن ، في هذه اللحظةوقالت : " إنني لست كما تعتقد ... إنني لا أنكر أن هناك .... شيئاً معيناً بيني وبينك ...."
فقاطعها قائلاً : " وهو أنكِ ترينني جذاباً ، بقدر ما أراك . واجهي هذا يا نيرن ..."
ولم تكن هيقد اعتادت مثل هذا الكلام المكشوف ... ولكنها لم تشأ أن تدعه يعلم بذلك ... وبأن كلامه هذا قد سبب لها الضيق ....
فقالت : " نعم أظن ذلك . لا بد أنه ..... ماذا قلت ."
فسألها قائلاً : " هل أنتِ خائفة مني؟ ."
فضغطت شفتيها وهي تنظر إليه ، كان مستنداً إلى الخلف على الوسادة ، مشبكاً يديه خلف رأسه ما بدا معه وكأنه يشعر أنه في بيته تماماً وليس في بيتها هي وأن الأوضاع كلها في يده وجعلها هذالسبب ما تشعر بالغضب فردت عليه بحدة : " إننيلست خائفة منك . أما هذا الحديث الذي يدوربيننافقد أصبح غاية في السخافة وإذا أردت الحقيقة فأنا أشعر بالخجل من هذا الكلام . "
فقاطعها : " انكِ لم تقولي ما تخجلين منه! ."
كانت تعلم أن غضبها هذا ليس منه وإنما من نفسها وأجابته قائلة : " إنني أنا التي تقرر ذلك . إن علي أن أعيش في هذه الحياةبمفردي وإذا حدث بيننا شيء فهذا يعتبر بالنسبةليخيانة! .."
فحدق فيهالحظة طويلةثم قال بهدوء دون أن يبدو في صوته أثر للسخرية : " وكيفتكونالخيانة لرجل ميت؟ "
فأجفلت لصراحته هذهولكنها أجابت وهي تغالب الغصة التي شعرت بها في حلقها: " إن روري ما زال حياً ...... وهو سيبقىكذلك في قلبي على الدوام . "
في البدايةلم يظهر أي تجاوب نحو ما قالت وبدا أن السكون الذي لفه أوجد لديها سكوناً نفسياً مماثلاً فشعرت بالهدوء والثبات .
وأخيراً قال : " آه القلب . "
وتنفس بعمقثم ابتسمكانت ابتسامة بطيئةكسولةارتسمت على شفتيهدون أن تصل إلى عينيه ... عينيه اللتين كانتا تحدقان في عينيها بسخرية وهو يقول : " لقد ابتدأنا بالحديث عن الانتماء والحاجة .. ولكنك تنهينه بالحديث عن الحب . إن هذه عادة النساء ، أليس كذلك؟ "
كان في صوته من السخرية ما ذكر نيرن باجتماعهماالأول في المقبرة عندما رأت في عينيه الفراغ والكآبة ، فأرادت أن تتقدم لترفه عنه و ها هي ذي الآن يتملكهانفس الشعور نحوهفأجابتهقائلة : " إن هذا يدفع الكون إلى الاستمرار . "
ما أسخف جوابها هذا ، هل هذا كل ما أمكنها قوله؟ إن أمامها رجلاً يتألم ... رجلاً يبدو أنه قد عانىطويلاً ولكن كل ما استطاعتقوله له هو ( إن هذا يدفع الكونإلى الاستمرار .....)
أجابها : " آه كلا يا عزيزتي نيرنفي هذا أنتِ مخطئة ليس الحب الذي يدفع الكون إلى الاستمرار وإنما العلاقةوالمعاملةالتي تقوم بين الناس حتى لو لم يعد الإنسان يشعر بالحبفان الكون سيستمر سائراً في طريقه ...."
فقاطعته قائلة : " من الواضح تماماً أن ليس في نفسك ذرة من الشاعرية . "
فقهقه ستروم ضاحكاً وهو يقول : " شاعرية؟ هل تريدين شاعرية؟صدقيني انه حتى من دون هذه المقومات ، النتيجة هي واحدة ، توالد الأجناس سيبقى مضموناً وستضل الأرض تدور ...."
فسألته بهدوء : " هل هذا هو عالمك يا ستروم؟ هل هذا هو نوع العالم الذي تريد أن تعيش فيه؟ عالم من دون عهود ولا التزامات ....."
سألها : " هل تؤمنين بالحرية يا نيرن؟ "
فأجابت : " طبعاً أؤمنبالحرية ولكن ...."
فقال : " عندما تتحدثين عن الالتزام فان ما تتحدثين عنه هو تقيد للحريةفي الواقع ألا يمكن لأثنين أن يستمتعا معاً دون الحاجة إلى نوع من التعهدات؟ "
وبينما كانت تقف تحدق فيه ، شاعرة بالدوار سمعت الكلب شادو ينبح . كانت تعلم أنه كان غافياً في مكانهالدافئ تحت الموقد ولكنها لاحظت في نباحه القصير ذاك حاجته إلى الخروج .

وبحركة مفاجئة ، وقالت وهي تتراجع إلى الخلف : " أرجو المعذرة فان علي أن أخرجالكلب لأتمشىمعه قليلاً قبل أن آوي إلى فراشي . "
ودونأن تلقي عليه نظرة تحولت متجهة إلى الباب رافعة الرأس بشموخ .
كان عليها أن تهرب منه ، لكي تتخلص من هذه المشاعر المضطربة التي تعتريها المشاعرالتي كانت تدفعهافي اتجاهات لا ترضاهاوسمعته يقول لها : " إذن فأنا أتمنى لك ليلة سعيدة يا سيدة كامبل ...."

وعندما استدارت مجفلة رأته وراءها مباشرة وكان قريباً منها إلى حد استطاعت معهأن ترىالخطوطالتي كانت تحيط بفمه الساخروأجابت متوترة : " ليلة سعيدة ." ومن ثم فتحت الباب ، شاعرةبالسرورلابتعادها عنه . ولم يتبعها هو ولكنها ما أن اجتازت الصالة بخطوات نافرة متعجرفة حتى سمعته يقول من حيث كان واقفاً عند الباب ، سمعته يقول كلمة واحدةولكنها كلمة نفذت مباشرة إلى أعماق قلبها .
تلك الكلمة كانت ( جبانة )







الفصـــــــل السادس


وعادت نيرن تهبط جالسة على مقعدها في سيارتها الفان لحظة طويلة دون أن تهتم بدفء أشعة الشمسوهي تحاول التفكير في وضعها هذا ثم سحبت المفتاح من المحركوهي تتأوه بخيبة أمل ، لتعيده إلى جيبها ثم جذبت الباب بعنف تفتحه وكانت قد قفزتلتوها إلى الأرض المغطاة بالحصى مغلقة باب السيارة بعنف لا ضرورة له إذ لم ينفع في تهدئةانفعالها ، عندما رأت ستروم غالبريث يخرجمن المنزلبقامته الفارعة وسترته الجلدية السوداء وبنطلونه القاتم .
قال يخاطبها وهو يعيد بيده إلى الخلف شعره الأسود الذي كان يتلاعب به النسيم : " ظننتك خارجة بسيارتك هل غيرت رأيك؟ أم أنكِ نسيتِ شيئاً في المنزل؟ "
فأجابت وقد تجهم وجهها : " بالضبط لقد نسيت أن أملاً الخزان بالوقود ولا أدري كيف حدث هذا الإهمال مني . كما أن محطة البنزين لن تفتحقبل نصف ساعة ."
فقال : " لا بأس سأوصلك أنا إلى المكان الذي تبغين. "
ترددت وهي تنظر إليه مفكرةوقد ظللت عينيها بيدها تحميها من أشعة الشمسلقد شعرت بالسرورحين جاءها الدكتور كوغيل بمفتاح منزل آني يسألها إن كان بإمكانهاأن تحزم بعض حاجات آني وتأخذها لها إلى دار المسنين ذلك أن هذا منحها فرصة رائعة لكي تتجنب البقاء فيالمنزل بصحبة ستروم . أما الآن فعليهاإما أن تضيع نصف ساعة من وقتهافي هذا الصباح الذي يتراكم فيه شغلهاأو أن تجلس بجانبه عدة دقائق فقط في السيارة .....
وأخيراً قالت : " أشكرك لعرضك هذا . " ومشت إلى سيارتها تفتحهامن الخلف .
فسألها قائلاً : " إلى أين نحن ذاهبان؟ إلى انفرنيس؟ أم إلى الجين؟ أم ترانا ذاهبين إلى سكاي؟ إنني لم أذهب مطلقاً إلى سكاي . "
فقهقهت نيرن ضاحكةبالرغم منها وهي تجيبه قائلة : " كلا إننا لسنا ذاهبين إلى سكايوإنما إلى شارع ساوث ستريتالذي لا يبعد عنا أكثر من نصف ميل والسبب الوحيد الذي يجعلني أقبل بمرافقتك لي ، هوأنني أريد أخذ هذه إلى منزل آني ."
وأشارت إلىكومةمن صناديق الكرتون الفارغة . فساعدها في نقل الصناديق إلى صندوق سيارتهالمرسيدس ، قبل أن يشير إليها بالصعود إلى سيارتهالفارهةولم ينطق بشيءإلابعد أن تحركت بهما السيارة فقال يسألها : " هل تحزمين أمتعة عمة كيلتي؟ "
فأجابت : " نعمويظهر أنها قلقة على أشيائها ، فقد سألني الدكتوركوغيل إذا كان بإمكانيأخذ ملابسها وأشيائها الخاصة إلى الدارلتجدها في انتظارها عندما تنقلها سيارة الإسعافمن المستشفى إلى هناك آخر هذا الأسبوع . "
وبينما كانت نيرن تتحدث ، نفذت إلى خياشيمهاالرائحة العطرية الرجاليةالتي كانت اشتمتها ليلة وصولستروم إلى منزلها وكانت ظنت ذلك الحين أن هذهالرائحة الغالية هي رائحة ماء الكولونيا ولكنهاأدركت الآن أنها ليست كذلك و إنما هي محلول بعد الحلاقةفقد كانت في ذلك الصباح تنظفحمامغرفته أثناء تناوله الفطور عندما لاحظت الزجاجة الثمينة ببطاقتها السوداءوالبيضاءورأت نفسها ترفعها إلى انفهاوأغمضت عينيها حينذاكوقد أعادت هذه الرائحةإلى ذهنهاصورة الرجل الأنيقفي هذه الغرفة الصغيرة وأعادت الزجاجة إلى مكانهابسرعة ولكنها لمحت وجهها في المرآة وهي تغادر الغرفة لترى شعور الذنب في عينيها واللون الذي صعد إلى وجنتيها ....
وأجفلت وهي تسمع الرجل الذي تفكر فيه يحدثها ، فقالت : " عفواً . "
فقال هازلاً : " إنني فقط أسألك عن الطريق ، فأنا لست قارئ أفكار . "
" من حسن حظي! "
فقال لها ضاحكاً : " ولماذا هذا التمني؟ هل كنتِ تفكرين في شيء لا تريدينني أن أعرفه ؟ "
قالت : " عليك أن تتحول من هنا ، نعم ، إلى اليمين ثم إلى شارع ساوث ستريتهنا تسكن العمة آني . ذلك المنزل الصغير ذو الباب البني اللامع بجانب عمود النور . "
و أمسكتبحقيبةيدهاوماأن أوقف السيارة حتىأمسكتبمقبضالبابقائلة : " شكراً . "
لتسرع بعد ذلك نازلةإلى الرصيفوقبل أن تغلق الباب تابعت تقول : " إنني شاكرة لك حقاُ إحضاري إلى هنا وإذا كنت تريد العودة إلى المنزللتناول الغداء سأراك هناك حوالي الساعة الواحدة ."
وما أن أغلقت الباب واستدارت لتبتعد حتى قال لها : " ألم تنسي شيء؟ "
وكان قد نزل بدورهواتجه إلى صندوق السيارة . فقد نسيت الصناديق الكرتونية وذلك في إسراعها للابتعاد عنهولكن يبدو أن هذا لن يكون ممكناً وانتظرت حتى أخرج الصناديق ووضعها على الرصيف .
فقالت : " أشكرك مرة أخرى ، إن بإمكاني تدبيرها الآن . "
ولكنها عندما استدارت نحو باب البيت تفتحهلاحظت أن ستروم لم يذهب فقد كان واقفاً خلفهاً مباشرة .
ورفعت رأسها تنظر إليه عندما أمسك بمعصمها بأصابعه الباردة الحازمةوهو يقول : " كلا ، أنكِ لن تفعلي هذا . "
فسألته : " أفعل ماذا؟ "
فأجاب : " لن تبتعدي هكذا بسهولة ، إن الفضول يضغط علي لكي أعرف لماذا قلتِ من حسن حظي. "
وخاطبت نيرن نفسهاآه انه ملحاح يا له من مأزق .
وقالت تجيبه: " قلت من حسن حظي لأنك قلت انك لست قارئ أفكارلأنني في تلك اللحظة كنت أفكر فيك هل رضيت الآن؟ . "
فأجاب : " آه يا سيدة كامبلإنني أحتاجإلى أكثر بكثير من مجرد كلماتلكي أرضى . "
وارتسمت على فمه ابتسامة عريضةجذابة تورد لرؤيتها وجه نيرن وهو يتابع قائلاً : " ولكنني أريدك أن تخبريني ما الذي كنتِ تفكرين فيه بشأني؟ "
فقالت كاذبة بلباقة : " إذاكنت تريد حقاً أن تعرف ، فقد كنت أتساءل من أين اشتريت محلول بعد الحلاقة الغالي الثمن هذا الذي تضعه. "
فعاد يبتسم لها ببطء : " آه ، محلول بعد الحلاقة إن اسمه ابن المدينةولكنني لم اشتره انه هدية من شخص ما . "
وعرفت أن هذا الشخص ما هو إلا امرأة ما . لقد تضمنت لهجته هذه الحقيقةوشعرت بالحيرةوالغضبمن ردةالفعل عندها لما قاله ، إذشعرت بقلبها يهبط بسرعة وهي تتصور امرأة شقراء ناعسةالعينينتبتسملهوهي تقدم إليه هذه الهدية .
كان ستروم يراقبهابعينين يلمع فيهما الهزل . لقد قال لها انه ليس قارئ أفكارولكنها الآن تتساءل عما إذا كان فعلاً كذلك .... يا للسخافة .
ولكنها قالت بمرح : " حسناً ، ألست رجلاً محظوظاً؟والآن هل لك أن تترك يدي؟ إنورائي أعمالاً كثيرة . "
ذلك أنها لاحظت لتوها أنه ما زال ممسكاً بمعصمها.
" صباح الخير يا نيرن "
نادها شخص ما من الرصيفالمقابل ، فالتفتت فجأة بسرعة إذا كان الصوت مألوفاً لديهاوعندما رأت شخصية المنادي صدرت عنها آهة خافتة . ذلك أنها لم تشأ لهذه المرأة من بين كل الناس أن تراها في هذا الوضع ، ( فاني وبستر)هذهموظفة البريد المتقاعدة، إن بإمكانها هي نيرن أن ترى الفضول يتألقفي عيني تلك المرأة رغم بعد المسافةو زجاج نظارتيها السميكتين .
فأرغمت نيرن نفسها على الابتسام وهي تحاول تخليص معصمها من يد ستروم دون نجاح بينما كانت ترد قائلة : " صباح الخير يافاني ."
والآن سينتشر كل ما يحدث بينها هذه اللحظة وبين ستروم في كل أنحاء قرية غلينكريغقبل أن ينتهي هذا النهاروهو أنها كانت واقفةفي ساوث ستريت قبل الساعة التاسعة صباحاً مع رجل غريب متماسكي الأيدي ....
وقاللها : " هل أنتِ مضطربة لهذا يا نيرن؟ "
وكان جلياً من ابتسامته العريضة انه مستمتع جداً بارتباكها هذا . فرفعت بصرها إليه وقد توترت ملامحها وردت عليه بحدة : " كلا طبعاً وما الذي يجعلني أضطرب؟ "
فأجاب : " لأنها ستتحدث عنك أليس كذلك؟ "
فأجابت : " إنها ثرثارة كثيرة الكلاموإذاكنت تعيش في قرية صغيرة مثل غلينكريغفان كل إنسانسيعرف عملك قبل أن تعرفه أنت تقريباً . "
فنظر بطرف عينه إلى تلك المرأة على الرصيف المقابلوهو يقول : " ها هي ذي قد وقفت ، إنها تتظاهر بالتفرج على واجهة المقهى ذاكولكنها تراقبنا نحن بطبيعة الحال إنهاتنظرإلى انعكاس صورتنافي زجاج الواجهة. أظن أنها تشعر بخيبة الأمللأننالا نفعل شيئاً سوى الإمساك بأيدي بعضنا البعض . "
فقالت : " إننا لا نمسك أيدي بعضنا البعض وإنما أنت الذي تحتجز معصمي بيديك ."
وتنفست الصعداءحين قاطعها قائلاً : " أريد أن اعترف لكِبشيء وهو أنني لم ألمسك لكي أعطي فانيموضوعاًتتحدثعنهوإنما لأنني لم استطع مقاومة جمالك ."
تساءلت نيرنعن السبب الذي يجعله يردد على الدوام أنها جميلةولماذا لا يجعل الأمور اقل تعقيداً وذلك بأن يقول الحقيقة وهو أنهإنما يشعر بالإعجاب نحوها ولا شيء آخر .
تأوهت بخيبة أمل وهي تفلت من ستروم ، محاولةأن تبدوبشكل طبيعيوهي تقول : " يجب أن أذهب الآن . "
ولكنها شهقت مستنكرة عندما تبعها إلى الداخل ، ثم أغلق الباب خلفهماوهو يقول : " سأساعدكِ ."
فقالت : " كلا . "
من أين أتاها هذا الرجل؟ وعادت تكرر للمرة الثانية والثالثة : " كلا ، كلا أشكركأنا أعرف العمة آني لو ، واعلم أنها ستستاء جداً إذا علمت أن شخصاً غريباً خاصة إذا كان رجلاً قد عبث بخصوصياتها . "
وعندما أضاء الصالة ، أخذت تتساءل عن الطريقة التي تتخلص فيها منه . والتفتت لتنظر إليه فوجدته خلفها مباشرة يشرف عليها بقامته الفارعة رغمأن طول قامتهاهي كان فوق المعدل، فقالت لهبسرعة : "إذا كنت تريد أن تساعدني حقاً فما رأيك في أن تعود آليحوالي الساعةالثانية عشرة لنأخذ هذه الصناديق قبل موعد الغداء وفي الطريقيمكننا أن نتوقف لنأخذ معنا بنزين لسيارتي ...."
وفجأة أدركت أنه لا يستمع إليهافقد كان ينظر من فوق كتفها إلىغرفةصغيرة من خلال بابها المفتوحفالتفتت ،لترى أنها غرفة كيلتي . كانت غرفة صغيرة جداً ذات نافذة عريضةوكان ستروم يحدق في جدار الغرفة الذي علق كيلتي عليه الصور الفوتوغرافية .
وبدا عليه أنه نسي تماماً نيرن وهو يتخطاها داخلاًإلى تلك الغرفة الصغيرةوهو يقول بشيء من الدهشة : " من الذي التقط هذه الصور؟ "
فأجابت : " إنها غرفة كيلتي . "
فقال : " نعم غرفة كيلتيولكن من التقط هذه الصور؟ "
فأجابت : " انه كيلتي أليست رائعة الجمال؟ "
فبقى وقتاً طويلاً لا يتحرك وهو يحدق في الصور .
تنحنحت وهي تقول : " انك تراها جميلة أليس كذلك؟ "
وأخيراً أنهى تفحص الصور ، فالتفت إليهاقائلاً : " ماذا قلتي؟ "
فأجابت : " انه موهوب .. أليس كذلك؟ "
وكانتتنظرإلى نسرينطلق طائراً من على أعلى شجرة صنوبر
وتابعت تقول : " لقد شعرت بخيبة أمل كبيرة لأنه ترك هذه الهواية . "
فسألها بحدة : " ترك هذه الهواية؟ "
فأجابت : " نعم منذ وقتقصير ، لقد اخبرني بأنه فعل ذلك لأنه لا يوجد هنا مكان ليقيم غرفة التحضير المظلمةولكنني أظن أن هنالك سبباً آخرلا أدري ماذا يمكن أن يكونوالأسوأمن ذلك انه باع آلة التصوير الغالية والتي كان أبوه قد قدمها إليه منذ ثلاث سنوات في أحد الأعياد وقد كلفته ثمناً باهظاًولكن هوغ دنبار ما كان ليضن بقطعة من كبده يقدمها إلى ذلك الصبي . "
فابتعد ستروم عنها فجأة ليسير نحو النافذة وقد توتر جسده حيث بقي مدة طويلةوظهره إلى الغرفة حتى أخذت هي تتساءل عما دهاه هل عليها أن تتقدم منه وتسأله عما به؟ ولكنها هزت رأسهاشاعرة بأن ستروم يريدها أن تقترب منه فقد بدا عليه تماماأنه في عالم آخر مستغرقاً في أفكاره وأن هذه الأفكار لابد تتعلق بكيلتي . وبدا لها هذاوهي تخرجمن الغرفة ، لغزاً كبيراً ، لغزاً لا يعرفهسوى ستروم وكيلتي .. وأغلقت الباب خلفها بهدوء ثم سارت نحو غرفة آني وأفكارها ما زالت تعمل . وأخذت تتساءل عما يدور حولهالقد تعقدت الأمورمنذ جاء سترومغالبريثإلى غلينكريغ . وكلما أسرع بالرحيل كانذلك أفضل إذ يمكن عند ذاك للاستقرار أن يعود إلى حياتها .. هذه الحياة التي ستصبح اكثر غنى وبهجة بوجود كيلتي معها الآنولكنما أن فتحت أول درج لتخرج منه أشياء آني حتى أدركت وقد تملكها الذعر أن فكرة توديعها لسترومثم لا تراه بعد ذلك أبداً لم تجد في نفسها أي نوع من السرور كما كانت تظن.
وعندما سمعت بعد لحظات صوت الباب الخارجي يغلق خلفه ، أخذت تحدق في فضاء الغرفة بعينين لا تريان .
وعندما أنهتنيرن حزمحاجيات آني بالكامل وقفت تنظر حولهاإلى الغرفة الخالية ويداها على وركيها . وأجفلت وهي تسمع طرقاً عالياً على الباب الخارجيوألقت نظرة على ساعتها لتجدها الثانية عشر إلا ربعاً ، ولكن ربما الطارق هو ستروم قد عاد مبكراً.
وتساءلت وهي تذهبلتفتح الباب عما عسى أن يكون عليه مزاجه الآن . هل تراه ما زال ذاهلاً متوتراًكما كان عندما رأى عرضصور كيلتي الفوتوغرافية؟
ولكن توترها ما لبث أن تلاشى حين رأت أن القادم لم يكن ستروم بل فلورا ماكدونلد زوجة رجل الدين .
وهتفت نيرن تحيي المرأة المسنة بابتسامة صادقة : " فلوراما أجمل أن أراك ، إن آني ليست هنا مع الأسف ...."
فأجابت المرأة : " إنني أعلم أنها في المستشفى ولكنني رأيت فاني منذ ساعة فأخبرتني أنكِ هنا . وأنا أريد أن أتحدث إليك أنتِ . "
وعضت على شفتيها وهي تنظر إلى حقيبة صغيرة كانت في يدهاوعندما رفعت عينيها إلى نيرن لاحظت هذه أنها قلقة فسألتها : " ألا تدخلين؟ "
فأجابت : " ليس لدي وقت يا نيرنفان علي أن أعود لأصنع الشطائر لاجتماع الرابطة عصراً . "
فهتفت نيرن : " آه الاجتماع .. لقد كدت أنسى ذلك ."
وسمعت صوت سيارةتقف على بعد أمتار منهماومن زاوية عينها رأت ستروم قادماً نحوهما ولمست ذراع فلورا برقة وهي تسألها : " أي خدمة تريدينها مني؟ "
فأجابت المرأة : " إنني أكره أن أضايقك ولكن الدكتور كوغيل قال لزوجي إن كيلتي يسكن معك الآنففكرت في أنني ينبغي أن أراك بشأن ...."
فقاطعتها : " كيلتي ."
فأجابت المرأة : " لقد باع كيلتي آلة التصوير إلى ابني دنكان وهو سيذهب إلى الجامعة السنة القادمة وقد دفع له ثمنها من نقوده الخاصة وهي النقود التي وضعت جانباً لأجل تكاليف تعليمه في الجامعة ، لقد تحدثنا طويلاً الليلة الماضية .. أنا وزوجيبيتر ودنكان الذي اعترف بأنها كانت مجرد نزوة طارئة منه وقد غير رأيه فلم يعد يرغبفي آلة التصوير هذه ."
وبدا التوسل في عينيها وهي تتابع قائلة : " أيمكنك أن تقنعي كيلتي لكي يعيد النقود إلى دنكان؟ انه فعلاً بحاجة إليها . "
كان ستروم قد وقف بجانبهما الآن ما لم يدع لنيرن أي شك في أنه قد سمع حديثهما كاملاً ولكنها كانت مشغولة عنه بالحديث إلى المرأةقائلة : "إنني متأكدة من أن كيلتي لم يرغب في بيع آلة التصوير ولكن ليس لدي فكرة عما فعل بالنقود ربما قد احتاجها لأمر ما . "
وكادت الدموعتطفرمن عيني المرأة وهي تقول : " آه، إنني لم أفكر فيذلكفي انه قد يكون أنفق النقود. "
وفجأة قال ستروم : " وهل آلة التصوير معك هنا؟ "
فقالت نيرن للمرأة : " أقدم إليكستروم غالبريث وهو نزيل عندي في برواش .. وهذه السيدة ماكدونلد."
فصافحته فلورا ثم أخرجتآلة التصوير من الحقيبة وهي تقول : " هذه هي لقد اشتراها ابني من ......."
فقاطعها قائلاً : " إنني أتعاطف معك في ورطتك هذه ."
وتناول منها آلة التصوير يتفحصهاقائلاً :" ما هو الثمن الذي دفعتهفيها؟ "
وتمتمت فلورا تذكر الثمن بصوت لا يكاد يسمع وكادت نيرن تصرخ ذعراً لقد كانت هازيل ذكرت لها أن زوجها دفع الكثير ثمناً للآلة هذه ولكنها لم تكن تتصور أن يصل إلى هذا الحد .
سحب ستروم دفتر الشيكات من جيبه وحرر لها شيكاً مصرفياً في لحظات ثم ناوله للمرأة وهو يقول باسماً : " هاكه ، واخبري ابنك أن لا يكون متسرعاً بعد الآن للحصول على ما يشتهيهوسأسوي أناالأمر مع كيلتي . "
وسرعان ما كانت فلورا تنطلق في الشارع وقد بان الارتياح في عينيها .
نظرت نيرن إلى ستروم ، إلىقامته الفارعة والجاذبية الأخاذة التي تشع منه ثم قالت مظهرة غضباً اكثر مما تشعر به حقاً : " ألا تظن أن في عملكذاك شيئاً من الجسارة؟ إنني لا أنكر كرمك فقد رفعت عن كاهل المرأة حملاً ثقيلاً فقد كانت في غاية القلق لأجل النقود ولكن الحقيقة أن هذا الأمر كله لا دخل لك فيه وليس هكذا يكون التصرف بشأنه . "
فنظر إليها قائلاً : " معكِحق ولكنها كانت طريقه مناسبةوأنا سأسوي الأمر مع كيلتي فلا تقلقي ."
فسألته : " أتعني أنك ستطلب منه أن يعيد إليك النقود التي دفعتها إلى فلورا . "
فأجاب : " نعم ."
فقالت : " وماذا لو لم يكن يملك هذه النقود؟ "
فقال : " إنني مدرك أنه ربما سبق وأنفقها كلها أو بعضها ولكنني متأكد من أننا سنصل إلى نتيجة . "
فقالت : " هل نسيت ما سبق وأخبرتك به من أن كيلتي ترك التصوير؟ ربما ما عاد بحاجة إلى آلة التصوير هذه ."
فقال بحدة : " إن هذا الصبي موهوب ، لديه موهبة كبيرةفعليه أن لا يهملها فهو مسؤول عن استخدامها بالكامل . "
أرادتأن تصيحبه أنها معه في قوله هذا ولكن ستروم لمير مبلغ ذهول واضطراب كيلتي وهو يخبرها أنه لم يعد يهتمبالتصوير الفوتوغرافيفما هو موقف الغلام الآن عندما يقدم ستروم آلة التصوير أليه طالباً ثمنها؟
دقت الساعة الواحدة بعد الظهروتنهدت هي باضطراب . لافائدة من الوقوففي الشارع والجدل مع هذا الرجل .
وقالت له : " تفضل بالدخولفكل الصناديق جاهزة وشكراً لرجوعك ."
فأجاب : " لا بأسوالآن في أي وقت يعود كيلتي من المدرسة؟ "
فأجابت : " في الرابعة ."
فقال : " أرني مكان المدرسة ونحن في الطريقفإنني أريد أنانتظره خارج المدرسةلاتحدثإليه . "
فهزت رأسها قائلة : " ليس اليومفقد ذهب في رحلةمدرسية إلى مدينة أباردين لحضور مسرحية هاملت وسيعودون متأخرين في الليل وسيكون هو متعباً ، الأفضل أن تدع الأمر إلى الغد ."
كان غريباً أن ترى التوتريمتلك ستروم كلما نظر إلىكيلتي . وإذاكان ما افترضته من أنه ربما كان يعرف هازيل ... إذا كان هذا صحيحاً فهذا هو سر ذلك التوتر إذنولهذا استعاد آلة التصوير! لأنه رأى أن الغلام ذو موهبة فهل لذلك سبب آخر يا ترى؟
هل هنالك شيء آخر؟ شيء لا تستطيع هي رؤيته؟ لم تستطعأن تجيب عن هذه الأسئلة التي تقلقها .
قال ستروم مقاطعاً أفكارها : " إلى الغد إذن واليوم بعد أن نأخذ هذه الصناديق إلى دار المسنين سآخذك لتناول الغداء . "
وفكرت هيأن هذا ليس صواباً إذمن الأفضل أنتقلل من فترات صحبتها لهذا الرجل قدراستطاعتها . فأجابتهقائلة : " هذا لطف منك وإنما علي أن أحضر اجتماع الرابطة في منزل فلورا بعد الظهر . "
فأجاب وعيناه تبتسمان لها : " إذن ، فستأتين معي للعشاءهذا إذا كنتِ لم تضعي خطة مسبقة بشأن عشائك ."
ولم تستطع أن تكذب فأجابت : " كلا ، ليس لديخطةمسبقة للعشاء ."
فقال : " سأحجزإذنمائدة في مطعمفندق هيذرفيو ."
فقالت : " آه .... ولكن ......" وعضت شفتها فقد اعتادت أن تذهب مع روري إلى ذلك المطعمدوماً في المناسباتوكانا عادة يحجزان إحدى الموائد المسؤولة عنها هازيلوالتيكانت تشتغل نادلة هناك منذ دخل كيلتي المدرسة . ومنذ وفاة زوجهالم تذهبنيرن إلىذلك المطعم وذلك تجنباً لفيض الذكريات المؤلمة .
وقال : " لقد استقر الرأي إذن؟ في هيذرفيو؟ "
فتنهدت وهي تجيب : " لا بأس في هيذرفيو . "



الفصــــــــل السابع



كانت الليلة مظلمة عندماأوقف ستروم غالبريث سيارته المرسيدس ثم تخطى مع نيرن السيارات المتوقفة هناك . وفي الردهة ، ساعدها على خلع معطفها وعيناه لا تخفيان نظرة الاستحسان التي شمل بها قميصها الحريري الذهبي اللون و تنورتها الواسعة .
وتمتم وهو ينظر إلى شعرها : " يا للجمال الرائع ."
وشعرت بوجهها يتوهج.
قال لها : " انكِ تبدين وكأنك بفتنتك وعذوبتكخارجة من إحدى لوحات الرسام رامبراندت الرائعة . "
وتوردوجهها لإطرائه ذاك إلىحد لم يحلمرامبراندت بمثله .وقالت تخفي ارتباكها : " إنكميا أبناء المدن تحسنون الكلام ."
وسمعته يضحك وهو يناولالمستخدممعطفهاثم يقودها إلى الصالة وهو يقول :" لم لاتتقبلين الإطراءبسهولة؟ "
فقالت : " لا أدري . ربما لأنأمهاتناعلمتنا أثناء طفولتناأن لا نكون مغرورات."
فسألها : " وهل كن يعلمن الأطفال الذكور أن لا يكونوا مغرورين هم أيضاً؟ "
فأجابت : " لا ادري لأنه لم يكن لدي اخوة ذكور . لا بد انك تعرف هذا بنفسك هل كانت أمك تعلمك في طفولتك عدمالغرور؟ أمانك لم تكن طفلاً قط؟ "
وكان الآنقد وصلا إلى مدخلغرفة الطعامفوقفاعند العتبةورفعت هي بصرها إليه بهذا السؤالولدهشتها رأت مسحةمن الألم تكسو ملامحه لحظة ،سرعان ما تلاشت لتحل محلها ابتسامة وهو يقول : " ربما معك حق . ربما ما كنت أنا طفلاً قط "
فقالت : " ربما أنت تتقبل الإطراءبسهولة ."
فسألها : " لماذا لا تجربينني؟ "
فأجابت تسأله : " أجربك؟ "
فقال : " نعم وجهي ألي إطراءيا سيدة كامبل وانظري ردة الفعل عندي لذلك ."
فقالت : " آه .. لا أظن ."
فقاطعها رافعاً حاجبه بسخرية : " لا تظنين أن في شخصي ما يعجبك؟ لا أظنني من البشاعة بحيث ......"
فقاطعته : " بشاعة؟ آه انك غير بشع ...."وسكتت وهي تفكر يا لصراحتي .. إن هذا قد أوقعنيحقاً .
قال : " آسففالإطراء الذي يوجه بشكل نفي لا يعتد به قولي ذلك بأسلوب آخر."
فأخذتتفكر بمقدار حماقتهاوهي ترىنفسها قد انخرطت برغمهافي هذه اللعبة .. كيف تقول شيئاً لا يدخل في الخصوصيات؟هل تقول له أن لك عينين جميلتين؟ نعم هذا حسن لأن عينيه هما جميلتان حقاً .
وتنحنحت وهي تقول : " إن عينيك عندما تنظران ألي .... أشعر وكأنهماينومانني مغناطيسياً ......." وسكتت ذاهلة .....
وهتف بهاوعيناه تلمعان : " هذا عظيم انه أعظم إطراءتلقيته منذ سنوات إنني سأستغل طبعاً هذه المعلومات عندما تحين اللحظة المناسبةشكراً يا سيدة كامبل ..."
وفجأة كان رئيس المضيفين الفرنسي واقفاً أمامهمايقولموجهاً كلامه لنيرن :" نيرن يا عزيزتيما أجمل أن أراك مرة أخرى تتألقين بكل هذه الفتنة . انكِ ستنيرين المكان وسيخطف جمالك الأنظار ."
وكان يتكلم بلغة هي خليط من الفرنسية والإنكليزية .
أوشكت أن ترد عليه قائلة كعادتها من قبل ، آه يا ( آلان ) ... انك تبالغ في المديح .. عندماوكزها ستروم ما جعلها تغير كلامهافتقول : " أشكرك يا آلان . "
وعاد آلانيقول بعطف : " كم أنا آسف يا عزيزتيلما سمعته عن وفاةزوجك فهل هذا سبب عدم حضورك إلى هنا؟ هل بسبب الذكريات المؤلمة؟ "
فأجابت نيرن بصوت أجش : " نعم إن الذكريات مؤلمة حقاً . "
فقال : " آه .... ولكن مرور الزمن يخفف من ذلك والآن؟ "
ولأول مرة ينقل بصره إلى ستروم قائلاً : " آه .. السيد غالبريثأهلاً بعودتك إلى مؤسستنا هذه . "
وأدركت نيرن أن الإكراميةالسخيةالتي لابد منحها ستروم لرئيس الندل عند حضوره سابقاً إلى هذا المكان ، لا بد أنها كانت شيئاً لا ينسى .
و أشار إليهماآلانقائلاً : " اتبعاني ، وستكون لكما أحسن مائدة في هذا المكان ."
وعندما جلسا نظرت هي إليهباسمة وقالت : " إن القاعة مزدحمةكالعادة أليس كذلك؟ "
فأجاب : " نعم ، كالعادةولو أنني أفتقد تلك المرأةالسمراء التي لا يمكن أن تعوضكم كانت عاملة مجدة ، كما أنها طيبة ... طيبة ... "
وهز رأسه بأسى ثم ابتعد .
ونظرت إلى ألسنة اللهب المتصاعدة من المدفأة ... وفاضت ذكرياتها .. ما أكثر ما ترددت إلى هذا المكان مع روري ...
وقال ستروم فجأة : " هل ترين صوراً في تلك النيران؟ "
فأجفلت وهي تلتفت إليهقائلة : " آسفة ... كنت فقط ..."
فقاطعها قائلاً : " تفكرين في الماضي أليس كذلك؟ لقد فهمت من كلام آلان أنكِ وزوجك ، كنتما تترددان إلى هذا المكان ، و أن هذهأول مرة تحضرين إلى هنابعد ... وفاته؟ "
فأجابت : " نعم، لقد كنت أتجنب ذلك ...."
فقال : " ولماذا لم تقوليشيئاً عندما دعوتك للحضور إلى هنا؟ آه لقد ترددتِ فعلاً وكان علي أن أدرك ..."
فقالت : " وكيف كان لكأن تعلم؟كما أنني مسرورة لحضورناوأول مرة هي صعبة طبعاً بالنسبة ألي ."
كان العشاء رائعاً مؤلفاً من سمك السلمون المشويكطبق رئيسيودهشت هي إذ لاحظت أنحديثهما معاًطوال الوقت لم يتوقف ، رغم أنها لاحظت في النهايةأن ستروم كان يشجعهاعلى الدوام على أن تكون هي المتكلمة وكان يبدومستمتعاً حقاً بحديثها عن عملها وعن قريتها بشكل عام .
ولكنه لم يتطرق مرة واحدة إلىالكلام عن كيلتي وعن أمه هازيل .
ولكنه ما لبث أن قال وهو يستند إلى ظهر كرسيه بكل راحة وعلى شفتيهابتسامة هازلة : "وماذا عن تلكالمرأة السمراء؟و الطيبة؟ من هي هذه الطيبة التي جرؤت على أن تترك عملها لتترك رئيس الندل في هذا الموقف الحرج؟ "
فأجابت : " انه كانيتحدث عن هازيلوالدة كيلتيوأنت مخطئفهي لم تترك عملها، لقد ماتت ."
وسرعان ما شعرت نيرن بغصة في حلقهافلم تستطع متابعة كلامها بينما طفرت الدموعمن عينيها . بحثت في حقيبتها عن منديلتمسح به دموعها تلك . كانت تعلم أن الذكريات ستؤلمها في هذا المكانوكان عليها أن تتمالك نفسها .
سألها : " هل أنتِ بخير؟ "
فأومأت برأسها قائلة : " نعم إنني بخير الآن افني آسفةإذ أثار شجوني الحديث عن هازيل. "
فسألها : " هل كانت صداقتكما متينة؟ "
فأجابت : " نعم جداً "
فسألها ثانياً :" وهلكانت تثق بكِ "
فأجابت : " تثق بي؟ "
فقال : " أعنيأنها تطلعك على كل أسرارها ."
كان صوته يبدو متحدياًَ بشكل غريب . ما الذي كان يرمي إليه؟و أجابته قائلة :" أسرارها؟ لم تكن هازيل من النوعالذييحتوي على أسرار لقد كانت ...."
فقاطعها : " طيبة ....."وأطلق ضحكةاستخفاف وهو يتابع : " امرأةطيبة؟الطيّبة تعني شخصاً بالغالطهارةوليس هناكامرأةحيةتستحق هذا الوصف ."
دفعت نيرن كرسيها إلى الخلف بعنف ووقفت تتناولحقيبتها بيديها الاثنتينوهي تنظر إلى سترومقائلة : " افنيلن أدعوك حيواناً متعصباً لأن أميعلمتني بجانبأن لا أكون مغرورة، علمتنيأيضاًأن لا أشتم أحداً وانكان يستحقذلك وعلى كل حالفأناأقول لك انك قد أفسدت أجمل أمسية مرت بي منذ أشهر أما الآن فأنا ذاهبة . "
وشقت طريقهادون اهتمام بهبين الموائد متجهة إلى الصالةحيث مركز المعاطفوبينما كانت تطلب معطفهاكانت تتمتم ، فظمتغطرس لا يحتمل ...
وجاءها صوته من خلفها : " انه فعلاً يستحق هذه الصفات الثلاث ."
واستدارتعلى عقبيها شاعرةبيده تقبض على كتفيها بقوةوهو يقول : " إنني مذنب يا سيدتيفهل تصفحين؟ "
و أوشكت أن تقولبحدة كلا وأيامرأة ترضى بأن تحشر بين النساء اللاتيلا يمكن الوثوق بهن؟ولكنهاكانت تعلمأنه لم يكن يوجه كلامه إليها هي بالذاتولا بد أن تجربة مرت به في حياته جعلته يفقد ثقته بالجنس الآخر .
وبينما أخذ ستروميساعدهافي ارتداء المعطفقالت له : " سأصفح عن إفسادك لأمسيتنا هذه أما ما قلته عن النساء فليس الصفح أو عدمه بيديإذ من الواضح أن تجربة سيئة مرت بك تركت تأثيرها على حكمك عليهن . ربما ستقابل يوماًما امرأةتحويعلى ما يرضيك في المرأةوما أرجوه هو أن تجد هي فيك أيضاً كل ما يرضيهافي الرجل . "
فقالباسماً : " آه إنها ضربةقوية . "
فأجابت : "وأنت تستحقها . "
فقال : " أسلم بهذاهل عدنا صديقين؟ "
فسارت أمامه وهي تقول ساخرة : "وهل كنا صديقين من قبل؟ "
فمشى بجانبها وهو يجيب : " نعم يانيرنلقد كنا صديقين من قبل ومن الغريب أنني أشعر وكأننا سنكون صديقين على الدوام . "
وأخبرتهادقات قلبها وهي تتوجه معه نحو سيارتهبأنهما لن يكونا مجرد صديقينذلك أن مشاعرها نحوه أقوى وأكثرتعقيداً من أن تكون مجرد مشاعر صداقةعادية كان يساورها إحساس عميق بأنها إذاهي أفسحت المجال لهذا الرجلفسيقلب حياتها رأساً على عقب مبدداً السلام الذي سبق وجاهدت للحصول عليه منذ وفاة زوجها روري ذلك أن قلبها ما زال جريحاً وهي لن تكرر التجربةمرة أخرى ومن الأفضل لها أن تبقى في زاويتها الهادئة .
إنها حلما يصلان إلىبيتها ستستأذن ثم تصعد إلىغرفتهاانه لم يقل كم يوماً سيمضي في غلينكريغ .. ولكنها ستسأله عن ذلك غداً آملة أن يسرع بالرحيل .
ولكنها ستنتظر إلى أن يتحدث مع كيلتي بشأن آلة التصوير .
ولم يتحدث ستروم في الأمرفي الصباحالتالي حتى انهوا هم الثلاثة تناول الفطوركانت نيرن تغسل إناء القهوة في الحوض بينما وقف كيلتي قائلاًانه سيتوجه إلى المدرسةعندما وقف ستروم مسنداً ظهره إلى النافذةوهو يقول : " انتظرلحظة .. إن لي كلمة معك . "
فاستدار الغلام يواجهه قائلاً بأدب : " ليس عندي وقت كاف ما هي؟ "
فقال ستروم عابساً : " لقد جاءت والدة دنكان ماكدونالدإلى نيرنأمس لتخبرها أن أبنها اشترى منك آلة التصوير بالنقود المدخرة لتعليمه . "
ولم يبد على كيلتي أي ردة فعل لهذا الكلام سوى اضطراب خفيف في نظراته .. وعندما لم يتكلم ، تابع ستروم : "إن والدة دنكان تريد استرداد النقود . "
فبدا الشحوب على وجه الغلام وهو يقول : " إنها كانت معاملة بيع وشراء بيني وبين دنكانولا يمكننيإعادة النقود إليه .. إن عليه أن يحتفظ بآلة التصوير . "
ولاحظت نيرن في صوته ألماًدفيناً وهو يقول ذلك .
قال ستروم : " إن آلة التصوير هيمعي . "
فبدا الذهول في عيني الغلام ولكنه هز كتفيه قائلاً بصوت مرتجف قليلاً : " احتفظ بهالنفسك إذن فأنا لا أريدها . "
فانفجر ستروم قائلاً بحدة : " إنني لا أريدهاأننيأريدك أن تستردها فقد كنت رأيت تصويرك الفوتوغرافي .. وهو حسن جداً ، طبعاً ما زال أمامكالكثير لتتعلمهولكن عندك الموهبةلقدأعدت أنا ثمن آلة التصوير وسنصل إلى نتيجة بيننا يمكنكأن تعيد إلى النقود على أقساطولا يهمني كم سيأخذ ذلك من الوقتولا أظنك أنفقت النقود كلها . كم بقي معك؟ "
فتورد وجه كيلتي وهو يقول : " لا شيء ."
فقال ستروم بحدة : " هل ذهبت كلها؟ وعلى ماذا أنفقتها؟ "
ولجزء من الثانية ، تجمد المشهد أمام عيني نيرن ، لترى أن الرجل والغلام متماثلان تقريباً وكأنهما صنعا من معدن واحد . نفس لفتة الرأسونفس تكوين الوجه ونفس الفك ونفس العنق القويونفس الكتفين العريضين ونفس الأصابع الطويلة ...
ثم تحرك المشهد لتدرك أن ستروم ما زال يتحدثوبسرعة بلهجة يشوبها شيء من الذعر : " أي نوعمن الفتيان أنت؟كيف تتخلى بسهولةعن شيء مثل هذاكان عليك أن تحتفظ به؟إن أباك حسب قول نيرن قد ضحى بالكثير لكي تحصل على آلة التصوير تلك .... ما الذي كنت تريده بثمنها؟ "
فازدرد كيلتي ريقه ثم تنحنحقائلاً بصوت متردد : "كان شيئاً أنا بحاجة إليه ...."
كان في صوته توجس مما عسى أن تكون ردة فعل ستروم لهذا ما جعل نيرن تشعر بالألم لأجله وأرادت أن تقول شيئاً ولكن راعها أن انفجر ستروم يقول بخشونة : " شيء أنت بحاجة إليه؟انك غير مدمن على المخدرات أليس كذلك يا فتى؟ "
فاتسعت عينا الغلاموحملق في ستروملحظاتوكأنه لم يفهم ، ليصرخبعدها بصوت يختنق بالألم وكأن ستروم وجه إليه ضربة : "كلا ... هذا غير صحيح طبعاً لا ... هذا غير ممكن .. كيف أمكنك أن تفكر ...."
وانطلق خارجاً وتنورتهتموج حول ركبتيهمتجهاً نحوالبابوعندما مر بنيرن لمحت هذه التعاسة على ملامحهولكن قبل أن تتحرككان قد خرج صافقاًباب المطبخ خلفه .
واستدارت إلى ستروم وعلى شفتيها كلمات اللوم ولكن الكلمات لم تنطلق وهي ترى وجهه الشاحب . كان واقفاً يحدق في الباب المغلق وكأن الحياة سلبت منه ليرفع بعد ذلك قبضته يضرب الجدار بجانبه وهو يقول بمرارة وخيبة : "لقد أفسدت كل شيء أليس كذلك؟ "
وكانت لهجتهتنطق بالازدراء لنفسهوتابع يقول : " الأفضل أن أتبعه لأصلح الأمر قبل أن يخرج ...."
ولكنها أمسكت بذراعه وهو يتجه نحو الباب وهي تقول : " كلا أنه لن يشكر لك اللحاق به خاصة أثناء الشعور الذي يتملكه الآن .انك آذيت شعوره إلى درجة بالغةذلك أنه كان دوماً غلاماً مستقيماً ، انتظرإلىالليل وهو سيراجع نفسه وعندها سيدرك أن تدخلك في أمره هو شيء طبيعي تبعاً لهذه الظروف . "
فقال : " ربما أنتِ على حقولكن إذا لم يكن ثمة مخدرات في الموضوع فما الذي دعاه إلى إنفاقكل ذلك المبلغ؟ "
فنظرت إليه ، إلى الحيرةالبالغة في ملامحهولكن لتلمح شيئاً آخر .. شيئاً لم تستطع فهمه .. وفجأة شعرت بأنها نالت الكفاية . إنها لن تستطيع الاحتمال أكثر من ذلك وهي ترى هذا التفاعل الغريب بين هذين الشخصين دون أن تفقه السبب ثم إن البيت بيتها وكيلتي أصبح في وصايتهافهذا الأمر يهمها الآن سواء شاءت أم أبت .
وعقدت ذراعيهاأمام صدرهاثم تنفست بعمق قبل أن تقول : " ستروم إنني عادة لا أتدخل في شؤون الآخرين ولكنني أريد أن أعلم سبب حضورك إلى هذه القرية ولا أدري ما هي العلاقةالتي بينك وبين كيلتي ، أتراك تكرهه؟ "
وسكتتوهي تراه يتحول نحو النافذة يحدق منها صامتاً كما سبق وفعل في منزل آني في غرفة كيلتيولكنها هذه المرةوقفت تنتظر جوابه .
وكأنه أحس بعنادها فالتفت إليها وقد بان الإرهاق على وجهه وقال : " انكِ مخطئة فأنالا أكره الغلام ........"
فقالت : "ولكن هنالك شيء ما وفي اليومالذي التقينا فيه لأول مرةوكان ذلك في المقبرةوكنت أنتواقفاً أمام قبر هازيل ، لقد سألتكعندها إن كان سبقلك معرفة هاز ...... "
فقاطعهاقائلاً : " وأجبتك بأنني مهتم بالمقابر القديمة . "
فقالت : " نعم ولكنك لم تجب عن سؤالي ذاك . "
فأجاب : " هذا صحيحفأنا لم أجب عنه . "
فقالت : " وإذا سألتك الآن فهل ستعلمني بالحقيقة؟ "
فأغمض عينيه لحظة طويلةثم فتحهما ليحدق فيها بثباتثم قال : " نعم إذا سألتني"
فسألته بلطف : " هل سبق لك معرفة هازيل دنبار؟ "
فأجاب : " كلا ، أنا لم أعرف هازيل دنبار . "
كان يبدو عليه أنه يقول الحقيقة ولكنها أحست أن الأمر لم ينته هنا ، ذلك أن الكآبة احتلت عينيه إلى حد اهتز له قلبها وأدركت أنه على وشك إخبارها بالحقيقةفانتظرت وعاد هو يكرر قوله : "إنني لم أعرف هازيل دنبار لأنني عرفتها قبل أن تتزوج وكان اسمها هو هازيل ليندساي ..."
فقالت : " نعم كان اسمها كذلكولكنلماذا لم تخبرني في المقبرة بسابق معرفتك بها؟ ولماذا تجعله سراً؟ إنني لا أفهم . "
فأجاب : " وكيف لكِ أن تفهمي؟ أنه سر أردت أن أحتفظ به ولكن بما أنكِ ستكونين الوصية على كيلتي فسأكاشفك به على أن تقسمي بكتمانه . "
فأجابت بفتور : " إنني أقسم ..... ولكن ...."
فقال : " لقد كنا أنا و هازيلليندسايمتحابينقبل أن تتزوج . "
وتابع متجاهلاًشهقة عدمتصديقصدرت عن نيرن : " أما سومرليد دنبار فهو ابني ."
سومرليد دنبارهـــوابنــي.
بقيت هذه الكلمات تتردد في أذني نيرن بقية الصباح وهي تقوم بأعمالها المنزليةدون أن تستطيع التخلص منها وهذا أصابها بصداع جعلها تشعر بضرورة الخروج للتمشي قليلاًعسى أن تتحسن حالها.
كان الجو صحواً ، إلىإنذاربسقوط قريب للثلج فخرجت من منزلهابعد أن صفرت للكلب شادو ومن ثم اتخذت الطريق العام للتمشي.
مشت بسرعة علها تتخلص بذلك من كلمات ستروم التي لم تستطع التخلص منها ما منعهامن التملي من جمال ما يحيط بها من مناظر طبيعية.
لقد كان ستروممعها في كل خطوة تخطوها رغم أنه سبق وخرج في سيارته المرسيدس إلى حيث لا تعلم . وشعرت بالندملعدم إلحاحها عليهقبل خروجه لاطلاعها على المزيد . لقد كانت بحاجة إلى إيضاح ما سمعتوالذي لم تكد تصدقه فقد كانت هازيل صديقتها لسنوات طويلةكانت تظن أنها تعرف هازيلتماماً ولكن تلك المرأة السمراء الجميلة كانت تعيش طوال أربعة عشر عاماً ، هذا إذا كان ما قاله ستروم صحيحاً ، كانت تعيش في الكذبذلك أن هوغ لم يكن والد كيلتي .
كما أن والد كيلتي الحقيقي قد عاد الآن ....
ولكن لماذا الآن؟ ولماذا لم يساند هازيل أثناء حملها؟ لماذا لم يتزوجها؟ لماذا؟
وتنهدت نيرن .. ما أكثرها من أسئلة ولكن الماضي هو الماضيو ها أن ستروم قد عاد ... ولعل السبب الوحيد لذلك هو أنه ... أنه يريد الغلام ....
وهي أيضاً تريد رعاية الغلام وقد علمت الليلة الماضية دون أدنى شك أن كيلتي كان سعيداً لهذهالفكرة ولكنه لم يكن يعلمأن هذا الرجل الغريبهو أبوه فما الذي سيقوم به عندما يعلم؟
وخامرهاشعور بأنه مهما كان الحل لهذه المشكلة فان هناك شخصاً سيتألم في النهاية .
وأجفلت عندما شعرت بالصداع عندها يتزايد بدلاً من أنيخفوأنه كان من الأفضل لها لو أنها تناولت قرصين من الأسبيرينولجأت ساعة إلى الفراش .
وهكذا ، نادت الكلب ومن ثم استدارت عائدة إلى البيتوعندما وصلت إلى البوابة الخارجية لمحت ساعي البريدماراً على دراجته فابتسمت له محيية وهي تقول : " انه يوم جميل . "
فأجاب : " نعم يا نيرن ، رغم سقوط الثلج فوق جبل سلاغمهور . "
وتباطأ وهو يقترب منها ليقول : "ليس ثمة شيء في البريد لأجلك إنني دوماًً أقول ان ليس هناك خبراً جيداً ."
وضحك مبتعداً وهو يرفع يده بالتحية .
ورفعت نيرن بصرهاإلى قمةجبل سلاغمهورالمشرفعلىنزل برواشنعم لقد كانساعي البريد على حق فقد كان الثلج يكسو التلال كما أن قمة هذا الجبل بدت من الجمال بحيث لم تلحظ مثله من قبل.
وعندما دخلت المنزل لاحظت أن صداعها قد خف الآن وفكرت بأن ما تحتاج إليه هو كوب من شاي .
ولكنها ما أن اتجهت إلى المطبخ حتى تعالى رنين جرس الهاتف فأسرعت إليه . وما أن أمسكت بالسماعة حتى سمعت حركة عند الباب لا بد أنه ستروم أوكيلتيوتناهى إلى مسامعها صوت كيلا في الهاتف : " نيرنهل كيلتي عندكِ؟ "
فأجابت: " لحظةواحدة ." ذلك أنها سمعت مقبض الباب يدورليظهر ستروممن الباب. فهزت رأسها له بالتحيةوعادت تجيب كيلا : " آسفة يا كيلا لتأخري بالجواب لأن ستروم دخل الآن ولكن لماذا تسألينني عن كيلتي؟ "
فأجابت هذه : " لأنه لم يكن في المدرسة هذا النهار . "
فهتفت نيرن : " لم يكن في المدرسةهذا النهار؟ "
أجابتكيلا : "لقد جاء ابني كيفين الآن لتناول الغداء وقال انه عندما ذهب إلى المدرسةهذا الصباحتقابل مع كيلتي الذي قال له إن الحياة لم تعد تحتمل هذه الأيام وانه يشعر بالغثيانمن هذه البلدة فهو سيغادرها . "
فقالت نيرن بضعف : " يغادرها؟ أتعنين انه هرب؟ "
ونظرت بحركة آليةإلى سترومالذي كان يعلق سترته الجلدية في الخزانةوالذي تجمد للحظة لدى سماعه كلماتها ثم أدار رأسه ينظر إليها ذاهلاً.
وقالت تكلم كيلا : " هل ذكر شيئاً عن مكان ذهابه؟ "
فأجابت : " كلا ، ولكن كيفين تبع كيلتي مسافة قليلة . انه لم يتبع الطريق الرئيسيالذي يقود إلى المدينة ..... لقد ذهب إلى الطريق المؤدي إلى جبل سلاغمهور . "
فهتفت نيرن شاعرة بالجليد يغلف قلبها : " سلاغمهور؟ أتعنين انه ذهب متسلقاً الجبل؟ "
فأجابت : " أظن ذلك . آهكم أتمنى لو كان آدم زوجي هنا، فهو يعرف طرقات الجبل تماماً وبإمكانه أن يلحق به ... ولكنه لن يعود من ادنبره قبل الغد . "
فقالتنيرنشاعرة بالشحوب يسود وجهها : " آه إن البرد سيشتد هناك مع كل ذلك الثلج .. وأنتِ تعرفين أنه لا يرتديشيئاً عداتلك التنورةما الذي أستطيع فعله؟ . "
ولم تكملكلامها لأن سترومعبر الصالة مسرعاً ليأخذ السماعة من يدها ويتحدث فيها قائلاً : " ليس عليكِ أن تقلقي بشأن الغلام يا سيدة كارفي ستتصل بك نيرن تطمئنك في اللحظة التي أجده أنا فيها. "
وعندماأعاد السماعة إلى موضعها ، أدركت نيرن أنها كانت ترتجف . وكان السبب عدا هرب كيلتي هو شخصية ستروم المسيطرةوغلى الغضب في داخلهافوقفت تحدق به وهي تسأله بكلمات تغلي بالغضبوالاتهام : " ما الذي تقوم به؟ بأي حق تنتزع من يدي الهاتف فتقطع علينا هذه المحادثة الخاصة عن ....."
ولكنها سرعان ما سكتت وهي تدرك أنه ربما يملك من الحق بالنسبة إلى كيلتي أكثر مما تتصور ..... فقد كان والد الغلام ..
وكانت في فورة غضبها قد نسيت هذه الحقيقة ذلك أنه الوحيد الذي له الحق في الاهتمام والتصرف بشأن كيلتي .
وقالت : " إنني آسفةلم أكن أعني أن ..."
فقاطعها : " لا بأس ... أتظنينه ذهب متسلقاً ذلك الجبل؟ حدثيني عنه؟ "
فأجابت : " انه الجبل الذي تراه من نافذةغرفة نومكوتسلقه حسن جداً أثناءفصلالصيفوكيلتي يحبه وقد اعتاد أن يحمل آلة التصوير وزاداً من الطعامليمضيأياماً في الجبليأخذ الصور الفوتوغرافية . "
فقاطعها بخشونة : "ولكن الآن ليس وقت الصيف انه منتصف الشتاء ، سألحق به."
فقالت : " ولكنك لا تعرف الطريق ..... "
فقال : " إن هنالك الإشارات على الطريق أليس كذلك؟ إنني سأجده . "
فقالت : "سآتي معك . "
فأجاب : " كلا . "
فقالت : " لن تستطيع منعي . "
لقد فارقها الذعر الذي كانت تشعر به منذ لحظات وتابعت تقول : "إنني سأساعدك لأنني أعرف الجبل جيداً منذ كنت طفلة . وإذا كان هناك فأنا أعرف أين يكون . إن هنالك أكواخاً تبنى عادة لمتسلقي الجبال ليلجئواإليها .... "
فقاطعها : " إنني أعرف تلك الأكواخ . صحيح أنني ربيب المدن ولكن هذا لا يجعلني طفلاً هشاً . "
وسكت لحظة ، ثم عاد يقول : " آسف ربما كنتِ أنتِ على حق إن أحداً لن يستفيد بشيء إذاأنا ضيعت طريقي . "
فقالت : " إننا بحاجة إلى أخذ بعض الأشياء معنا ، مثل ملابس دافئة لكيلتيوبعض الإسعافات الأوليةوأكياس للنوم فيما لولم نستطع العودة قبل هبوط الظلام ، إنني سأجهزكيسين نحملهما . "
ونظرت إلى حذاء ستروم الأنيق اللامع قائلة : "لا يمكن أن تتسلق الجبل بهذا الحذاءفإذاشئت هنالك أحذية الفتيان العالية يمكنك أن تنتعل واحداً منها . "
فسألها : " كم سيأخذ تجهيز كل ذلكمن الوقت؟ "
فأجابت : " ربع ساعة ، سأتصل بالشرطة أولاً لأعلمها بما حدث إذ ربما اتصلوا إذالزم الأمربغرفة الإنقاذ المختصة بالجبل في قرية غلينكريغ مهما كان ، فعليهم أن يعرفوا أننا سنتسلق الجبل بحثاً عن كيلتي . "
فقال : " سأتصل أنا ،ما هو الرقم؟ "
فأجابت : " يوجد في المطبخ قائمة بالأرقام قرب الهاتف . "
وقبل أنتنهي كلامها كان هو قد أصبح في المطبخ ، واندفعت هي صاعدة السلم . لو أن زوج أختها كان هناوهو الذي سبق له تسلق الجبل عدة مرات ، إذن لشعرت بثقة أكبر في الذهاب معه . أما ستروم صحيح أنه بالغ التصميم والقلق إلا أنه ربيب المدينة على كل حال وقد يكون إعاقة لها بدلاً من أن يكون مصدر عون .
وفي غرفتها ، ارتدت أكثر ثيابها دفئاً وبينما كانت تفعل ذلك ، تمثلت أمام مخيلتها صورة كيلتي يرتجف برداًبتنورته وقميصه المقفول وساقيه العاريتين ...
وأخذت تخرجثيابها الصوفيةوهي ترتجفمن الانفعال ، إن عليهما أن يعثرا على كيلتي قبل حلول الظلام . فالجبال قاسية جداً نحو أولئك الذين لا يقدرونها حق قدرها ..


الفصــــــــــل الثامن


وضعت نيرنحملها على جانبمن الطريق وهي تقول : " فلنقف هنا لحظة نأخذ فيها أنفاسنا . "
ووضع ستروم حمله بدوره ، ثم أجال بصره في ما حوله وهو يقول : " ما أجملها من بلاد . "
فأجابت : " نعم ، إن اسكتلندا هي من أجمل بلاد العالم . "
فنظرإليهاقائلاً : " يبدو انك متأكدة من ذلك . "
وكان في لهجته شيء من التهكموهو يقول : " لقد سبق ورأيتِ شيئاً من العالم أليس كذلك؟ إذ لا بد أن قراركِ هذا مبني على أساس متين . "
فأجابت : " كلا لم أسافر كثيراً لقد ذهبت من قبل سائحة في الباصإلىالقارةالأوروبية مع والديّوذلك منذ سنوات وهذا كل شيء . "
فقال بدهشة : " أهذا كل شيء؟ ألا تحبين الأسفار؟ "
فهزت كتفيها . إن بإمكانهاأنتخبره بالحقيقة ولكن ذلك كان يبدو وكأنها تخون ذكرى روري .. فقد كانت تحب الأسفار وكانت تحلم دوماً بسفر معهإلى المناطق الاستوائية حيث الشمس الدافئة وحيث النخيل والطيور الغريبة وأنواع الزهور التي لم ترها من قبل .... ولكن روري كان يقول انه لا يشعر بالراحةفي مثل تلك الأماكن ... وكان يضيف مازحاً إن في اسكتلندا كثيراً من الأماكن لم يرهابعد ويريد أن يراها قبل أن يموت .
وهكذا زارا الكثير من الأماكن معاً وان لم يكن كلها قبل أن يموت .
وعاد ستروم يسألها : " أظنك سافرت كثيراً؟ "
فأجابت : " نعم سافرت ولكن ليس كثيراً . "
وبوقوفهما هذا شعرت نيرن بمبلغ برودة الهواء ، لقد مضت عليهما أكثر من ساعة وهما يسيران متسلقين دون توقفورأت وهي تتطلع حولهاانهما سيصلان إلى مواقع الثلج بعد ثلث ساعة أو نحو ذلك وحتى الآنلم يبد أثر لكيلتيولكنهما سرعان ما سيكون بإمكانهما أن يشاهدا آثار قدميه على الثلج حين وصولهما .. هذا إذا كان قد سبق وسلك هذا الطريق ولكن كان عليه أن يسلك هذا الطريق ولا بد أن يعثرا عليه في أول كوخ يصلان إليه بعد حوالي نصف ساعة .
ولم تشأ التفكير في شيء تكرهه .. وحولت أفكارها إلى ناحية أخرى فقالت : " عندما قلتمنذ لحظة أن المناظركانت رائعة كان في صوتك شيء ما .... آه ربما كنت أتخيل ذلك ولكنه بدا لي وكأن لديك علاقة ما بهذه البلاد لقد كنت أخبرتني انك مولود في مانشستر ولكن اسمك هذا (ستروم غالبريث) هو إسكتلنديولا بد انك إسكتلنديجزئياًعلى الأقل . "
فأجاب : " إنني لستإسكتلنديجزئياً وإنما مئة بالمئةورغم إنني مولود في انكلترا ، فان أبي وأمي إسكتلنديان وبلد أمي يدعى ستروم كما اعتقد. "
فحملقت نيرن به وهي تقول : " كما تعتقد؟ ألا تعلم حقيقة؟ "
فأجاب : " لقد هجرت أمي أبي منذ ولادتي ، تاركة إياي معه وهو لم يتحدث عنها قط وقد تعلمت أن لا ألفظ اسمها أمامه وقد توفيعندما كنت في العشرينمن عمري ولكن منذ وعيت على الحياة غرس في نفسي عقيدته في أن النساء لا أمان لهن . "
وضحك بمرارة وهو يتابع : " ولماذا لا اصدقه؟ لقد كان البرهان موجوداً .. فقد هجرتني أمي نفسها ...."
وهنا ، تذكرت نيرن الأسى الذي بدا عليه عندما سبق وسألته في المطعم عما إذا كانت أمه علمته أنلا يكون مغروراً . ذلك أن أمه لم تكن معه لتعلمه شيئاً ولكن غيابها هذا علمه شيئاً ... شيئاًأوجد لديه هذه النظرة العدائية نحو النساء ، جميع النساء .
وكان هو يتابع كلامهبمرارة : " والوقت الوحيد الذي تخليت فيه عن الحذرهو الوقت الذي صممت فيه على الثقة ...."
وسكت فجأة ولكنه لم يكن بحاجة لقول المزيد إذ لا بد أنه كان يعني بذلك علاقته بهازيلوهل هذا هو السبب في حضوره أخيراً للمطالبة بابنه؟ أتراه أدرك أخيراً أنه إذا هو لم يطالب به فانه سيكون قد ارتكب نفس ذنب أمهالتي هجرته وليداً؟
وقالت : " بالنسبة إلى كيلتيما الذي ستفعله بشأنه؟ هل سيسافر معك؟ أم انك ستضعه في مدرسة داخلية؟ "
كانت تتكلم دون أن تنظر إليه . لم تكن تريده أن يرى الدموع في عينيها ولكنها عندما لم تسمع منه جواباً ، غالبت دموعها والتفتت تنظر إليه ولكنه لم يكن ينظر إليهاكان يحدق في الوادي وكأنه منحوتة في جانب الجبل ، ما عدا خصلة من شعره الأسود كانت تتطاير فوق جبهتهوعادت تقول بقلق : " إذا أنت أخذت كيلتي هل ....."
فقاطعها : " لقد سبق وسمعت ما قلته . "
فنظرت إلى وجههالذي بدا كأنه قد من الصوان وهي تسأله بخشونة : " ولماذا لم تجب إذن؟ وإذا لم تشأ الإدلاء بجواب على الأقل ....."
فقاطعها : " أتريدين جواباً؟ "
وتحول ينظر إليهاوأجفلت وهي ترى الكآبة والتجهم يعلوان ملامحهوهو يتابع قائلاً : " إذنفسأعطيك الجواب . كلا إنني لن آخذ ابني معي كما إنني لن أضعه في مدرسة داخلية ... "
فقالت : " وماذا ستفعل إذن؟ "
فأجاب : " سأتركه في غلينكريغيا سيدة كامبلوستستمر حياته كما هي وكأنني لم أكتشف وجوده قط ، لقد كنتِ تحدثت عن تربيته وأنا ليس لدي اعتراض على ذلك إنني سأؤمنهمالياً وسيرث كل أملاكي بعد موتي ."
لماذا تراهاتشعر وكأنها متبلدة الإحساس . كان ينبغي أن تفهم ماذا كان يقولولكن ما سمعته لم يكن معقولاً ..... يبدو وكأنه يريد أن يعود إلى المدينة تاركاً كيلتي في غلينكريغ ......
وعاد هو يقول بضيق : " نعم يا نيرنإن سمعك لم يخطئ ما قلته لكِ عندما أعود إلى لندن سأعود بمفردي . "
وانحنى يلتقط كيسها يناولها إياه ، فنظرت إليه لتراه ينظر إليها بعينين كانتا من العنف والقسوةبحيث تماثلان تلك التلال الصخرية حولهماوهو يقول لها : " في كل مرة انظرفيها إلى ذلك الغلامأرى أمه ، في كل مرة أفكر في ذلك الغلام أفكر في أمه وعندما أفكر في أمه ، تفيض نفسي بالكراهيةكينبوع من السم وهذا السم يفيض على ابنها ...... "
فصرخت نيرنفي وجهه : " إنني لا أعرف ما الذي فعلته هازيل لتستحق منك كل هذه المشاعر التي لا تعرف الغفران ولكن كيلتي لم يفعل شيءيجعله يستحق منك كل هذه الغلظة والعنف . "
وكان صوتها باكياً وهي تتابع : " ستروم لا تتخلى عنه ... انه ابنك ."
لم يجب وكأن توسلاتها صافحت آذاناً صماء . أشاح بوجهه عنها ليسير بتثاقل صاعداًالمرتفعات الشاهقة وقدهبطت كتفاه وكأنهما تحملان أثقال العالم اجمع .
واغرورقت عيناها بالدموع . وأسرعت خلفه بعد أن شدت متاعها إلى ظهرهاكان بإمكانها أن تتخيل ما قد يكون شاعراً به . لقد كان ممزق العواطفذلك أنه نتيجة لكراهيته لهازيلكان يحاول أن لا يتعلق عاطفياً بابنه ويبدو أن هذا الكفاح كان صعباً عليه كانت تظنفي البداية إن بإمكانها مساعدته ولكنها تدرك الآن خطأها ، فهوالوحيدالذيبإمكانه أن يحررنفسه منكل هذهالمرارةوذلكالحقداللذين يدمران كيانه . انه الوحيد الذي بإمكانه أن يفك الأغلالالتي تقيد قلبه ومن ثم يطلقه حراً .
كان على قمة جبل سلاغمهور كومة من الحجارة أقيمت منذ سنوات بأيدي المتسلقين الذين كانوا يضيفون حجراً إلى تلك الكومةوذلك كشاهد على إنجازهم في غزو القمةوفي هذا الوقت من فصل الشتاء كانت كومة الحجارة مغطاة بالثلوج.
وقفت نيرن مديرة ظهرها إلى هذه الحجارة وقد حنت ظهرها إزاءشدة الرياحوكانت الشمس قد مالت إلى المغيب منذ فترة والسماء اغبر لونهاكما انتشرت الظلال وأظلمت الوهادوشعرت بالصقيع حتى العظموأحست بارتجاف مؤلم وهي تنظر إلى ستروم .
وهتفت بيأس : " انه ليس هنا انه ليس على الجبل . "
فسألها : " ألا يمكن أن يكون قد نزل من الجهة الأخرى . "
فصرخت : " من غير الممكن النزول من الجهة الأخرىفهناك صخور شاهقة جداًوفي السفح يوجد أخدود مليء بمياه الأمطار ...."
وازدردت ريقها لا تريد أن تفكر بذلك الأخدودولكن إذا كان كيلتي قد اختار النزول من تلك الجهة فليس ثمة فائدة من التفتيش عنه فالأخدود كان بعمق مئات الأقدام . ولفت وشاحهاحول فمها وهي تقول : " ستسود الظلمة قريباً ومن الأفضل أن نعود"
ورفعت بصرها عالياً ثم همست بذعر : " الثلج سيتساقط مرة أخرى ...."
وتلاشى صوتها عندما هب الهواء المثلج يحمل الألوف من ندف الثلجتتطاير حولهماومرت لحظة تجمد فيها ذهنها فلم تر ستروموشعرت بنفسهاوحيدة في هذا المكان الشاهق بعيدةأميالاً عن كل مخلوق أو مكان.
ثم إذا بأصابعقوية تقبضعلىذراعيهاوصوت يقول: "يبدو أن عاصفة ثلجية على وشك الهبوبمن الأفضل أن نفتش عن ملجأ، ولا تقلقي بشأن كيلتيإذربما عاد فراجع أفكاره من ناحية الهرب وربما يكون الآنجالساًفيالمنزلقرب المدفأة ."
وفكرت نيرن وهي تهبط فوق الصخور المغطاة بالثلج في أنه قديكون على حق . قد لا يكون كيلتي الآن جالساً قرب المدفأة ولكنه بالتأكيد ليس على جبل سلاغمهور، نعمربما جاء إلى هنا ، ذلك أنهما شاهدا أثار أقدامأمام أول بابمرا به في طريقهماإلى القمةوكذلك أمامباب ثانيولكن شدة الرياح وتساقط الثلج جعلت من غير الممكن التمييز ما إذا كانت آثار أقدام إنسان أم أرنب بري .
كان الكوخان خاليين وكان الأصغرالقريب من القمة مجرد كوخ لا يقدم سوىالملجأ لأولئك الذين تفاجئهم العاصفة أو الظلام، أما الآخرالذي يمران به مرة أخرى بعد ثلث ساعةفيعودتهمافقد كان ذات مرة كوخاً لرعاة وكانت الغرفةالأمامية تحتوي على مدفأة أما الغرفة الخلفيةفقد كانت عارية تماماً ولكن نيرن كانت لاحظت كومة من الحطبوبعض المواد السريعة الاشتعالفي زاوية من الغرفةالأكثر اتساعاً كما كانت هناك حشية قذرة المظهر مكومة بجانب الجدار وقد ألقي عليها بطانية تماثلها قذارة .
وكانت كل دقيقةتمر بهما تجعل مقاومتهما لعصف الرياح اكثر صعوبةفقد جعل ذلك التنفسوكذلك الرؤية اكثر صعوبة وكان الثلجيزداد سماكة كل لحظةوكان شعر ستروم الأسود قد اصبح ابيض تماماً وكذلك حاجباه ولكن رغم الرياح التي كانت من القسوة بحيث توشك أن تقذف بهم من فوق الجبل فقد كانت حركاته مليئة بالثقة والسيطرة على ما حوله .
وجدت نيرن نفسها تفكر في أن حكمها عليه كان خاطئاًفقالت له وهي تحاول وسعها البقاء بجانبه : " يجب أن اعتذر إليك فقد كنت مخطئة."
فسألها : " مخطئة بماذا؟ "
فأجابت : " كنت ظننت انك ربيب المدينة ، ظننت انك ....."
فقاطعها وقد بدا الهزل في صوته : " ظننتني شخصاً خسعاً ستضطرين إلى تركه خلفك بعد عدة مئات من الأمتارثم ..."
فقالت : " على كل حال ...."
وهنا فقدت توازنها وهي تقفز من فوقصخرة وكادت تقع لولا أن امتدت ذراعاه تثبتانها واحمر وجهها قليلاً بينما ابتسم وهوينظر إليهاقائلاً : " إن الثلج جعل شعرك يبدو ابيض تماماً مما أراني صورة عن مظهرك بعد خمسين عاماً حين يكون شعرك قد ابيضّ بينما ما زال وجهك جميلاً وانفك حلواً وما زالت تعلوه بعض نقاط النمش ... "
وابتسم مرة أخرى وكان شالهاقد انزلقفمد يديه يربطه حول وجهها قبل أن يتابع سيره وكانت هي تسير بجانبه دون انتباه منها إلى بنطلونها الذي كان قد ألصقه البلل بساقيها . كانت تشعر بالبرد والضعف وكانت تدرك أنها لا بد تبدو كعمود ثلجي يمشي .
وفجأةهتفت بصوت أجش : " ها قد وصلنا آه لا أستطيع تصديق ذلك . "
لقد كان عثورهما على الكوخ الثاني أعجوبةحقاً فهي لم تر من قبل مثل هذا البياض الذي يكسو كل شيء وعندماوقفا أخيراً عند الباب والعاصفة تصفر حولهماتكاد تعصف بهما .
وتصاعد صرير البابعندما فتحه ستروم وعندما جذبهاإلىالداخل ، اندفعت معهماهبة ريح ثلجية هوجاء اكتسحت المكانوصفق ستروم البابثم وقفا معاً في الظلامصامتين .
وقال ستروم بهدوء : " سنمضي الليلة هنا . "
فهمست قائلة : " نعم أظن ذلك ولكن عندما تهدأ العاصفة في الصباح علينا أن نكون قادرين على العودة . على الأقل الشرطة تعلم أين نحن إذا .... "
فقاطعها : " دعينا لا نفكر في ( إذا ) هذه يا نيرن إن ما عليناأن نفعل الآن هو أن نهتم بوضعنا هنا حالياً ونلتمس الدفء . "
كانت نيرن تستمع إلى صوته القويمحاولة أن تستمد منه القوةولكنها بعد أن كفا عن المسير ابتدأت بالارتجاف من البرد فقالت : " حسناً لقد كنت رأيت بعض الحطبومواد الإشعال هنا من قبلفي تلك الزاوية . إن علينا أن نشعلالناروقد أحضرت معي علب ثقاب طبعاً كذلك أحضرت مصباحاً يدوياً ولم أكن أظن أننا قد نحتاجه فقد فكرت فيه في آخر لحظة . "
فقال : " وهي فكرة طيبة حقاً و الآن دعيني أساعدك على إنزال حملك عن ظهرك ."
وخلعت نيرن قفازيها الجلديين ووضعتهمافي جيب سترتها ثم فتحت كيسها بأصابع حذرةو أخرجت منه المصباح اليدوي فأنارته محولة ضوءه إلى الزاوية حيث سبق ورأت الحطب .
فقالت له : " إن الفراش هناك لم اكن أظن أن وقتاً سيأتي سأقتنع بمثل هذا الفراش الرث . "
وابتدأت تنظف المكان من الأوراق القذرةوالمهملات الملقاة على الأرضوهي تقول : " علينا أن ننظف المكان قدر استطاعتنا لكي ......."
وسكتت فجأة وهي تسمع ما يشبه الأنينخلفهافقالت : " ماذا حدث؟ " هل أصابك شيء ؟ "
فقال ستروم : " كلا إنني بخير. اعطني المصباح لحظة . "
وتناول منها المصباح وبدأ يوجهه نحوأنحاء المكان ، السقف ، الزوايا ، فوق الباب والسقف .....
وهتفت : " آه كلا ....."
وشعرت بدواروهي ترى في ضوء المصباح الضئيل ... " كلا هذا مستحيل .."
وقال ستروم بصوت اكثر خشونة مما سبق وسمعته من قبل : " هيا اهتمي بإشعال النار يا نيرن وسأضعه في كيس النوم إن علينا أن ندفئ جسده ."
لقد كان هذا كيلتيمستلقياً على الفراش القذر وغطاؤه الوحيد كان البطانية الرثة وكان متكوماً على نفسه مغمضاً عينيه ووجهه في شحوب الموتىوكان جسده يرتجف كمن يعاني من حمى الملاريا .
لا بد أنه كان يخفي نفسه خلف الفراش عندما اقبلا في البدايةيبحثان عنهكما فكرت نيرنلا بد انه كان سمعهما يقتربان ، فأسرع بخفاء نفسه ولم يظن انهما سيعودان إلى الكوخ مرة أخرى ...
وهز ستروم ذراعيها ينبهها من أفكارها تلك قائلاً : " نيرن دعي عنك ذهولكهذا و أوقدي النار . "
ولم تعرف كيف تحركت وأحضرت الثقاب ثم الحطب تحمله إلى المدفأة كانت تشعر وكأن شخصاً آخر يحتل جسدهاهو الذي يتحرك ويعمل . وعندما اشتعلت النار في الحطبوتصاعدتالسنة اللهبأخذت تتأملهاكالمنومة مغناطيسياً .
وما لبثت أن استدارت تنظر إلى ستروم الذي كان الآن قد تمكن من وضع كيلتي داخلكيس النوم ثم سحب الفرشة المستلقي عليها إلى قرب المدفأة وكان قد خلع عن الغلامحذاءه وجوربيهفوضعها قرب النار لتجف .
وسألته بصوت مرتجف : " كيف حاله؟هل سيصبح بخير؟ "




الفصـــــــــل التاسع




عندما استدار ستروم نحوها ، رأت نيرن وجهه على ضوء النار المشتعلة وكان مرهقاً مغضناًبينما صوته كان ثابتاً وهو يقول : " نعم انه سيصبح بخير ولا بد انه أوى إلى هنا قبل العاصفة الثلجية ورغم أن حذاءه وجوربه مبللانإلا أن ثيابه جافة انه البرد والإرهاقوهذا كل شيء ولولا أن عثرنا عليه لكان الامر مختلفاًبطبيعة الحال ... "
وداخل نيرن الارتياحممزوجاً بمشاعر مختلفة ، مشاعر كانت بمثل عنف العاصفة الثلجيةالتي تولول خارج الكوخ . هل تراها جنتلكي تتعلق عيناهافي مثل هذا الوضع بهذا الرجل الذي كان الآن يقف بعد طولجلوسهالقرفصاء بجانب الفراش؟ بوجهه الهضيموعينيه اللتين كانتا كبحيرتين من التعاسة؟ كان هذا ما جذبها إليه وكان هنالك أيضاً شعورهابالعطف نحوه ... العطف لأنهاكانت تعلم أنه يتألملقد كان الألم رفيقه كان رفيقاً لا يريده ولكنه تملك نفسه بكل قسوة .. تملك نفسهمنذ خمس عشر عاماً ...
رفيقاً أوجدته فيه هازيل .
ما أعظم ما كان حبه لها ، لكي تترك فيه جرحاً كهذا ... لكي يتسمم بهذا الشكلمهما كان فعلها به ....
اقترب منها ونظر إلى النار وهو يسألها : " هل أحضرت طعاماً؟ "
فأجابت : " أحضرت جبناً وكعكاً ولوحي شكولاتهوبعض المكسرات ولكنكلن تحاول إيقاظهأليس كذلك؟ "
فأجاب : " ليس لأجل كيلتي بل لأجلنا نحن . "
ودون أن يرفع عينيه عن النارقال : " لقد مرت ساعات منذ تناولنا الطعام وليلتنا ستكون طويلة ويجب أن نأكل شيئاً يحفظ قواناولكننا يجب أن نقتصد في مئونتنا فمن يعلم كم سنبقى محتجزين هنا؟ "
وسكت . وشعرت نيرن بالبرد أكثر مما كانت تشعر به خارج الكوخ ولم تشأ التفكير في إمكان أن تحتجزهماالعاصفة أياماً.
وسألها : " هل ثيابك مبللة كلياً؟ "
فأجابت : " إن جوربي مبللان وكذلك بنطلوني من الفخذين فنازلاًأما القسم الأعلى من ثيابي فلا بأس . ماذا عنك أنت؟ "
فأجاب : " لست محظوظاًتماماً . "
فسألته : " هل سندخل إلى أكياس النوم الآن؟ "
فأجاب : " هذا افضل . "
جلست القرفصاء وسحبت كيس النوم من حقيبتها حيثفتحت السحاب وما زالت تتجنب النظر حولها ولكن قبل أن تدخل الكيس قالت : " هل لك أن تدخل كيسك ريثما احضر أنا شيئاً نأكله. "
ولم تعد إلى النظر إليه إلا بعد أن سمعته يجر سحاب الكيس الطويل وكان جالساً في الكيس يدفئ يديهأمام النار وقد وضع القسم الأعلى من الكيس على كتفيه العريضتين .
والتفت إليها قائلاً : " بالنسبة إلى الكلب شادو عندما خرجنا كان نائماً في المطبخ من الذي سيفتح له الباب ليخرج؟ "
فنظرت إليه مستغربة أن يفكر في الكلب في ظروف كهذهوأجابته وهي تناوله كعكة وقطعة جبن : " لقد اتصلتهاتفياً بأمي قبل أن نترك البيت وهي ستهتم به إلى حين عودتنا . "
فقال : " هذا حسن . "
ولم يزد ، واخذ يأكل ثم عاد يقول : " منذ متى اقتنيته؟ "
فأجابت : " شادو؟ منذ ثماني سنوات ، انه هدية العرس من كيفين . "
فسألها : " ابن أختك؟ لا بد أن أختك تزوجت قبلك بعدة سنوات ...... "
فقالت : " كلا ، تزوجنا في يوم واحد . "
وبعد فترة صمت عاد ستروم يقول : " ولكنكيفين .. أظنه في الحادية عشر أو الثانية عشر من عمره . "
فأجابت : " آه آسفة ، كان علي أن اشرح الامر . انه في الثانية عشر .. ولكن آدم ليس أباهفقد كانت كيلا متزوجة قبله من شاب اسمه درو فيرغسن وكانت هاجرت معه إلى كندا حيث ولد كيفين . وقد مات دروحين كان كيفين في الرابعة من عمره فعادت به كيلا إلى هنا حيث تزوجت من آدم بعد فترة قصيرة . "
فقال ستروم : " بشيء من الدهشة : " إذن آدم هو زوجها الثاني ، انهما يبدوان في غاية السعادة . "
فأجابت ببساطة : " انهمايحبان بعضهما . "
فابتسم ساخراً وهو يقول : " يحبان بعضهما؟ هل تثقين بالحب؟ "
فقضمت نيرنقطعة صغيرة من كعكتها وأعادت البقيةإلى الكيس ، من يعلمكم سيبقون محتجزين في هذا المكان .... وأجابت : " نعم إننيأثق بذلك . "
فقال : "وإذا وقع شخص في الغراموتزوج اكثر من مرة ....فهذا يبطل منطقك أم أن بمكان الشخص أن يكون له اكثر من حبيب ..... "
كانت تعرف أنه يغيظها ... ولكنها كانتتعرف أيضاًأنه يريد حقاً جواباً لهذا السؤال ، فهل بإمكانها ان تجيب؟
وأجابت بهدوء وهي تحدق في اللهب : " كلا ، إنني لا أثق بالحب المتعدد ولكننيأثق بان الشخص قد يعثر على رفيق ... رفيق حياة يكمله أو يكملهاوعندما يجتمعان يصبحان واحداً مكتملاً . "
فسألها : " وهل تظنين أن كيلا ودرو كانا حبيبين حقاً؟ "
فأجابت : " كلا انهما لم يكونا حبيبين بكل معنى الكلمة ، لقد كان درومجنوناً بكيلا وقد أحبته كيلا ، إنما ليس بنفس القدر ، لقد كانا دوماً صديقين حميمين وكان حبها له كحب أي شخص لصديقحميم . ولكن الامر مع آدم اختلف فقد تعلمت معه الحب الحقيقي الذي يكون بين رجل وامرأة فهو إذن حبها الحقيقي . "
فقال : " إذن ، جزآن متماثلان يتحدان معاً ليصبحا فرداً متكاملاً مثلكما أنتِ و روري؟ "
لم تحول عينيها عن النار ، كانت تعلم أنه ينظر إليها ، ولم تشأ أن يرى التعبير الذي بدا في عينيها لم تشأ أن يرى الدموع فيهما .. الدموع التي تفجرت منهما وكأن يداً خفية اعتصرت قلبها فلم تكد تحتمل الألم .
هذا الألم الناتج عن كلماته الرقيقة ... كلماته التي نطق بها بكل براءة . الألم الذي كان يدفعها آلي أن تصرخ وهي تواجه الحقيقة القاسية ، الحقيقة المرة ، الحقيقةالتي اخترقت من الأعماق ... فهي مع أنها أحبت روري كما احبها هو أيضاً وكان حبهما رقيقاً متشاركاً بعيداً عن الأنانية .. ولكن كان هنالك شيء مفقود...
إنها لم تدرك هذا في ذلك الحين .. ولو لم تقابل ستروم غالبريث لما أدركته طيلة حياتها .
أما ما كان مفقوداً من علاقتهما فهي العاطفة.
العاطفة المحمومة والرغبة العميقة .....
وشعرت بنفسهاترتجفعندما قال لها بصوت يتملكه الذهول : " هل تبكين؟ آه يا نيرن .... "
رتب على يدها وتمتم : " إنني آسف ، إذ جعلتكتفكرين في روريفجلبت إلى نفسك الحزن .... إنني حقاً متوحش ... "
فهمست وهى ترى الندم في صوته : "كلا ، انك مخطئ ليس هذا هو سبب بكائي ."
فقال وهو يتخلل شعرهبأصابعه : " ما هو السبب إذن؟ اخبريني . "
وماذا تخبره؟ وكيف تقول له أنها اكتشفت الآن ذلك الفراغ الذي كان يسود حياتها الزوجية؟
وعاد يقول : " من المفيد أحياناً أن تكشفي عمابنفسك .... "
وسكت فجأة وهو يراها تغمض عينيها وهي تجذب نفساً مرتجفاً فسألها بصوت متوتر : " ما هذا؟ ما هو سبب بكائك؟ "
وأرادت أن تصرخ ...... أن تقول له انه هو سبب بكاءها ... إنهاتبكي لأنها تشعر وكأنهاكانت تعرفه طيلة حياتها .... ولأنها تشعر أنها تريد أن تمضي بقية حياتها هنا ولكنها لم تنطق بكلمة.... وإنما قالت بصوتخافت : "إنني آسفة لا ادري ما سبب بكائي هذا ... ربما ما مر بي هذا النهار من أحداث قد أوهن أعصابي ، واظن ان علينا أنننام . "
وقفتلتسوي كيس نومها ثم تستلقي . ومضت لحظة لا نهاية لها لم تسمع فيها صوت ستروموتمتمت : " سأراك في الصباح . "
ولكن لم يكن هناك جوابفاستدارت تنظر إليه لترى انه يجلس القرفصاء قرب كيلتي واضعاً يده على جبينه وقد استحال إلى كتلة من الاهتمام والتركيز .
وشعرت وكأنها موشكة على البكاء ياله من رجل غامضمعقد غير مفهوم ولكن هنالك شيء مؤكد هو انه رغم ما يبدو عليه من عنف وتصميم على ألا يختلط بابنه فقد كان قلبه يحتوي على مقدار كبير من الحنان . كانت متأكدة من انهرغم قوله انه لا يريد كيلتي ، فثمة صراع يدور في أعماقه في كل مرة ينظر فيها إلى ابنه الذي هو نسخة ثانية عنه ومن لحمه ودمه .
وبعدذلكبلحظةسمعته يسويمن كيسنومهوهويقوللها : "ليلةسعيدةيا ينرن ."
أجابته وهي تبتسم رغم الدموعالتي كانت تنساب منهاعلى وجنتيها : " ليلة سعيدة يا ستروم . "
ومن الغريب أنها استطاعت أن تناموعندما استيقظت ونظرت إلى ساعتهارأت أنها الثامنة صباحاً وسرعان ما انتبهت إلى ستروم واقفاً أمام المدفأة يغذيها بالوقود . لابد انه أبقىالنار مشتعلة طيلة الليللأن الكوخ كان دافئاً .
وكيلتي؟
أدارت رأسها نحو ذلك الجسم المستلقي على الفراش . لم يعد الآن متكوماً على نفسه التماساً للدفء كان مستلقياً على ظهره يغط في نوم هادئ .
وشعرت نيرن بالطمأنينة والسلام ، كان ستروم مصيباًحين قال أن كيلتي سيصبح بخيرولكن لو أن كيفين لم يلحق به ليرى إلى أين يتجه إذن ....
وفجأة لاحظت نيرن أنها لم تعد تسمع صوت العاصفةفقد هدأت العاصفة وسيكون بإمكانهاالعودة في اقرب وقت ..
قال لها وهو يجلس بجانبها : " هل أنتِ مستيقظة؟ هل رقدت جيداً؟ "
فأجابت : " نعم ، وأنني اشعر بالذنب لعدممعاونتك في السهر . "
فقال : " معاونتي في السهر؟ "
فنظرت إلى النار المضطرمة وهي تقول : " اعني في المحافظة على اشتعال النار وإلا لكناارتجفنا من البرد طوال الليل . "
فقال : " لقد كنت مرهقة جسمانياً ونفسانياً . وما كنت لأوقظكمهما كان الامروفي الحقيقةكنت مسروراً أن سمعت غطيطكِ . "
فقالت : " غطيطي؟ ولكنني لا أغط في نومي مطلقاً . "
والتفتت إلى كيلتي الذي كان ينقلب إلى جانبه وهو يتأوه مغمض العينين بينما ابتسم ستروم قائلاً : " إنني أقول ذلك لأعرف فقط وهذه عادتيكلما اضطررت لمشاركة الغرفةمع أحد . "
وكان الآن متكئاً أمامها ينظر إليهاليرى ردة الفعلعندهالما قاله .
شكرت نيرن حظهاعلى أن ليس لديه فكرة من ردة الفعل في قلبها ، في نفسها وذلك عندما كان ينظر إليها بهذا الشكل . هلهذا كان شعور هازيل نحوهعندما كان ينظر إليها؟شعرت لهذه الفكرة بمثل طعنة السكينفي قلبها ، لماذا آلمها بهذا الشكلمجرد التفكير به مع هازيل؟
وهمست قائلة : " هل كنت مغرماً بهازيل؟ "
فاستدار يستلقي على ظهره ، واضعاً يديه تحت رأسه وقد سادت الرزانة ملامحه ثم قال بعد سكوت طويل : " نعم لقد كنت مغرماً بها ، كان حلماً جميلاً ... كان حلماً استحال إلى كابوس . "
فقالت برقة : " حدثني عن كل هذا ، عنك وعن هازيل . "
فقال : " بصوت خافت : " لقد كنت جئت ذلك الصيف إلى اسكتلندافي الصيف مبكراًابحث عن قطعة ارض وكنت قد أوجدت لتوي مشروعاً في الخارج وحيث أن مشاريع السياحة والتزلج في الشمال كانت مزدهرةفقد وجدت أنالوقت قد اصبح مناسباً للاستثمار في المنطقة وبسبب اصلي الاسكتلندي كما أظن وجدت أن اسكتلندا تجذبني كالمغناطيس . "
فسألته : " وما الذي جعلك تختار قرية غلينكريغ؟ "
فأجاب : " كان المكان مثالياً فهو قريب جداً من الجبال ولكنه بعيد عن الطراز الأمريكي ، إذ انه كان يمثل اسكتلندا الحقيقة ، اسكتلندا القديمة التي كانت قبل أن يصبح كل شيء تجارياً وكانت غلينكريغ ..... كانت صورة كاملة لما أريد. "
فهزت رأسها قائلة : " ولكنك لم تطور شيئاً .... لماذا؟ "
ولكن توتر ملامحهأنبأها بالجواب . وكان طبعاً يتعلق بهازيل .
أجاب وقد بان التجهم في ملامحه : " لقد قابلتها مصادفة في نفس اليومالذي عثرت فيه على قرية غلينكريغوكنت هابطاً الوادي لأرى بعض الأراضي فيهوالتي لم تعجبنيوكنت شاعراً بخيبة الأمل لذلك لأنني كنت أحببت هذه المنطقة كثيراًوعندما رأيت خرائبالبيت الريفي في كريجند والأراضي المهملةالمحيطة به تساءلت عما إذا كانت معروضة للبيع وأوقفت سيارتي إلى جانب الطريق ثم أخذت أسير بين الحقولوملأتني الإثارة فقد كان المكان مناسباً تماماً وكنت واقفاً هناك أحلم بما سيكون عليه بعد إصلاحه عندما برزت أمامي صورة فاتنة لفتاة جبلية جميلة ذات شعر اسود ثائر وعينين خضراوين وضحكة جذابة أسرت حواسي ... "
وسكت فجأة وكأنه نسي نفسه ، ثم أطلق ضحكة مرة وهو يتابع: " وبالطبع لم تكن تلكصورة وإنما مجرد مخلوقة من لحم ودم . ولكنها فتنتنيعلى كل حال . لقد سألتني : ماذا تريد من هنايا ابن المدينة؟ فأجابتها : إنني أريدك . وكان حباً من أول نظرة . كان هذا أمراً سخيفاً أليس كذلك؟ ولكنه لم يبد سخيفاً في ذلك الحين لقد سرقت قلبي . "
فسألته نيرن : " وهل أحبتك هي أيضاً؟ "
فلوى شفتيه : "لقد قالت ذلك وكنت أظنها فتاة حرة عاطفية ، رغم أنها كانت دوماً ترغب في مقابلتي في أماكن هادئة ... وبعد أن مر على تعارفناقرابة أسبوعين أخبرتني عن هوغ ... وعن تفاهمهما ، أخبرتنيانه يصطاد السمك في الساحل الغربي ولكنها وعدتني أن تفصم خطبتها معه عندما يعود في أواخر حزيرانوتخبره بأننا سنتزوج . "
وتنهد بصوت مرتجف وهو يتابع : " وفيآخرليلة من رحلتيتلك ،كانتالغلطة التي اقترفتها وهكذا عدت إلى لندن وفي جيبي عقد شراءارض كريجند وفي قلبي .... هازيل لندساي . "
وظنت نيرن أن حديثه انتهى ، فأرادت أن تعرف ما حدث بعد ذلك ولكنه عاد يتابع حديثه بصوت خشن : " لقد كتبت أليرسالة بعد عودة هوغ من صيد السمك تقول فيها أنها منذ اللحظة التي رأته فيها مرة أخرى علمتانه الرجل الذي يحبه قلبها .. وان علاقتنا ، أنا وهي لمتكن سوى غلطة لم تعد تعني لها شيئاً وقالت أنها لا تريد أن اتصل بها بعد ذلك لأنهما هي وهوغ سيتزوجان بأقرب وقت بعد ان اعترفت له بالحقيقة . "
ترقرقت الدموع في عيني نيرن عطفاً على هذا الرجل . كان يقول الحقيقة دون شك . الحقيقة التي كانت تبدو من صوته الخافت المتألم .
وعاد يقول بصوت معذب : " ربما كنت سامحتها على كذبهاذاك ولكنني لن أسامحهاأبداً على عدم اطلاعي على حملها مني . كان عليها أن تخبرني ، كان لي الحق في أن أعلم ....كيف أمكنها أن تكون بكل تلك الأنانية ... "
وكانت الشهقة المفعمة بالذهول والتي ملأت جو الكوخ ، كانت من الألم الذي ينضح منها ما ظنت نيرن معه أنها صدرتعنها هي ... فهي لم تصدر عن ستروملأنه أبدى مثلها دهشةوعجباً وقد بدت عيناه حادتين متسائلتين . ذلك أن الشهقة كانت صدرت عن كيلتي .
كان منبطحاًَ على بطنهوقد أخفى وجهه بين ذراعيه وسرى في نفس نيرن الهلع . انه لميكن نائماً ، فلا بد انه سمع كل شيء إذن ،ولم تستطع أن ترى وجههولكنها استطاعت أن تتصوره . لقد كان يحب أمه كثيراً وكان يرى العالم كله ممثلاً في هوغ .. الرجلالذي كان يظنه آباه .
وها هو ذا الآن يعلم انه كان يحيا حياةالكذب وان هذا الرجل الغريب الذي اقتحم حياتههو أبوه . انه يعلم الآنحقيقة ما حدث في الماضيوربما يمزق علمه هذا نفسه أشتاتاً ..تماماً كما تمزقت نفس ستروموما زالت .
وهمست من خلال دموعها : " آه يا للهول ..... "
ووقف ستروم وهو يقول بصوت معذب : " لم اكن أريده أبداً أن يعرف .... "
وجاء صوت كيلتي خشناً وهو يقول بألم : " ولكنني كنت اعلم مسبقاً انك أبي . لقد سبق وعلمت ذلك،لقد كنت أنا من ... "
ولم يستطع أن يتابع كلامه .
وساد الصمت لحظة ، ثم همس ستروم ببطء وذهول : " هل كنت أنت من استأجر المحامي لكي يقتفي اثري؟ لقد ظننت أن أمك هي التي فعلت ذلك قبل موتها وإنها هي التي حركت الأمور لغاية في نفسها .. وكنت افترضت أيضاً أنها اخفت عنك الحقيقة لكي لا يعلم أحد بان هوغ لم يكن أباك الحقيقي .... "
وسألته نيرن : " ولكن من أين حصلت على النقود آجرا للمحامي يا كيلتي؟ إن القليل الذي تركه والداك لم يكد يكفي تغطية تكاليف الجنازة؟ "
فأجاب : " من بيع آلة التصوير . "
فهتفت : " آلة التصوير . "
لقد اتضح الآن كل شيءوشعرتبغصة في حلقها وهي تتابع : " لقد بعت آلة التصوير إذن لكي تدفع أجرة المحامي ... "
وهتف ستروم وقد بان الندم في ملامحه : " آه ، هذا هو السبب إذن في قولك انك كنت بحاجة إلى ثمنها ... "
فأجاب كيلتي بهدوء : " نعم ، وليس لأشتري المخدرات . "
فقال ستروم : " إنني آسف لقولي ذاك ، وان كنت أعلم أن أسفي هذا لا يكفي .. فهل بإمكاني أن اسحب كلامي؟ كل ما بإمكاني الاعتذار به هو انه كان صادراً عن اهتمامي بك . "
فأجاب الغلام وقد بدا الإرهاق في صوته : " نعم لا بأس إنني متفهم ذلك . "
فقال ستروم : " إن ما لمافهمه هو لماذا قررت أمك في النهايةأنتخبرك بالحقيقة؟ "
فانقلب كيلتي على جانبه متكئاً على مرفقه يحدق في ستروم بعينين مغرورقتين وهو يقول : "إن أمي لم تخبرني بذلك قط ، إن أبي هو الذي اخبرنيلقد اخبرني عنك في المستشفى قبل أن يموت ، اخبرنيانه ليس أبي الحقيقي ... اعترف بأنه كان يعلم ذلك طيلة الوقت . قال أن أمي لم تعلم مطلقاً بأنه كان يعرف بالأمر ، لم تعلم قط بأنه أحس باختلاف في مشاعرها نحوه ، عند عودته من صيد السمك في ذلك الصيفوعندما اكتشفت بعد زواجهما بقليل أنها حاملاً لم تعلم قط بأن أبي اكتشف سرهاوانه تكهن بأنها لا بد تعرفت إلى رجل آخر أثناء غيابه وكان من حبه لها انه سكت طوال تلك السنين وكان الشيء الوحيدالذي استطاع أبي أن يعرفه عن ذلك الرجل وكان مجرد تخمينكما قال هو أن اسمه كان سومرليد ....... "
سألته نيرن : " سومرليد؟ ولكن .... "
فأشار كيلتي نحو ستروم وهو يقول : " إن اسمه الأوسطهو سومرليد .. وكانت أمي دوماً تقولأنها تحب هذا الاسم . "
ولم تستطع نيرن الكلاموقد أحست بأنها تكاد تختنق وكل ما استطاعت عمله هو أن تعض شفتها المرتجفة مغالبة دموعها . لقدفاضت بها المشاعر حتى لم تعد تستطع احتمالاً ...
وعلا صوت الطرق علىباب الكوخ ، وبشكل غير متوقع ، جعلها تقفز من مكانها وهي تشهق لترى الباب يفتح فجأة فيهب منه الهواء المثلجيصفع وجهها ، و أغمضت عينيهاإزاءالنور الساطع ، لتعود فتحهماعلى خيال طويل يقف في الباب وانطلق صوت مألوفلديها يقول : " من حسن الحظ أنكم هناجميعاً وليس بكم ضرر كما أرى . "
فقفزتواقفة وهي تهتف : " آدم كنت أظنك في ادنبره؟ "
واندفعت تحيط صهرهابذراعيها .
واحتضنها هو بشدة وهو يبتسم لها قائلاً : " لقد تصادف أنني اتصلت بالبيتهاتفياً بعد المكالمة بينك وبين كيلا فأخبرتنيبما حدث فقطعت رحلتي وعدت إلى البيت حيث شكلت فرقة إنقاذ وإذ بالعاصفةالثلجية تهب وكان علينا أن ننتظر هدوءها . لا يمكننيأن أصف لك مقدار الراحةالتي شعرنا بها عندما رأينا الدخانيتصاعد من مدخنةالكوخ هذا ، آه ،يا ستروم لقد أحسنت بعنايتك بهذينوتهاني لكفهذا شيء حسن جداً بالنسبة إلى ...... "
فقاطعه ستروم ضاحكاً : " بالنسبة إلى ابن المدينة.انك لستالوحيد الذي ظن بي الضعف والخرع ... "
وانطلق صوت كيلتي من الخلف قائلاً : " انه ليس خرعاً . فهو أول رجل استطاعالوصول إلى قمة افرستفي رحلة كارينغتونالاستكشافية وذلك عندما كان في الرابعة والعشرين فقط من عمره . "
واستدار ستروم و نيرنينظرانإليهوكان جالساً في كيس النوم وقد بدا عليه وكأنه لم يذق النوم منذ اشهر .
وهتفت نيرن : " قمة افرست؟ متسلق جبال؟ "
وشعرت برأسها يدور .
وتابع كيلتي بصوت مرتجف : " متسلق جبال ومصور فوتوغرافي وقد اضطر إلى ترك التسلق لأنه أثناء هبوطه في أخدود عميق أثناء تلك الرحلة ، وذلك لينقذ قائد الرحلة نيكولا كارينغتون ، أثناء ذلك كسر ركبته ... "
فاستدارتنيرن نحو ستروم وهتفت بذعر : " ستروم ما كان لك أن تصعد إلى هنا .. وركبتك هذه .. إن المجازفة ... "
كان هو ينظر إلى ابنه وقد بدا على ملامحهتعبير لم تره من قبل . ذلك أن الكآبة القاسية التي كانت تعلو وجهه قد تلاشت ليبدو في مكانهارقة هزتها ... وكانت تلك الرقةممزوجة بالارتباك ، هل ذلك لأن كيلتي كان يعرف من هو طوال الوقت وكان يحتفظ بذلك سراً؟ أم أن الارتباك هو سبب المشاعر التي ابتدأت تتكون في أعماقه نحو ابنه؟ أم ربمالسببين معاً؟
ولكنها ما أن نظرت إليه ، حتى تمالك مشاعره بسرعة وعاد الجمود إلى عينيه لا تنبئان عن شيء .
وقال هو : " لقد كانت مغامرةكنت متأهباً لها . وحتى الآن ركبتيصامدة .. والآنهيا بنا ، فأمامنا طريق طويل شديد البرد . "



الفصــــــــــل العاشر




وقفت نيرن تحت الدوشوهي تتنهد مغتبطة بالماء الدافئالذي ينهمر عليها وأغمضت عينيها ثم أخذت تفكر .....
من حسن حظهم انهم عادوا جميعاً سالمين وكذلك صمود ركبة ستروم أثناء هبوطه الجبل ، لقد أذهلها حقاً أن تعلم انه كان يوماً متسلقاً مشهوراً وكان أحد أعضاء رحلة كارينغتونالاستكشافية. لقد كانت يومهاتلميذةفي المدرسة ولكنها ما زالت تتذكر كيف كانت تتابع على شاشة التلفزيونأخبار محاولته البطوليةالناجحةفي إنقاذ كارينغتون والإثارة التي أحدثتها تلك البطولة في نفسها الغضة . لا بد أنها كانت حينذاك في سن كيلتي الآن .
آه ، كيلتي ....
وعادت نيرن بأفكارهاإلى الحاضر وهي تتنهد . أخذت تفكر في الوضع التعس بين ستروم وابنه . ومهما حاولتإقناعنفسهابأن لا دخل لها هي في هذا الأمروأن ستروم هو والد كيلتيولا يمكنأبداً أن يبعده عن حياته ، فقد كانت دوماً تعود إلى نفس النقطةوهي أنها المسؤولة عن كيلتي حالياً ، فإذا أراد ستروم أن يهجر ابنه فستبقيه عندها . ولكن حتىولو أن هذا سيسعدها ، فقد كانت تعلم في أعماقها أنه ليس في مصلحة كيلتي ، فهو بحاجة إلى رجل يتمثل به . بحاجة إلى أب .
فقط ، لو كان بإمكان سترومأن يتغلبعلى هذا الأسى الذي يعانيهولكن بقاء هذا الأسى خمسة عشر عاماً ، ليزيده الآن علمه بان هازيل اخفت عنه سر حملها منه كل هذا جعل أملهافي استئصال الحزن والأسىمن نفسه ضعيفاً جداً .
وكانت تركت ستروم و كيلتيفي المطبخيتناولان غداءهماالذي كانت أحضرته كيلا بسرعة من منزلها عقب وصولهم .
وكان سترومقد نزلمن غرفته بعد خروج كيلا أنيقاً حليقاً وشعرت لدى رؤية كيلتي يدخل من المطبخ بعد ذلك بقلبها يخفق ... لقد كان مرتدياً زيه الخاص والذي هو عبارة عن التنورةالجبلية السوداءوالقميص المقفل وكان وجهه الهضيمجاداًوأدركت وهي تنظر إليه السببالذي جعل قلبها يخفق . ذلك لأنه كان نسخة طبق الأصل عن أبيهوأيضاً كان يماثلهفي التعبير الذي ساد ملامحه . لقد كان الغلام تعيساً كالرجل ....
وكانت قد خرجت من الحمام وقد ابتدأتبتجفيفشعرها ، عندما سمعتشخصاً يهتف باسمهامن خلف الباب ، ثم طرقاً متواصلاً .
كان ستروموأجابت : " نعم؟ "
فسألها : " هل أستطيع الدخول؟ "
فأجابت : " نعم ، لماذا؟ "
فأجاب : " أريد أن أتحدث إليك . "
ففتحت الباب قائلة : " ادخلماذا جرى؟ "
فأجاب : " إنني راحل . "
فسألته مذهولة : " راحل؟ ولكن .... "
قاطع كلامها وقد تغضن وجهه : " انه يتخذني مثله الأعلى . انه كيلتي . لقد أخذ يتحدث أثناء الطعام . لقد أخبرني أنه يحتفظ بكل أعمالي ، الصور التي كنت التقطتها على مدى السنين للصحف أثناء تسلقي الجبال . لقد أخبرني .... "
وأغمض عينيهورأته نيرن يزدرد ريقه بصعوبة ولكنه عندما تابع كلامه كان قد استرد هدوءه وهو يضيف : " لقد اخبرني أن أعمالي كانت ملهمته ... "
فقالت : " آه ، وكان هذا قبل أن يعرف انك أبوه .... "
فأجاب : " نعموعندما علم من المحامي أن ذلك الرجل الذي كان معجباً به إلى ذلك الحد هو أبوه ... وظنانه خان أمه شعر بأنه أيضاً قدخانها ..ما أشعره بالذنب ."
فقالت : " ولكن ، إذا كان شاعراً بالذنبإلى هذا الحد فلماذا طلب من المحامي الاتصال بك؟ أليس هذا ما حدث؟والذي جعلك تعرف ان لك ولداً؟ "
فأجاب : " كلا يا نيرن ليس هذا ما حدث . إن كل ما أراد كيلتي معرفته هو هوية والده الحقيقية لا اكثر ، لأنه كان يفترضأنني أعلم بوجوده وأنني أنا الذي كنت هجرت أمه وقد كرهني قبل أن يعلم من أنا ولكنه بعد ان علم ذلك تملك مشاعرهالاضطرابوالتشوش ، إذ ان نفسه توزعت بين كراهيته ليوبين عدم الرغبة في التخلي عن صورة ذلك الذي كان مثله الأعلى سنين طويلة . "
فقالت : " آهيا ستروم كم هذا مخيف بالنسبة له . "
فقال : " نعم وقد استأجر المحامي وهو من انفرنيس، مخبراً بناء على تعليمات كيلتي وهذا المخبر أخذ يتحرى عن ماضي هازيل ، مبتدئاً طبعاً من الوقت الذي أشار به كيلتي مستعلماً عن كل رجل ربما زار قرية غلينكريغ ح والى ذلك الوقتوفي النهايةكان اسمي في قائمته وقد اقتفى اثريإلى أن وصل إلى شقتي في لندنولكن عندما أبتدأيلقي بالأسئلةعني في محيطي ذاك ، ساور الساقي في مقهى هناكوكان من معارفي ، ساوره الفضول ، فأخذ يلقي عليه من تلقاء ذاته بعض الأسئلة جعلته يعلم أنني قد أكونأباً لولد في غلينكريغ . "
فسألته : " ومنذ متى أبتدأ كيلتي البحث عنك؟ "
فأجاب : " بعد وفاة هوغ مباشرة ولكنني لم أعرف بما يحدث إلا منذ حوالي ثلاثة أسابيع . فاستأجرت مخبراً ليتحرى عمن كان يبحث عني ، فقادته تحرياته إلى محاميفي انفرنيس ، ولكن هذا لم يؤكد قصة ذلك المخبرالذي كان استأجره وكل ما اخبرني به هو أنه كان يعمل لحساب أحد عملائه ... "
فسألته : " وطبعاً ، اتصل المحامي بكيلتيليخبرهعن اتصالك به . "
فقال: " نعم وهذا هو السبب في أن الغلام تهرب من تلك الرحلة البحرية مع الفتيانذلك ان المحاميأخبره انه استنتجمن شيءقلته أنا ، أنني مصمم على العودة إلى غلينكريغ . "
فقالت : " وهذا ما قمت به فعلاً . "
فأجاب : " نعم ، قمت به بهذا لكي أتحقق من هذه القصة والآن ، إنني راحل بعد أن نلت الغرض من رحلتي ..."
فصرخت نيرن قائلة : " كلا ،لا يمكنكالذهاب ليس الآن . "
فارتسمت على شفتي ستروم ابتسامة حزينة ، حدق فيهاطويلاً وقد بانت التعاسة على وجهه ثم قال بهدوء : " الماضي لا يمكن محوهيا نيرن ولاأقوىإرادةفي العالم تستطيع ذلك . "
نظرت نيرن إليه وهو يسير نحو الباب ،وما أن خرج مغلقاً الباب وراءهبحزم حتى انطلقت من بين شفتيها آهة حزينة .
استندت إلى الجدار تحدق في فضاء الغرفة بعينين لا تريان . كلا ، الماضيلا يمكن محوه .. ولكن المرء يتعلم كيف يرضى به ، يضعه وراء ظهره ثم يتطلع إلى المستقبل فإذالم يكن ستروممهتماً بمستقبله هو، فعليه أن يهتم بمستقبل ولدهوفكرتباستماتةبأنه لا ينبغي له ان يرحل .. هذا غير ممكنليس من دون ولده على كل حال ، إنهالن تدعه يفعل ذلك .
ولكن ماذا بإمكانها أن تفعل؟
ومشت عائدةإلى منضدة الزينةحيث رأت في المرآة وجنتيها متوهجتينوعينيها لامعتين كمن به حمى . فأصلحت من مظهرها . عليها أن تسرع ، ليس لديها وقت تضيعه .
ذلك أن ستروم غالبريث قد صمم تماماً على ما يريد وكانت هي على استعداد لأن تفعل أي شيء في سبيل أن يغير من تصميمه ذاك .
كان كيلتي غلاماً رائعاًَ فهو موهوب ويشعر بالمسؤولية وذا شخصيةمتفردة وواثقة وهو قد أبتدأ يرتبط عاطفياً بستروموتذكرت نيرن شيئاً سبق و قالته أمهالكيلا وآدم عندما ولدت لهما كاتريونا، قالت : " إن الطفللن يأخذ وقتاً طويلاً في الوصول إلى قلبكما . " وكيلتي لم يعد طفلاً ولكنه ما زال غلاماً ... ابن ستروم . كانت نيرن متأكدة من أنه إذا وجد الفرصة فلن يأخذوصوله إلى قلب أبيه وقتاً طويلاً . إن عليه أن يفعل ذلك .
وان اعتمادها الآن على هذا .
هبطت نيرن الدرجات الأخيرة منالسلمبسرعة عندما رأت كيلتي عند الباب الخارجيلتسأله : " هل أنت خارج؟ "
وأدركتها الدهشةوالارتياح وهي تراه متردياًسترة وكانت سترة عسكريةذات لون كاكي ، وربما كانت سترة قديمة لهوغ .. وكان لها ماض مجيد ولكنها سميكة دافئةأجابهاقائلاً : " نعمفالساعة الثانية فقط ويمكننيان الحق ببقية دروس بعد الظهر . "
فسألته : " وهل ستعود بعد ذلكإلى البيت مباشرة؟ "
أجاب : " نعم . "
وأشار برأسه إلى الطابق الأعلى حيث غرفة أبيه متابعاً بعينينكئيبين : "ولو أنه سيكون في ذلك الوقت قد رحل لقد سبق وودعني . "
فاقتربت منه تضع يدها على كتفه وهي تقول : " وأنت لا تريده أن يرحلأليس كذلك؟ "
ازدرد ريقه بصعوبةثم أجاب قائلاً : " لا يمكنني منعه . "
وأشاح بوجهه ولكن ليس قبل أن ترى عينيه مغرورقتين بالدموعوتابع قائلاً : " لقد جعلني أقبل منه آلة التصوير هدية منه كما قال . "
تخيلت نيرن المشهد الذي جمعهماوغالبت دموعها وهي تقول : "سأحاول إثناءهعن عزمه . إنني أعلم أنه سيحبك إذا أمكنهفقط أن يفتح قلبه .... "
فقاطعها : " انه لن يحبني .... "
ومسحعينيه بكمه وهو يفتح الباب ليحدق بذهن شارد في الثلج الذي يغطيالأشجارأمام البيت ، ثم يتابع قائلاً : "انه لن يسمح لنفسه بذلك . انه مليء بالكراهيةتماماً كما كنت أنا . "
فهتفت : " كيلتي . "
ولكنه كان قد اغلق الباب خلفه وذهب .
ولم يكن ثمةفائدةمن الركض خلفه .إذ ما الذي بإمكانهاقوله لتطمئنه؟ ولكنها ستحاولأن تؤخر ستروم عن السفر ، إنهالا تعرف كيف ولكنها ستحاول ولن تتأخر فهو لا بد يحزم أمتعته الآن .
واتجهت نحو السلموقلبهايخفق وقد تبللت راحتاهابالعرق . عليها أن تثنيه عن السفر ......
قرعت الباب ففتحه لهاوقبل أن يسألها عما تريد مرت بجانبه داخلة إلىالغرفةوالتفتت إليه قائلة بابتسامةمتألقة : "فكرت في أن أساعدك في حزم أمتعتك . "
ونظرت إلى حقيبته المقفلةوإلى الغرفة المنظمةوالتي لولا أغطية الفراش المبعثرة لما بدا ان ستروم غالبريث قد سكنها أياماًوعندما يصبح في سيارته المرسيدس عائداً إلى المدينةلن يبقىأي شيء منه يشير إلى انه عاد إلى غلينكريغ . لا شيء سوى ألم القلبالذي سيخلفه وراءه .
قالتله : "يبدو عليك أنك مستعجل جداً لترك هذا المكان أليس كذلك؟ "
فبدا الجمود في عينيه وهو يقول : " ليس بالضبط ... "
فقاطعته بجرأة لم تعرف كيف واتتها : " بل الأمر كذلك وأقولها مرة أخرى .. انك مستعجل جداً لترك هذا المكان وأنا أعرف سبب ذلك . "
فقال ببرود رافعاً حاجبه : " أحقاً؟ ربما بإمكانك ان تطلعيني على السبب . "
فأجابت : " لا أظنني بحاجةإلى ذلكولكن ما دمت مصراً على زعمك هذا فسأجاريك وأقول انك مستعجلعلى الرحيل لأنك ....خائف . "
فضحك برقة إنما بحذر وهو يسألها : " وهل لي أن أعرف ذلك الشيء الذي أخاف منه؟ "
فأجابت : " انك خائف من البقاء لكي ...... "
فضاقت عيناه وقال : " تابعي كلامك . "
فقالت بلطف : " انك خائف من البقاء لأنك تخاف من عواطفك .... ذلك أنك ابتدأت تشعر بالرغبة في ان تتعرف إلى ابنك لأنك ابتدأت تفكر في كيفية تغذية موهبته فأنت خائف من أن لا تستطيعنفيه من ذهنك إذاأنت لم ترحلعلى الفورذلك لأنك تشعر بجدار الجليد بينك وبينه يذوب، فالرعبيتملكك ... "
فقاطعها بصوت خشن : " هذا ليس صحيحاً يا نيرنفذلك لا يخيفنيولكنه يذكرني .. يذكرنيبتقلب قلوب البشر . انه يذكرني بالألم الذي يولده الحب ثمانه يذكرني بما سبق وعاهدت نفسي عليه وهو أن لا أسمح للمشاعر بأن تتملكنيمرة أخرى ."
فقالت بصوت ينضح بالألم : "ولكنك عدت للشعور مرة أخرى . "
ودون أن تعي ما تفعل ، اقتربت منه تمسك بيديه وهي تحدق فيه ثائرة : " انك عدت للشعور مرة أخرى ، لقدأدركت من الطريقة التي تنظر فيها إلى ابنك، ان في أعماقك حنيناً ولهفة إليه تمزق نفسك .... "
قال بخشونة : " إذا كان بإمكانكأن تري كل هذا فلا بد أنكِ ترين الشوق الذي يتملكنيمن ناحيتك ، هذا الشوق الذي لم أعد أستطيع مقاومته . "
منذ دخول نيرن غرفته ، حاولت أن تتجاهل جاذبيته ، ذلك لأنها جاءت لأجل كيلتي ولكن عندما سمعت كلامه وجدت نفسها تنسى كيلتيوكل شيء ما عدا هذا الرجل الأسمر الجذابالذي أدار رأسها .
وتمتم برقة : "يا لكِ من فاتنة ، فتاة جبلية حقيقية ، لقد أعجبت بك ولا أدري كيف سأتمكن من الهرب منك . "
فهمست : " وهل تريد أن تهرب؟ "
فتمتم : " أن ما أريده هو....... "
لم تستطعأن تتجاهل ما قرأته في نظراته ... وبغريزة المرأةأدركت أنها مهما طلبت منه الآنفهو سيلبيها ولن يرفض لها طلباً .
فهمست : " هل ستبقى؟ إلى الغد فقط؟ وتمضي بعض الوقت مع كيلتي؟ "
فسألها : " هل تريدين مني ذلك؟ "
فأومأت برأسها : " نعم هذا ما أريده . "
ولم تكن متأكدة وهي تنطق بهذه الكلمات ما إذا كانت تتكلمعن كيلتي أم عن نفسها.
فقال : " إذن فسأبقى . "
فقالت : " هل هذا وعد؟ "
فأجاب : " نعم انه وعد . "
وأمسك بيدها ليؤكد وعدهوانحدرت نظراتها إلىيديهمامعاً ...... كانت تتأمل يد الرجل الخشنة السمراءإلى جانب يد المرأة العاجيةالتي كان يتناثر فوقها بقع نمش ... كانت تتأمل كل ذلك عندما التمع في أحد أصابعها شيء مافي نور الشمسالمسترسلمن النافذة .
انه خاتمها ، خاتم زواجها. الخاتم الذي وضعه روري في إصبعها بعد ان اقسما يمين الزواج .
وأغمضت عينيها وقد سرى في كيانها الألم والشعور بالذنب ...
لا فائدة ... ودب اليأس في نفسها وقد أدركت أنها لن تتمكن من متابعة هذه العلاقة التي ابتدأتها. ما زال الماضي قوياًفي نفسها . إنها الأفكار ، ليس في إمكانهاالسيطرة على أفكارهاذلك إنها منذ لحظات ، كانت مع سترومبمفردهما أما الآن فقد دخل بينهما شخص ثالث .
سحبت يدها من يدهثم وضعت ذراعها على عينيها بعد إذ شعرت بالدمع يتفجر منهما وهي تهمسقائلة : " آسفةأنني أشعر وكأنني ...... "
فقاطعها : " تشعرين وكأنكتخونين روري؟ "
وكان في صوته ملل عميق وكآبةوتفهم وشعرت بقلبها يصرخ ولكنها لم تستطع أن تغير مشاعرها .
وعادت تهمس بصوت مغلف بالألم ، والندم والعذاب : " أشعر وكأنه ... "
قال لهابصوترقيق وكأنه يتكلم إلى طفلة : " لابأسيا نيرنإننيافهم شعورك ... "
رفعت بصرها تنظر إليه وقد انحبست أنفاسها .
وقال يخاطبهابرقة : " لو كنتِ امرأة أخرىلظننت انك استغللتِ حنانك ورقتك لكي تأخذي مني وعداً بالبقاءولكن أنتِ ..... بتلك العينين البنفسجيتين الشفافتين البريئتينلا يمكن أن تعرفي الخداع . "
هل تراهاحقاً استغلت حنانها ورقتهالكي تحمله على البقاء؟ وساورها الاضطرابمن المؤكد أنها لم تكن تنويخداعه أو التحايل عليه .. ولكن ربما كان هذا ما فعلت وفكرت بيأس .. من تراها حاولت أن تخدع ، ستروم أم نفسها؟ نعم لقد أرادته أن يبقى لكي تعطي كيلتي فرصة لاستمالته ولكنهاإذا شاءت أن تكون صادقةتماماًفان عليهاأن تعترفبأنها شعرت بهزة عنيفة في مشاعرها حين وعدها بالبقاء إن عليهاأن تكون صادقه معه .
ولكن ما أن فتحت فاها لتتكلمشارحه له كل هذا حتى أسكتها قائلاً : " كلا ليس عليك أن توضحي ما بنفسك لي أننيفاهم . "
ونظرت إليه والحنين والشوق يتملكانها... وأخيراً ، نهضت متجهة إلى الباب دون أن يحاول منعها .
وفكرت نيرنوهي تهبط السلم شاعرةبالتعاسة في مشاعرهاالمضطربة هذه .. إنها معجبة به ولكن شعورها بالذنبهو أقوى من إعجابها به.
هل سيتلاشىشعورها بالذنب هذا يوماً ما؟ وهل سيكون بإمكانهايوماً أن ترضى برجل آخر فتدخله حياتها دون أن يقف بينهما روري وذكرياته؟
وانحنت تربت على رأس الكلب شادو الذي هرول لاستقبالهاوهي تهمس له : " لقد أصبحت الحياةمشوشة يا صديقي فهل تراها ستصفو مرة أخري عندما يرحل ذلك المقيم عندنا؟ "
وهز شادو ذيله بابتهاجوكأنه يرد عليها قائلاًنعم إنها ستصفوبالتأكيد عندما يرحل ستروم .
وتنهدت نيرن وتمنت لو كانت تصدقولو جزءاً من هذا .

الفصـــــــلالحادي عشر




" ليلة سعيدة يانيرنإنني ذاهب إلى الفراش . "
وما أن سمعت نيرنصوت كيلتيهذا الآتي من عند الباب خلفها حتى التفتت إليه من حيث تجلس أمام المدفأة في غرفة الجلوس وقالت تجيبه : " هل انتهيتما من تجهيز الغرفة المظلمة؟ "
فأجاب : " نعم وأشكر لك سماحك لي باستعمال ذلك المكان . "
فقالت : " ان تلك الغرفة الصغيرةالملاصقة للمطبخ خالية منذ سنوات .. ولكونها تحتوي على حوض للغسيلفهي ستناسب عملك تماماً . هل أنت مسروربالمعدات التي اشتراها لك ستروم في انفرنيس؟ "
فأجاب : " ولماذا لا أكون مسروراً وكل شيء اشتراه لي هو من أجود الأنواع؟ "
وحاول كيلتي أن يضفي على كلامهصبغة مرحة ولكن نيرنشعرت بزيف محاولته تلك . ذلك انها ، عندما عادمن المدرسةوعلم أن والده ما زال في برواش ولم يغادررأتلمعان السرور في عينيه ...
ولكن ذاك المعان سرعان ما أطفأه ستروم بقوله انه فقط أرجأ رحيله إلى اليوم التاليذلك أن الشروعفي الرحيل باكراً في الصباح كما قالسيكونأفضل من ناحية هدوء الطرقات وخلوها من زحمةالسير ولكنه على كل حال أخبر كيلتي أنه سيأخذه إلى مدينة انفرنيسللتسوق ومن ثم ذهب الاثنان بعد ذلك بعشر دقائق وقد تناولا طعامهمافي الخارج وعادافي الساعة التاسعة والنصفحيث شرعا في الحال في تجهيزالغرفة المظلمة لكي يخرج فيها كيلتي أفلامه ولم تشأ هي ان تقف معهما مفضلة تركهما وشأنهماوفي الساعة العاشرةذهبت إلى المطبختصنع لنفسها كوباً من الشاي ووصل صوتهما إلى أذنيها أثناء اجتيازها باب غرفة الحديقةالمفتوح وكان كيلتي يلقي الأسئلة بصوت حادخشنالنبرات وكأنه يريد بهان يخفي مشاعرهبينما كان ستروم يجيب بصوته العميق الواثقبسهولةنابعة عن معرفته الكاملة بالتصويرالفوتوغرافي وكانت العلاقة بين الاثنينواضحة لا تخطئها الأذن زادتها هوايتهماالمشتركةفي التصويروشعرت نيرنبالألم وهي تسمع إلى انسجام صوتيهما . الألم لأجل كيلتيالذي كان متلهفاًإلى منح حبه لأبيه ... والألم لأجل ستروم الذي كان يحاول جاهداً عدم تقبل ذلك .
وانتبهت من ذكرياتها هذه لترد على كيلتي : " نعم .معك حق إن ستروم لا يشتري سوى الأجود دوماً . "
ونهضت تسأله : " أين هو الآن؟ "
فأجاب : " أظنه ذهب إلى غرفته . "
وشعرت نيرنبفيض من خيبة الأمل . لقد أمضى طيلة الوقت مع كيلتي ... في ذهابهماإلى انفرنيسثم أثناء انشغالهما في الغرفة المظلمة... وأخذت تحدق في نار المدفأة وهي تفكر فيه وفي حنينها إليه .
وعاد كيلتي يقول : " إنني صاعد إلى غرفتي إذن . "
فحملت نيرنكوب الشاي الفارغومشت نحوهلتضعيدها علىكتفهقائلة : " ليلة سعيدة . "
وبعد ذلك بلحظات ، فكرت وهي تغسل الصحون في المطبخفي ما عسى أن تبدو عليه الغرفة المظلمة ... ومن ثم قررت ان لا ضرر من إلقاءنظرة عليها .
كان الباب مغلقاً ولكن ما أن دفعته حتى شعرت بقلبها يكف عن الخفقان ذلك ان ستروم كان ما يزال هناك يقوم بتسوية بعض الأمور المتعلقة بأحكام إظلام الغرفة .
وأدار وجهه إليها وقد بدا التساؤل على ملامحه ثم قالبهدوء : " آهأهو أنتِظننتت ان كيلتيربما نسي شيئاً . "
وحدقت نيرن فيه شاعرةوكأنها تغرق وتساءلت عما يجعل الأشياء تختفي من حولها كلما كانت معهفي الغرفةولا يبقى سوى تأثيره عليهاوشعورها هذابالدواروالوهن ...
قال أخيراً وهو ينفض يديه : " ها قد انتهى كل شيء واستقر الأمر لكيلتي الآن . "
فقالت تغير مجرى أفكارها : "اخبرنيعن السبب الذي جعلك تتخلى عن هواية التصوير مادمت تملك تلك الموهبة؟لقد سبق وغضبت عندما علمت أن كيلتي تخلى عن التصوير وأنا اذكر قولك حينذاك ، إذا كان لدى الإنسان موهبة مافواجب ذلك الشخص ان ... "
فقاطعها : " أنني لم امتنع عن التصوير باختياري يا نيرن . "
فسألته : " وكيف؟ بإمكانيان افهم سبب تخليك عن تسلقالجبال والذي هو إصابة ركبتك أما التصوير .... "
فقاطعها : " لقد اقترن عندي تسلق الجبال والتصوير معاً. في البداية ، كان تسلق الجبالوبعد ذلك أردت أن أسجل العلاقة بين الإنسان والجبالمن خلال عدسة التصوير نعم معك حقلقد انتهت هواية تسلق الجبالعندي بإصابة ركبتيولكن ذلك الانزلاق على الصخورالذي أصابنيأثناءهبوطيلإنقاذنيكولاأصبت أيضاً في رأسي ... ما سبب دماراً لعصب الرؤية في عيني اليمنى وأنا الآن لا أرى بها كلياً . "
وانتاب نيرن الذهوللما سمعت وقالت : "ولكن .... "
وسكتت وقد تلاشى من ذهنها ما تريد قوله .....
وضحك هو قائلاً : " ولكن العين تبدو بحالة حسنة تماماً . آه يا نيرن لا تكوني حساسة من قولك أشياء قد تسبب لي الألم ، فأنا لست حساساً أبداً من كوني أرى بعين واحدة فقط ، وان يكن التعود على فكرة انتهاء أيامي في التسلق والتصوير معاً ، أخذ منيوقتاً طويلاً في الواقعولكننيكنت محظوظاً لبقائي حياً وعندما شفيت أخذت أتطلع حوليعن عمل أقوم بهوكنت قد سبق وفكرت قبل أن يحدث لي ما حدثفي ان أقوم ببناء أكواخ لمتسلقي الجبال ، وذلك بعد تقاعدي عن التسلقوهكذاعندما حدث ذلكالتقاعد مبكراً ، عادت إلى ذهنيتلك الفكرة وباشرت بها حالاًفاتفقت مع ممول ومن ثم قمت ببناءأكواخ قمم الجبالوكان النجاح باهراً ... ومنذ ذلك اليوم سرت في طريقي دون النظر إلى الوراء ."
فقالت بهدوء : " أليسغريباً أن يرث عنك ابنك ليس هوايةتسلق الجبال وإنما موهبة التصوير الفوتوغرافي أيضاً؟ "
فأجاب بلهجة متوترة : " نعم هذا صحيح ان بإمكاني التأكد بأنه يوماً ما سيجعلمن ذلك مهنةحسنة. "
فسألته قائلة : " ستروم .... هل علمت السبب في أنه أخذ محفظتكفي أولصباح أمضيته هنا؟ "
فأجاب : " لقد اخبرنيبذلك هذه الليلة . لقد أراد فقط أن يعرفهويتي الكاملةأراد ان يتأكد من أنني حقاً ستروم سومرليد غالبريثأبوه . "
وضحك بصوت أجوف متابعاً : " ويظهر أنه ورث أيضاً طبيعتي المتشككة . "
وأشاح بوجهه وكأنه يريد منها أن تعلم أنه لا يريد ان يتحدث عن ابنهأكثر من ذلك وتابع قائلاً : " إن القمر متألق تماماً هذه الليلة . وهذه فرصة حسنة للتأكد من أنه لا يوجدمنافذ للضوء في ظلام الغرفة هذه . "
وقبل أن تدركهي ما سيفعل، كان قد مشى نحو الباب يغلقه بهدوءثم يطفئالنور .
هذه العتمة المفاجئة جعلت نيرن تشعر بالدواروبمايشبه الاختناق .... فتحسست طريقها نحو البابولكنها قبل أن تصل إليه وجدت نفسها تصطدم بالجدار .
وهتف ستروم : " آه ،حذارلقد كدت تتسببينالضرر لنفسك في سيركهذا في الظلام . "
وجعلهاالظلام الدامسهذا تشعر وكأنها انتقلتإلى عالم آخر عالم منفصل تماماًعن واقعها، لا يوجد فيه سوى ستروم ولا صوت سوى صدى صوته في أذنيها .
وتنحنحت قائلة : " يبدو أنها ستكونغرفة حسنة . "
فأجاب: " آه نعمإنها رائعةلتظهير الأفلامولن يحصل كيلتي على غرفة افضل منها . "
ثم مد يده إلى خلفها وأشعل النور .
فقالت بصوت متهافت : " إنني ذاهبةإلى غرفتيالآن . هل ما زالت ... مصمماً على الرحيل غداً صباحاً؟ "
فأجاب : "علي ان أرحل يا نيرنإن بقائي .... "
وأبدى بيده إشارة وكأنه يتوسل إليها ان تشعر معهثم قال : "لقد أوضحت للغلام كل شيء وهو متفهم تماماً الآن . "
فقالت : " أنه بحاجة إليكيا ستروم . "
ورأته يجفلوكأنما صفعته ورأت كتفيه تهبطان وكأنما سلبت منه الحياةوهمست من خلال دموعها : "وأنا أيضاً بحاجة إليك . "
ولكنه استدار مبتعداً عنها . وأغمضت عينيها لحظة وكأنها بعدم رؤيته تنهيعذابه وعذابها . ثم عادتففتحت عينيهاوسألته : " في أي وقت ستشرع في المسير صباحاً؟ "
فأجاب : " أحب أن يكون ذلك في السادسة . "
فقالت : " سأراك في الصباحوسأجهز لك الفطورقبل رحيلك . "
ولم تنتظرجوابهكانت تعلم أن عليها أن تخرج من الغرفةوتغلق البابخلفهاقبل أن تنطلق من بين شفتيها تنهدات الأسى والحزن اللذين كانا يعتملان في أعماقها .



الفصـــــل الثاني عشر



" هل رحل؟ "
فمسحت نيرنالعرقعن جبينهابعد أن سمعت صوت كيلتيالذي كان واقفاً بباب المطبخ ، ثم استدارت تنظر إليه والتوى قلبهاألماً وهي ترى النظرةالتي بدت في عينيه وقالت بهدوء : " نعم لقد رحل . "
فازدرد ريقه بصعوبةثم أشاح بوجهه ومضى ينظر من النافذةثم قال : " كنت آمل أن .... "
واختنق صوتهبالانفعال فلم يستطع متابعة الكلام .
فقالت وهي تتقدم لتقف بجانبه : " نعم ... نعموأنا أيضاً كنت آمل ذلك . "
فقال : " انكِ ... معجبة به أليس كذلك؟ "
فأجابت : " وأكثر من ذلك يا كيلتيأكثر من ذلك بكثيروقد أردت منهأن يبقى من أجلي أنا أيضاًولكن هازيل سببت له الكثير من الأذى فلا تكرهه أنت . "
فأدار رأسهإليها . وكانت وجنتاه مبللتين بالدموع ، وهو يقول : " إنني لا أكرهه يا نيرنأما ما لا أستطيع أن أفهمه فهو كيف أمكن لأمي أن تؤذيه بهذا الشكل؟فهذا ليس من طبيعتها . "
فهمست : " كلا ، ليست هذه طبيعة هازيلولكننا لن نعرف قطماذا كان يجول في ذهنها .. أو في قلبها ... في ذلك الوقت . "
ووقفا معاً لحظة طويلة صامتين ، وقد ربط بينهما الأسى وأخيراًتنهدت نيرنواستدارتلتبتعد عندما وقعت نظراتها على مغلف مقفلموضوع على عتبة النافذةفتقدمت تتناوله وهي تقول : "آه لقد كدت أنسى إنها رسالة تركها لك ستروم ... "
فتناولها وقد بدا الاضطرابعلى ملامحهوهو يسألها : " رسالة لي؟ وماذا في داخلها؟ "
فقالت : " لا أدري ... لماذا لا تذهب إلى غرفةالجلوس وتفتحهاوسأبقى هنا اغسل الأرض وإذا أردت مني شيئاً فاصرخ لي . "
كان كل ما تعرفه أنه لم يكن بداخل المغلف نقودلأن سترومكان أخبرها أنه فتح في البنك في غلينكريغحساب توفيرباسم كيلتيوأن على كيلتيأن يذهبإلى هناك بأقربوقتليوقععلى الأوراقاللازمةكما أنه أعطى نيرنعنوانه في لندنوأخبرهاان عليها ان تبدأ الإجراءات اللازمةلحضانةكيلتي ، وسيقدم إليها ما تطلبه من عون ولم تشأأن تتذكر النظرة التي كانت في عينيه ، باردة نائية مقفلة وكأنه كان يبعد عنه ، ليس هي فقط وإنما الحياة نفسها ولم تستطع الاحتمال .

" نيرن! "
واستدارتبعنف وهي تسمع نداء كيلتي الخشن وقد اختنق صوتهبالدموع ونظرتإليه بارتباك وهو يندفع خارجاًملوحاً بالرسالة في يده .
وتساءلت نيرن عما إذا كانقد جنفقد كانت دموعه تنهمر على وجنتيه ... ولكن عينيه كانتا متألقتين بالفرح ، وهو يهتف : " إنها هنا في هذه الرسالة . "
ووضع ذراعيه حولها ثم حملهاوأخذ يدور بها بقوةأدهشتها ثم وضعها وهو يقول : " إنها هنا ، آه يا نيرن .... "
وخنقته الدموعوهو يناولهاالرسالة .
وتناولتها منهوأخذت تحدق فيها. كانت رسالة معنونةإلى ستروم .
رسالة من هازيل .
وهتفت غير مصدقة : " آه يا كيلتي . هل هذه.... ؟ "
فأجاب : " نعم إنها الرسالةالتي كانت أمي كتبتها له ... "
فقاطعته : " الرسالةالتي كتبتهاإليه بعد رجوعه إلى لندن ....الرسالة التي تحدث عنها؟ ولكن هذه رسالة خاصة يا كيلتي لا ينبغي لي أن أقرأها . "
فقال : " أقرئيها . "
كان صوته مرتجفاًووجههشاحباً وهو يكرر : " أقرئيهايا نيرن وستفهمين كل شيء . "
واهتزت يدها بالرسالةوهي تقرأها . كانت رسالة قصيرة كتبت بخط هازيل المألوفوكانت بالضبط كما سبق وأخبرها ستروم . كانت تخبرهأن قصتهما انتهت وأنها تحب شخصاً آخر . أنها تحب هوغ كما أحبته على الدوام .. قالت في رسالتها : لقد عرفت هذا حالما رأيته صاعداً الطريق بخطواته الواسعة ، عائداً من رحلة صيد السمك إنني آسفة يا سترومأظن أنني كنت أشعر بالوحدة فجئت أنتفيذلكالوقت ...
وهتف بها : " هل فهمتِ يا نيرن؟ "
فحملقت نيرن فيه وهو يختطف الرسالة من يدها وشعرت بساقيها ترتجفانفجلست على كرسي وعاد يهتف بها : " ماذا علينا أن نفعل يا نيرن؟ ماذا نفعل؟ "
فهزت نيرن رأسها وقد تملكها الذهولوشعرت بالدنيا تدور حولهاوقالت : "لا أستطيع أن أصدق ذلك .... ولكن كان علينا أن نعلم .. كان علينا أن نتكهن بالأمر ..لا بد أن هذه هي القصة. فأن أمك ما كانت لتؤذي أحداً ... إلا ذا اضطرت .. "
فقاطعها : " إلا إذاكان الأذى سيصيب آخرين أكثر مما يصيبه هو ... "
واغمض عينيه لحظة ثم تابع : " آه يا نيرن يا لها من تضحية قامت بها . "
فهمست نيرن : " نعم يا لها من تضحية ... والرجل الذي تأذى أكثر من الجميعكان ستروم . "
فقال كيلتي : " لقد كتب لي ورقة برفقة هذه يقول فيها انه كان دوماً يحتفظبهذه الرسالة معه ، إذ لسبب ما لم يستطع أن يلقي بها وهو يريدني أن أقرأها كبرهان على أنه لم يكذب بما قاله عما حدث بينه وبين أمي . "
فقالت وهي تتنفس بعمق : " انه لم يحلم قط بأن يكون فعل الرسالة أكثر من هذاكيلتي .. ان علينا أن نصحح الأمور . "
فأجاب : " اعلم ذلك ... ولكن كيف؟ "
فنهضت وهي تهتز ، فأمسكت بيده تقوده إلى مكتبهاوهي تقول : " اجلس ، ان الأمر عائد إليك الآن عليك أن تكتبله رسالة تشرح له فيها كل شيء . "
ثم دفعت إليه بورق ومغلف يحمل اسمهافي زاويته وهي تتابع : " اكتب إليه حدثه بكل ما في قلبك وبعد ذلك علينا أن ننتظروأنا أعرف أن انتظارنا لن يطول . "
ولكن لشّد ما كانت مخطئة .
وكم كانت حمقاء.
لقد جلست طيلة الليل تنتظر أنيرن جرسالهاتف وتسمع صوت ستروم ليخبرها أنه تلقى الرسالة وأنه عائد في أقربوقت.
وقد سهر كيلتيمعها إلى حوالي منتصف الليل ولكنه في النهاية ، انسحبإلى غرفتهوقد بانت في ملامحه خيبة الأمل.
وفي اليوم التالي لامت نيرن نفسها على عدم صبرها ذاك وحاولت أن تقّوي من ثقة كيلتي قبل ذهابه إلى المدرسةوذلك بقولها : " لا بد أن والدك سيتصل هاتفياً اليوم ."
ولكن ستروم لم يفعل .
ولا في اليومالتاليولا الذي بعده.
وقال كيلتي وقد انكمش على نفسه : " انه غير مهتم انه لن يتغير لقد فات الأوان . "
هل هذا صحيح؟
ومع نهاية الأسبوعالثاني ، تبخر آخر أمل عند نيرن . لقد كان ستروم غالبريث سفينةمرت بهما ذات ليلة وهما لنيرياه مرة أخرىأبداً . لقد أقبل إلى الشماللكي يوفي واجباته نحو ابنه حالياً ولما ، ولما أنجز ذلك ، أبعده و نيرن أيضاً عن ذهنه نهائياً . ولشد ما تمنت لو بإمكانهاان تبعده هي أيضاً من ذهنها .
كانت الريح دافئة صباح الأحد الذي سيصل فيه الفتيانعائدين من رحلتهم البحرية . ارتدت نيرن كنزةوبنطلونجينزووقفت على الدرجات الأمامية عدة لحظات لترى إن كان ثمة أثر للحافلةالتي ستأتي بهم . فهم سيصلون في أية لحظة وابتدأت تسير في الطريق نحو البوابة.
لاحظت بقلب حزين أن زهورالنرجس ابتدأ وقتها يمر ... كانت كابية اللون ذابلة فوق ساقها المائلة لتعطي مكانها لزهور الخزامى والأقحوان .
رفعت بصرها إلى شمس الربيعوتناهى إلى سمعهاصوت طيارةبعيدةووضعت كفها على عينيهاتمعن النظر .. كلاانها ليست طائرة بل مروحية ربما كانت قادمة من مركز البحرية .
وأعاد إلى انتباهها إلى الطريقصوت بوق سيارة وهناك حولمنعطف الطريقبرزت حافلة صفراء صغيرة الحجمها قد عاد فتيانها .
ما أكثر الأحداثالتي مرت عليها أثناء غيبتهمتلك ولكن كل ذلك أصبح جزءاً من الماضي الآن وعليها أن تتطلع إلى المستقبل وتنهدتوهي ترفع يدها تلوح لهموبعد ذلك بلحظة ، كان يحيط بها الفتيان المراهقون بوجوههم التي لوحتها الشمس والجو ، وشعورهم الشعثاء وابتساماتهمالجريئة العريضة وقد تبعثرت أكياسهم وحقائبهم على جانب الطريق .
قالت تخاطبهم بابتسامة ترحيب : " يبدو أنكم قضيتم وقتاً طيباً . "
وتسابقت أصواتهم الفتية : " نعم ، نعم كانت رحلة رائعة كان عملاً شاقاً يا نيرن ."
قالت بابتسامة عريضة : " حسناً ، لا بد أنكم جائعون تماماً بعد تلك الرحلة الطويلة بالحافلة . "
وقاطعها آركي وهو فتى يبلغ الست أقدامطولاً : " إننا لم نأكل شيئاً منذ السادسة صباحاً . "
فقالت : " لقد أعددت المائدة في المطبخلأجلكمستجدون سجق وعجة في الفرن وحليباً وعصير البرتقالفي الثلاجةفكلوا واشربوا .... "
وقبل أن تنهي كلامها كانوا قد اختفوا من أمامها وهم يتدافعون ضاحكين متجهين صوب باب المنزل .
وصافحت نيرن قائد الرحلة وهي تقول : " شكراً يا سيد وبسترلأعادتهمسالمين ."
فأجاب : " لقد كانت رحلة رائعة يا نيرن وأنا آسف لعدم مرافقة كيلتي لنا . كيف حاله؟ "
فأجابت : " آه انه الآن بخير . "
فقال : " لقد اضطررت إلى إرسالهإذ لم تكن تلك رغبتيولكنني أحسست ان مشكلتهلم تكن جسمانية كما ... "
فقاطعته قائلة : " لقد فعلت الصوابوالآنلا أحب أن أعيقكيا دان ... فأنا متأكدة من أن زوجتك بانتظارك الآن . "
فقفز عائداًإلى الحافلةوهو يلوح لها محيياً وما لبث أن غيبه المنعطف . نظرت نيرن إلى ساعتها . لقد ذهب كيلتي للنزهة مصطحباً الكلبوآلة التصويرقائلاً انه سيمر عند العودة بالمقبرة . إنها ستتفقد الفتيان ومن ثم ترتدي سترتها ثم تذهب بدورها إلى المقبرة حيث تلاقيه هناك....
ولما كان صوت الحافلة قد تلاشىمبتعداًفقد عاد إلى مسامعها صوت الطائرةالمروحيةمرة أخرى . لقد اقترب الصوت الآنورفعت بصرها إلى السماء ...
واهتز قلبها . ما الذي جعل تلك المروحية تبدو وكأنها ستحط في الحقل القريب من منزلها؟ هل ترى حدث خطأ ما؟ ولكن صوت الموتور كان يبدو متزناً . ربما هنالك مشكلات أخرىربما أصيب الطيار بمرض مفاجئ .
وركضت نيرننحو السياج الذي يفصل بين قطعتيالأرض ، لتخرج من بين الأسلاك إلى الجهة الثانية راكضة على العشب بخفة وكأنما نبت لها جناحان وفيمنتصفالطريق إلى الطائرة المروحيةكانت هذه قد توقفت .
وقبل أن تصل إليها بأمتار قليلة فتح بابها وخرج منها رجل . رجل فيسترة جلدية سوداء . رجل فارع القامة أسمر اللون وذو جاذبية مدمرة .
وكانت تعرفه جيداً .
وقفت نيرن فجأة وكأنها اصطدمت بحائط . لقد عاد لقد عاد أخيراً وأشرقت الدنيا حولها فجأة وتلونت الأشياء جميعاً بصباغ وردي زاه .
وهمست : " ستروم ... "
ولم تستطع أن تتحرك من مكانها ولكن لا بأس لقد قطع هو الطريق إليها ، ليحملهاويدور بها حولهإلى أن شعرت بالدواروتذكرت كيلتي ، ما أشبه الابن بالأبفهما الاثنان مولعان بأن يرفعا الآخرين ويدورا بهم بسرعة عندما يشعرون بسعادة .
وكان ستروم سعيداً عندما وضعها على الأرض وهو يهمس : " لم أكن أدري أنني واقع في غرامكوأنني بحاجة إليك وأنني لا أستطيع العيش من دونك . هل فات الأوان؟ "
ورأت عيناه الجواب في عينيها.
وأخيراً استطاعت أن تقول : "آه يا ستروم لقد كنت أتمنىدوماً لكي تعود عندما أرسل كيلتي .... "
فقاطعها قائلاً : " كيلتي؟ أين هو؟ "
فأجابته برقة : "لقد ذهب إلى المقبرة ، ان الفرح سيهزه لرؤيتكلماذا لا تذهبلرؤيته هناك؟ "
فقال : " وأنتِ؟ "
فأجابت : " سأنتظر هنا . "
وما أن ترك يدها ليذهب حتى انفجر الضحك والصفير والهتافمن ورائهاوأدارت نيرن رأسها لترىفتيانها مصطفين على الحاجز يتفرجون عليهما .
وهتفوا جميعاً بصوت واحد : " هيا يا نيرن لا تتوقفي . "
قال لها ضاحكاً : " هل هؤلاءالهمجيون فتيانك؟ هل علي أن آخذهم هم أيضاً إذاأنا أخذتك؟ "
فقالت : " نعم فهل هذا كثير عليك؟ "
فقال : " سأشغل وقتهم على الدوام ، لقد تدبرت عملاً لكل شخص هنا في كريجندوسيبدءون في خلال أسبوع. سأبدأ العمل في بناء مشروع الأكواخ الجبلية الذي صممت عليه منذ سنوات .. وسيكون هناك عمل لكل شخص هنا . "
فقالت بغبطة عميقة : " آه يا سترومستبقى بينا إذن مدة طويلة . "
فأجاب : " بل سأبقى إلى الأبدثقي بذلك . "
كان الفتيان قد ذهبوا جميعاً و نيرن وحدها في المطبخ حيث غسلت الأطباقوابتدأت بتحضير القهوةولكن ذهنها كان شارداً يفكرباللقاء الذيسيحدث فيالمقبرةبين الأب وابنه وهما يقفان معاً بجانب ضريح هازيل ، بعد أن تلاشت مرارة عدم التفاهم ذاك.
ونظرت من النافذة بعينين لا تريان . ما كانأحسن عودة ستروم العامرةبالحب لها ولكيلتيلو أنها حدثت قبل ، وليس بعدما علم بالحقيقة عن هازيل ، لو أنه فقط حاول الرجوع إلى نفسه ومناقشتها بعد رجوعه إلىلندن فيتغلبعلى مرارته بنفسه ... ويقتنع بضرورة وضعالماضي خلف ظهره إذا هو أراد أن يعود رجلاً سعيداً ويكون بطلها الفارس المتألق حقاً .
وهزت نيرن كتفيها بأسى ، إنرجلها هذا إذن ليس فارساً متألقاً بكل معنى الكلمة ولا بد لها من أن تعيش بينما يشوب سعادتها شيء من القتامة والكمد.
عادت إلى الواقعوهي تسمع الباب الأمامي يفتح فنشفت يديها واستدارت نحو الباب لترى ستروم عائداً ، فاندفعت إلى الأمام وهي تهمس : " أين كيلتي؟ "
فأجاب : " لقد نزل إلى الوادي لالتقاط بعضالصور وطلب مني تسليمك هذا . "
وحدقت نيرن دون أن تفهم في المغلف الذي ناولها إياه ، المغلف الذي يحملاسمها في زاويته العليا والذي كان كيلتيعنونه باسم ستروم بخط يده . هذا غير ممكن ، غير ممكن أبداً ..إنها الرسالة التي كانت طلبت من كيلتي كتابتهاإلى أبيه ليخبره بحقيقة تصرف هازيل نحوه بزواجها من هوغ بدلاً منه . ولكن الرسالة ما زالت مقفلة بينماكان من المفروض أن تلك الرسالةهي التي جعلته يعود .
وقالت تسأله : " إنني لا افهم . "
فقال : " وأنا لا افهم أيضاً ولكنه قال انك ستفهمين . قال لي بالضبط أخبر نيرن إنني لم أرسلها مطلقاً لقدأردته أن يشعر بالحاجة إلينا إلىحد أن يعود منتلقاء نفسه ."
وتفجرت الدموعمن عيني نيرن وهي تتناول الرسالة منه قائلة : " يا له من غلام حكيم انه يفوقني حكمة بكثير . "
فقال ستروم : " ولكنه معنون باسميهل يمكنني أن أقرأه؟ "
إنها طبعاً ستسلمه إياه ليقرأه . لقد علم الغلام مقدار ما سيصيب أباه من تمزق في المشاعر بعد أن يعلم الحقيقةفلم يحتمل رؤية المشهد.
وأجابته بصوت مختنق بالبكاء : "نعم أجلس هنا أما أنا فسأذهب لأضع بعض الخشب في المدفأة . "
وسكبت له فنجان قهوة وضعته بجانبه قائلة : " هناك المزيد من القهوة إذا شئت أما أنا فسأعود حالاً . "
ولكنها طبعاً لم تعد ذلك أنها كانت تعلم أن ستروم بحاجة إلى وقت يخلو به إلىنفسه إلى وقتيتكيف فيه مع الحقيقة ، إلى وقت يقتنع فيه قلبه بأن المرأة التيكان أحبهامنذ زمن طويللم تغدر به كما كان يعتقد ، إلى وقتيتحرر فيه من تلك المرارة إلىوقت يشعر فيه بألم جديد هو ألم الندم لحكمه الظالم ذاك على هازيل ، المرأة التي ضحت بسعادتهاوبالرجل الذي أحبت .. وذلك لكي تقف بجانب الرجل الذي هو بحاجة إليها حقاً .
وقفت نيرن إلى نافذة غرفة الجلوسملصقة جبينها بزجاجهاالباردوقد تاهت بها الأفكار. انه حقاً بطلها الفارس المتألق .. ولكن ما زال هناك بعض الشوائب وعليها أن تنتظر أما الآن فعليها أن تفكر في ما عسى أن تكون عليه مشاعر ستروم من عذاب مبرح ونظرت إلى ساعتها ... ها قد مضت أكثر من نصف ساعة منذ تركته مع تلك الرسالة .
" نيرن ..."
تجمدت وهي تسمع صوتهولم تستطع أن تتحرك لم تستطع أن تواجهه لم تستطع التفكير في الألم المدمر الذي ستراه على ملامحه والعذاب في عينيه ...
لم تسمع خطواته على السجادةوشعرتبأنفاسها تختنق وهو يقول: " انظري ألي يا نيرن ."
ما الذي ستراه؟ كانت خائفة من النظر في وجهه واستمدت كل شجاعتها ثم استدارت تنظر إليه .
كانت عيناه صافيتين هادئتين وهو يسألها : " ألم يتمكن هوغ من السير بعد ذلك قط؟"
فهمست : " كلا ، لقد أمضى بقية حياته في كرسي متحرك . "
فقال : " وذلك الحادث على السفينة .... "
فأجابت : " لقد حدث في الليلة التي سبقت عودته إلى غلينكريغ ، لقد ترك شخص ما ثغرة في أرضالسفينة مفتوحةفسقط هو في الظلام في عنبر السفينة فتهشمت ساقاه الاثنتان . "
وساد صمت طويل لم يكن يسمع فيه سوى صوت أزيز نيرانالمدفأةوكان في صوت ستروم عندما تكلم أخيراً ارتجاف بسيط وهو يقول : "انه إذن لا يمكن أن يكون قد عاد إليها صاعداً الطريق بخطواته الواسعة كما قالت في رسالتها تلك لقد تعمدت أن تقول هذا لكي لا أتكهن أنا بالأمر ..."
فقالت : " هذا صحيح . "
لقد لاحظت الآن البقع على وجنتيه والتي كانت العلامة الوحيدة على الدموع التي ذرفها وكادت غصة الألم تخنقها.
وقال : " كل هذاقد انتهى يا نيرن لقد أصبح في الماضي وأريد منكِ أن تعلمي أنه كان في الماضي قبل أن أحضر إليك اليومذلك أنني بعدعودتي إلى لندن ، شعرت وكأنني تركت جزءاً من نفسي هنا .... في غلينكريغ، معك ومع كيلتي لم يتملكني مثل هذا الشعور من قبل قط في حياتيحتى ولا مع هازيل . شعرت بأن الحب الكبير الذي غمر قلبي لم يدع مجالاً لأية مرارة سابقة . لقد تمكنت من أن أرى إن ما كان بيني وبين هازيللم يكن سوى سحابةصيف ... وأنا الآن اعتبره لا أكثر من حلم جميل .. فقد انتهى الكابوس ، آه يا نيرنلقد جعلتكتبكين .. مرة أخرى . "
فقالت : " إنني لا ... لا أستطيع المقاومة ... "
أجابها مهدئاً : " إذن فلتكن هذه الدموع .... دموعالسعادة . "
فأخذت نيرن تشهق باكيةإلى ان شعرت بالراحةأخيراً عند ذلك نظرت إلى ستروم بابتسامة مرتجفة وهي تقول : " لقد كانت فعلاً دموع السعادةولكنها كانت أيضاً دموع الحزن . الحزن لأجل هازيللا بد أنها كانت تراك في كل مرة كانت تنظر فيها إلى كيلتي كم كان هذا مؤلماً لقد أحبه هما الاثنان . "
فقال : " لقد سألني هذا الصباحعماإذا كنت أمانع في أن يدعوني باسمي ستروم قال أنه دوماً سيفكر في ان هوغهو والده كما قال أيضاً انه لن يدع أبوتي له سراً إذ ليس هناك الآن من يتضرر من ذلك .. ثم انه ... "
ومسح عينيهبيده متابعاً قوله : " وهو أيضاً فخور بي جداً . "
ما أكثر هذه المشاعرالتي انطلقت في نهار واحدوعادت الدموعتغرق عيني نيرن مرة أخرى ولكنها هذه المرةابتسمت من خلالها وهي تهمس : " إن فخره بك ليس بمقدار نصف الفخر الذي ستشعر به أنت نحوه . "
وتنحنح شخص ما ، فاستدارا هما الاثنان في نفس اللحظة . كان كيلتي واقفاً عند الباب وقد تساقط شعره الأسود فوق جبينه وانزلقت تنورتهالسوداء إلى وركيهوكانت الابتسامةواسعة تكسو وجهه وتنير عينيه بينما هو مستند إلى الباب .
كان مصوباً نحوهما آلة التصوير.
" آه ... ها . "
وانفجر ضاحكاً .




الخاتمــــــــة



" لقد وصل عريسك يا نيرن هل رأيته؟ "
فاستدارت نيرن عننافذة غرفة نومهاعندما دخلت أختها من الباب وهي تحمل باقة من الورود الحمراء يعلوها الندى وكانت عينا كيلا تتألقان إثارةوهي تقول لاهثة : " لقد كنت خائفة من أن ينسى ستروم إحضار الورود عند حضوره من لندن ولكنني كنت مخطئة إذ أن قرية غلينكريغ لم تكن تحوي الورود التي تستحقها ... بماذا كان دعاك؟ آه نعم ( زهرته الحلوة)! "
فضحكت نيرنقائلة : " إذنفقد لاحظتِأن ابن المدينة يمكنه أحياناً ان يقول الشعر هو أيضاً . "
وتناولت منها باقة الورودورفعتها إلى انفهاتتنشقهاوهي مغمضة العينين وقالت : "ما أروعهامن رائحة . "
واستدارت تنظر من النافذة مرة أخرى وهي تقول : " نعم لقد رأيت ستروم عائداًهل آدم جاهز ليأخذه إلىحفل الزفاف؟ "
فأجابتكيلا : " نعم انهم جميعاً بانتظاري في غرفة الجلوس . "
ووضعت ذراعيها حول خصر أختها ، وأخذتا تنظران معاً من النافذة إلى بناء مؤسسة " أكواخ قمم الجبال " الجديدة ... وإلى البيت الرائع الجمالالذي بناه ستروملأجل عروسه في موقع منزل كريجند الريفي القديموكانت نوافذ المنزل تشرف على الوادي والبحيرة وكان بإمكان كيلتي أن يرى من نافذته قمة جبله المحبوب سلاغمهور الشاهقةأما نيرن فستدير نزل برواش كمركز للمراهقين كما أن ستروم سيؤسس عمله في قرية غلينكريغانه لن يقول بعد الآن إن موطنه هو المكان الذي يعلق فيه قبعته ، وشعرت نيرن بالرضى وهي تقول هذا ان موطنه سيكون حيث هو يريد ان يكون .. هنا في غلينكريغ معها.
وتمتمت كيلا : " كان سترومقد قال أن المجمع الصناعي سيلتزم بناؤه عاما كاملاً وكان الحق معه إذ تحقق ذلكباليوم تقريباً ."
فقالت نيرن برقة : " انه كان عاماً رائعاً ... لقد كان كيلتي في منتهى السعادة كما أن ستروم ... "
فقاطعتها كيلا : " لقد جذبت قلبه بحلاوتك وحنانك ... "
وسكتت وهي ترى نيرن تتنهد وسألتها منزعجة : " ماذا حدث؟ "
فأجابت نيرن بوجه متجهم : " لا شيء كنت فقط أفكر في الماضي عندما كنت هنا وحيدة أفكر في روري ... "
وعضت شفتهاشاعرةبوجهها يتوهجوهي تتابعقائلة : " انه مازال وسيبقى محتلاًً زاوية من قلبي يا كيلا إن علي أن اخبرستروم .. ولكنني خائفة .. خائفة من ان لا يتفهم الأمر .. "
فاحتضنتها أختها بشدة وهي تقول : " آه يا للحمقاء كيف يخطر ببالك أن رجلاً مثله لا يعلم انك لست من نوع النساء اللاتي ينبذن ذكرياتهن بهذه البساطة؟ والآنلا أريد منكأفكاراً حزينة في مثل هذا اليوم السعيد . ابتسمي و ... "
وسوت من ثوب نيرن الأبيض وهي تقول : " والآن علي ان اذهب انتظري قرابة خمس دقائق ثم اتبعينا مع والدنا . "
ثم عانقت أختها واستدارت خارجةمغلقة الباب خلفها . وتلاشت الابتسامة من وجه نيرن ببطء وهي تتمتم آهيا ستروم وعادت تتشممالورود مرة أخرى وهي ما زالت تتمتم ، كيف يمكنني أن أمنحك كل قلبي وما زال .....
وتجمدت فجأة وهي تحدق في باقة الورود الرائعة ...لقد كانت تظن أنها تحتوي وروداً فقط ... وروداً حمراء ...
ولكن ، ها هنا عدة أزهار من النرجستختبئبين الورود كانت أزهاراً صغيرة رقيقةهي أجمل ما رأت في حياتها .
واحتبست أنفاسها في صدرها . لابد أن ستروم وضعها هنا بنفسه هل هذا سبب إصراره على إحضار الورود بنفسه؟ هل أرادها أن تعلم في يوم عرسهماأنه يدرك مشاعرها ويفهمها جيداً وأنه لا يريد منها أبداً أن تغلق قلبهاعن ذكرياتها مع روري؟
لقد كانت تظن من قبل أنها تحب ستروم ولكنها ترى الآنقلبها يفيض حباً . كان في قلبها من الحب الآن بحيث يكفي ستروم .. وكيلتيأيضاً كما أنه يكفي كيلا وزوجها وأولادهما ووالديها ... وبما فيهم روري ..
لقد كان ستروميعلم ما علمته الآنوما الذي علمهاإياهبهديته من أزهار النرجس هذه وهو أن القلب يمكنه أن يستوعب أكثر من ملئه حباًيمكنه أن يفيض حباً على الجميع.
كان هناككثيرونمتجمعين خارج مكان الحفل، وما أن اقتربتنيرن ووالدها من المدخل حتى رأت فاني وبستر بين المتفرجين ، تحدق فيها من خلف نظاراتها السميكة وتلاقت أعينهماوفي هذه اللحظة شعرت نيرن بانفعال بسيط في أعماقها وافترت شفتاها عن ابتسامة ماكرة . ذلك أن فاني وبستر ستبقى عدة أشهر تجد ما تتحدث عنه .
وبقيت الابتسامةعلى فم نيرن وهي تتهادى مع أبيها في ممر المكان ، ممسكة بباقة الورودولكن عينيها كانتا متجهتين نحو ستروم وقد غشاهما الدمع .
كان واقفاً أمام رجل الدين مع كيلتيوقد بدا الاثنان وسيمين بشكل لا يصدقفي ملابسجبلية كاملة ، والتفت الاثنان يحدقان فيها وهي تقترب . كان وجه كيلتي متألقاً بالفرح أما ستروم .. فقد جعل الحب الذي بدا في عينيه قلبها يخفق بعنف هل من الممكن أن يموت المرء من قوة الحب؟
وهمس أبوها في أذنها وهو يراها تكاد تتعثر في سيرها : " تمهلي الآن في سيرك يا فتاة ... تمهلي ... "
وعندما وقفت بجانب سترومسمعته يهمس لها : " لشد ما تبدينرائعة الجمال . "
نعم ... سيكون الأمر سهلاً .. سهلاً في أن تحب هذا الرجل وأن يحبها .
وعبقت رائحة الورود التي تحملها معطرة الجو بينما أخذ رجل الدين يعقد قرانهما بحيث يكونان زوجان معاً دائماً .. وإلى اللابد ..


تمــــــت





بقلم: غريس غرين


العنوان الأصلي لهذه الرواية بالإنكليزية : snowdrops for a bride


تاريخ إصدار الرواية : 1992

ترجمة : بلقيس حوماني

الطبعة العربية الاولى عن مؤسسة النحاس 1995




^^^^^^


نبذه عن المؤلفة



ولدت غريس غرين في اسكتلندا . ثم هاجرت مع زوجها المهندس البحري ، جون ، الى كندا حيث ربيا اولادهما الاربعة ، وهما الان يعيشان سعيدين بعد أن خلا البيت من الاولاد في غرب فانكوفر في منزل يطل على المحيط . غريس مغرمه بالسير على شطئ البحر ، وبالعناية بالحديقه ، ومقابلة كتاب اخرين .. ثم التفرج على شخصيات رواياتها في الافلام ، لانها تعلم ان تلك الشخصيات ، عندما تمثل رواياتها ستلهمها على تأليف روايات أخرى .



sudr_madian 12-05-2018 10:57 AM

رد: ✨دعني أحبك ✨ غريس غرين
 


الساعة الآن 04:23 PM.

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.1 منتديات